جريمة مجزرة الناصرية : الواقع والدلالات 3 من 3

أطفال يشعلون الشموع لذكرى الشهداء الأبرياء

أربعة عشر عاما وقد اعتاد العراقيون على الموت بالجملة وأسوأ 
ما في هذا الأمر أن يستسهل المرء الموت وكأنه لا شيء ويتعامل معه باللامبالاة وبالطبع كالعادة لن تطول ذكرى مجزرة الناصرية أكثر من أسبوع لتعود الأمور الى طبيعتها بانتظار أن تتفضل داعش وأخواتها لا سمح الله بعدوان جديد .. ولو سألنا اليوم ماذا حل بنتائج التحقيق في مجزرة الكرادة ومن تحمل مسؤوليتها ومن خسر حتى جزءا من امتيازاته ومناصبه على الأقل ليكون عبرة رادعة للآخرين . 
والحكومة تتعامل باستخفاف مع كل هذه الجرائم لأن الناس لا تطالبها بأكثر من هذا وخاصة فيما يتعلق بجرائم الإرهاب والإبادة الشاملة . 
ولأن الشيعة هم الضحية الأكبر لهذه الأعمال الإرهابية في ظل سلطة يفترض أنها شيعية فإنه تجري معالجة الأمور بالمخدرات والمسكنات التي يزرقها في عقول الناس الروزخونية والرواديد كاسحات ألغام السياسيين وكل من هؤلاء ينال نصيبه من الأجور المادية والمعنوية بينما تلوذ عوائل الضحايا بجدران بيوتها المهترئة ولا أدري هل هي مصادفة لتلعق جراحاتها وتجتر آلامها وستنسى كما نسيت آلاف العوائل التي سبقتها . 
الناس تمتلك الحق في الحياة وليس في الموت وإن كانت للموت حتى في سبيل مبدأ أو قضية قيمة فليبادر هؤلاء الذين يدعون ذلك ويتصدرون الصفوف بدلا من إنتظار الكوارث لجني الأموال أو الحصول على المناصب والمكاسب والامتيازات . 
لا يختلف إثنان في العراق على حقيقة أن الفساد شريك للإرهاب في هذه المجازر ولولا الفساد لما وجد الإرهاب طريقه الى النجاح في الضرب متى ما شاء وفي الأماكن التي يريد ليسجل حضوره الدموي ولا ينال الا من البسطاء والمساكين من الناس والفساد لا يقتصر على الرشوة وحسب أو قيام القيادات الأمنية بتسهيل أعمال الإرهابيين ولكن أيضا بعجز وتواني الطبقة السياسية الحاكمة عن بناء أجهزة أمنية مؤهلة وكفوءة ونزيهة . 
سأضرب مثالين عن واقع الأمن في العراق في زمن المالكي ظهر واشتهر شخص باسم الدكتور سمير حداد وكان مستشاره للشؤون الأمنية ويتولى الإشراف على كل الأجهزة الأمنية والرجل كان معروفا عند العراقيين في لندن باختصاصه في تصليح السيارات والسمكرة وباسمه المعروف " سمير التنكجي " ويعمل في كراج يعود لشخص عراقي في منطقة شبردز بوش في لندن وهو مبدع في مجال عمله كما أن مهنته تدر ربحا وفيرا وفجأة في العراق الجديد اختفى الشخص ليظهر في بغداد ويضع امام اسمه لقب دكتور والرجل لم ينه دراسته الثانوية وصار الحاكم بأمره وأمر المالكي عندما جاء العبادي وضع عقيل الخزعلي على رأس المخابرات في بلد كالعراق ومثل هذه المرحلة الخطيرة من الحرب على الإرهاب والنشاط المتعدد الجنسيات وغير ذلك من الجوانب وكل مؤهلات الرجل أنه طبيب عادي ولا أريد الخوض الى ما هو أكثر من ذلك والإختيار لكل الوظائف في العراق يتم إما على أساس الانتماء الى واحد من الأحزاب القذرة بدون إستثناء أو القرابة من شخص المسؤول وعلى رأس هيئات الأمن الوطني يقف شخص فالح الفياض ومهمته في السلطة هي التفتيش عن أي مكان ليضع فيه أقرباءه وقد رأيت بنفسي عندما أفتتح المركز الثقافي في لندن واسم المدينة يكفي لبيان أهميتها وكان ثلاثة من خمسة موظفين في المركز من أقرباء الفياض وقد تعرفت عليهم عن كثب فوجت أنهم بين خريج متوسطة وثانوية ولا يجيدون من لغة البلاد التي يشتغلون فيها جملة مفيدة واحدة ولم يكتف من عينهم في هذه الوظائف بأن وجد لهم عملا بل وأضاف اليه إمتيازات الإيفاد الهائلة والتي تشكل فرصة العمر فمن يفعل ذلك في الوظائف والدوائر البعيدة عن إختصاصه ماذا سيفعل تراه في الوظائف التي تحت يده وتتم بقراره وقضايا الفساد عموما في الأجهزة الأمنية والجيش لا تحتاج الى بيان وتوضيح فهي معروفة للناس وفي كل مدينة هناك من القصص ما يشيب من هولها وآثارها الولدان . 
قبيل الجريمة الأخيرة كانت وسائل الإعلام تردد أخبار النزاعات الحدودية ويا للمهزلة بين محافظتي المثني وذي قار والحمد لله أن ليس لهما صلاحية الحرب وإلا لإشتعلت حرب داعش والغبراء وفي وضع كهذا هل نستغرب كيف يتسلل الإرهاب ويضرب بل وينسحب الى مأمنه ليعيد الكرة في مكان آخر . 
وفي تشييع لأحد المتوفين في وقت سابق شاهدت شريطا تطلق فيه النيران من غير حساب وكأن حربا قد قامت والمحزن أن الناس تحمل أسلحة لا تظهر الا عند الجيوش أو العصابات والمليشيات من قبيل قذائف الآر بي جي والبي كي سي وغيرها فهل سيكون صعبا على عصابة إرهابية أن تنتقل من أي مكان لتحصل على السلاح على بعد خطوات من مكان الجريمة لتبدأ جريمتها فلا يلتفت اليها أحد . 
وأشياء كثيرة يمكن أن تقال في هذا الصدد ولن نضيف شيئا على ما يعرفه الناس وقد تعودنا اللطم وهذه مناسبة إضافية والقتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة وكل هذه الدماء تذهب هدرا كما ذهبت من سبقتها من أجل أن تتمتع طبقة عميلة وسافلة ومنحطة ومجرمة بالحياة على حساب مصير بلد وحياة شعب وفي جريمة الناصرية ليست داعش وحدها المسؤولة بل النظام السياسي برمته ومن شارك فيه ومن أقامه وعجبا لمن يرضى بجلد نفسه وتهديد حياته دفاعا عن هؤلاء وعمليتهم السياسية .
وما لم يتم إصلاح أحوال العراق جذريا ومعالجة كل نتائج الاحتلال للعراق سيبقى النزف مستمرا خاصة وأن الإصلاح أمل بعيد ومن سيصلح والجميع غارقون في الفساد .