حوار مع كاهنة أور.. الشاعرة رسمية محيبس

الشاعرة العراقية رسمية محيبس التي ولدت على ضفة نهر الغراف، وركضت على رمله الحار تتابع افواج الطيور المهاجرة سحرتها تلك الطبيعة منذ الصغر، وشغفت بعالم الادب والشعر كانت تكتب وهي تناجي نهرها وبيئتها الاولى كتبت قصائد بيضاء محلقة في تلك البيئة الساحرة لكن قصائدها لم تعرف طريقا الى النشر حتى وقت متأخر ولكنها اعتبرت النهر ملهمها ومنبرها الذي تقرأ له وتبوح بخلجاتها وما زال الغراف معلمها الاول وصومعتها الخالدة ومسرحها الكبير .

التقينا كاهنة أور فكان لنا معها هذا الحوار، فمرحبا بك ست رسمية محيبس.

 

س1: هناك آراء في الوسط الثقافي تعتقد بأن لا وجود لمرأة شاعرة أو ليس لها من الشعر شيء،وأحياناً تطرح هذه الآراء علانية. ما تعلق رسمية محيبس على هذه الآراء؟

ج: هذه الآراء ليست جديدة وهي نوع من الرفض الذي يواجه المرأة المبدعة لأن الأدب نوع من التمرد والمرأة عندهم كائن مطيع واعزل لا قدرة له على قيادة المجتمع أو التاثير فيه لكن هذا الرفض من جانب المجتمع قد يجعل جمرة الابداع تتوهج داخل النفس الشاعرة والانثى على وجه الخصوص لأن الكتابة تعبير عن الذات وخلجاتها وهي موهبة منحها الله لها فكيف يحاول هذا او ذاك الغائها سواء كان هذا الرفض من الوسط الثقافي ام من الناس العاديين لان المثقف احيانا يقف بالضد من المرأة المبدعة بالضد من وجودها مقللا من شأنها بالنيل منها ومما تكتبه فتواجه بالرفض حيث تجد السيطرة الذكورية هي السائدة ولا يرغب امثال هؤلاء الا ان تكون المرأة جسدا يصرخ بالشهوات لا كيانا يفكر وينتج; ورغم هذا الانكار تجد ان هناك عناصر نسوية مخلصة لموهبتها ومشروعها الابداعي استطاعت ان تجتاز جميع العوائق، وتجد نفسها في مراحل متقدمة قد تتفوق فيها على أخيها الرجل ان لم تكن مساوية له في الانتاج والطموح، وبرأيي ان هذا الرفض يشبه الوقود الذي يفجر في كيان المرأة موهبتها وينميها ويجعلها تواجه العقبات، وتتحداها لتمنح أجمل ما عندها لكنها غالبا ما تدفع الثمن غاليا من صحتها وشبابها وروحها نتيجة هذه المعاناة والمجابهة والرفض·

 

 س2: على الرغم من شاعرية رسمية محيبس إلا إننا نراها تعزف عن الظهور في الفضائيات وحسب علمنا أن رسمية محيبس تلقت الكثير من الدعوات وتم رفضها. ما سبب الرفض؟؟

ج: ظهوري بالفضائيات قليل جدا فأنا لست نجمة اعلانات ولا مهووسة بالأضواء والشهرة مع ان كل شاعر يجب الوصول الى الجمهور وان يكون معروفا ومشهورا لكن هذا لا يأتي عن طريق الفضائيات والقفز من فضائية لأخرى وانما بصياغة التجربة بتعب وجهد ولكل مجتهد نصيب لا اعتقد إني مجهولة او غير معروفة لي اسم يعرفه الناس تعبت لكي اوصل لهم ما عندي من موهبة وقدرة على الكتابة شعرا وقصة ومقالات ورواية والجمهور مهما اختلف في قبول او رفض الشاعر; فهو مرآته الحقيقيةمنها يعرف ان كان. ما يقدمه مهما ام. لا كما اني بطبيعتي خجولة جد ولا احب كثرة الظهور لكن لا استطيع الاستغناء عنه نحتاج احيانا شيئا من الضوء يسلط علينا فالشاعر لا يعيش في صومعة الظهور ضروري له لكن بقدر حجم عطائه. ولم اظهر الا مرات قليلة منها لقاء قصير في العراقية ولقاء جميل في قناة بلادي وآخر في الحرة عراق انا اكتب وانشر ولي جمهور محترم استمد بقائي ومواصلتي من تشجيعه واهتمامه بكتاباتي وآراءه سواء كانت كتابات نقدية ام آراء مباشرة اسمعها منهم فالقراء هم مرآة الكاتب الحقيقية .

 

س3: الشاعر يستطيع وصف محاسن ومفاتن المرأة، هل تستطيع الشاعرة فعل ذلك أم إنها مقيدة العرف العشائري؟

ج: ليست مسألة عرف اجتماعي لكن تبدو المسألة غير مستساغة ان اتغنى بمحاسن رجل فالرجل عندي جسد وروح لا ينفصلان انسان وكفى قد تعجب الشاعرة بمواصفات خاصة في الرجل كالرجولة مثلا ان يكون مكتملا له صفات يمتمز بها عن اقرانه من الرجال لا اقصد ان يكون مثلا اعلى لكن هناك جاذبية خاصة في الرجل لا تتعلق بالجمال فالجمال زائل ولكنه يوجد ما هو أثمن قد تنشد المرأة لبعض ملامح الرجل ولكن تأتي خيبة الأمل حين تعرفه عن قرب اما التغني بصفات جسمية فذلك ليس من الشعر في شيء ولا يختلف عما يكتب عن جسد المرأة وهو ما يعرف بالشعر الايروسي لكن حتى هذا النوع من الشعر فيه ما هو حي ومميز وله جاذبية خاصة ومنه ما لا يمكن ان يحسب على الشعر في شيء .

الشعر رسالة انسانية كبيرة اكبر من ان توضع في خانة الجسد انه عطاء فكري وانساني لا تحده حدود.

 

س4: (حين تموت الشاعرة ترتبك إنوثة القصيدة). هل فقد الشعر وجدان النقيب؟

ج: وجدان النقيب آلمني رحيلها المبكر كونها شاعرة لها تطلعاتها واحلامها الكبيرة احسست كما لو ان القصيدة ترقد معها على أسرة الشفاءهناك دموع غزيرة تراق لرحيل اي شاعر أو شاعرة او اي انسان عزيز لم اعرف وجدان ولم التقي بها لكني ادركت من حديث اصدقائها انها فتاة رائعة رأيتها تلقي الشعر كانت قضيتها الاولى مكافحة السرطان وهي قضية انسانية كبيرة تلتهم الاحبة وقف الطب عاجزا عن وضع حد لها لقد أفقدتني أحبة كثيرين أولهم أبي وما زال شبح الموت يترصدنا جميعا لها الذكر الطيب ولاهلها الصبر والسلوان.

 

س5: (قوديني كخروف نحو ربيعك خليني أرعى بين بساتينك وينابعك أنت الطين الحري وأنا الماء فالنمتزج الآن قيمر المعدان). ما أثر رحيل الماء عن رسمية محيبس؟

ج: سؤال جميل جدا فعلا احسست بهذا العطش الروحي لرحيل الصديق والحبيب كزار حنتوش مقطوعته الشعرية التي علقها على جدار غرفتنا والتي هي أول شيء رأيته عند دخولي كان لها فعل السحر في اعادة الطمأنينة والسلام الى نفسي

قوديني كخروف ضال نحو ربيعك

خليني ارعى بين بساتينك وينابيعك

أنت الطين الحري وأنا الماء

فلنمتزج الآن

قيمر معدان

بددت كل الخوف والغربة وهذا ذكرته في روايتي كاهنات معبد أور وهذه المقطوعة رددها جميع من كتبوا عن الشاعر بعد رحيله. لقد كان رحيلا مأساويا جعلنا نفقد شاعر الطيبة والاصالة و العفوية المطلقة لكن الحياة لا تقف عن محطة واحدة حاولت ان استمر وانهض من جديد حاولت الكتابة عن سيرته الذاتية ونحجت في كتابي الشعر مقابل الحب فقد حولت حادثة رحيلة الى نقطة انطلاق جديدة لي ونجحت

 

س6: لدى رسمية محيبس الكثير والعديد من النصوص. أي نص تراه قريباً منها؟

ج: سألت اعرابية عن احب اولادها فقالت صغيرهم حتى يكبر ومريضهم حتى يشفى وغائبهم حتى يعود وأنا كذلك اعتبر نصوصي أولادي لكني افضل بعضهم مثلا بعض النصوص تعبر عني بدرجة كبيرة جدا كقصيدة فوضى المكان وقصيدة نافذة وقصيدة ثرثرة التي هي عنوان مجموعتي الشعرية كذلك احب نصوصي الاخيرة ولا أقف في محطة واحدة. بل اطمح الى التغيير دائما وتجاوز المراحل الاولى أن كثرة المطالعة لكل جديد في الشعر يصقل تجربة الشاعر ويزيده خبرة ومهارة في كتابة النص وقصيدة النثر ابهى ما وصلت اليه الحداثة في الشعر القصيدة التي تتمتع بمواصفات فنية واسلوبية وتبدو مكتنزة وخالية من الترهل والحشو اللفظي ومن الغموض المفتعل وانا احرص على جميع هذه الصفات وما اكتبه اليوم احس انه اجمل مما كنت عليه بالامس

 

س7: لو أعطيتك قطعة من طين شط الغراف وقصبة من هور الجبايش. فكيف ستكتبين لنا تعريفاً عن رسمية محيبس؟

ج: الله احس ان روحي جبلت من طين الغراف وعجنت بماء الهور رسمية محيبس كائنة لا تجيد مخاطبة العالم الا بالشعر اكتشفت انني لا أجيد الكلام منذ الطفولة وانا اختلف عن اقراني ولانني لا اجيد مخاطبة الآخر عوضني الله عن ذلك بان منحني قدرة الكتابة كنت اهرب من البنات واختار لي مكانا نائيا اعيش فيه مع ابطالي الخياليين في الكتب وهو عالم اجمل كثيرا من عالمنا وكلما ازداد التصاقي بذلك العالم كلما اتسعت الفجوة بيني وبين الآخرين مما ادى الى ظهور موهبة الكتابة وبالاخص الشعر والقراءة لقد. امضيت وقتا عظيما من عمري وأنا انحني على كتبي ودفاتري لكن الوظيفة ومهامها وانتقالاتي الدائمة قللت بعض الشي من ذلك الالتصاق وحررني، كما ان العمر ومتطلبات العيش مع الآخرين; تجبرنا على محاولة فهم الآخر او افهامه وايصال ما عندنا اليه ومع ذلك لا زالت الكتابة هي المهنة الوحيدة التي اتقنها واعبر من خلالها عن افكار رسمية محيبس وطموحاتها وبامكانك ان تقول انها إمرأة يحدها الشعر من جميع الجهات فهو جسرها الذي تصل من خلاله الى كل المحطاتِ

 

8: جمعة عبد الله،علاوي كاظم كشيش، ماذا تمثل هذه ألأسماء لرسمية محيبس؟

ج: جمعة عبد الله كاتب ومثقف التقيته من خلال صفحات المثقف يتصف بالثقافة وله قدرة على تحليل النصوص وفهمها وابداء رايه عكس جمهرة كبيرة من المثقفين الذين يأنفون عن ابداء ارائهم وتوجيه الشباب الى مكامن القوة والضعف في نصوصهم ان صمتهم يعني انهم اخذوا موقفا من هذا الاسم او ذاك، لكن ذلك لا يوثر في الموهبة الحقيقية فالشعراء يهدون مجاميعهم للحصول على رإي. مع اني بدأت أضجر من هذه الطريقة، واجد فيها غبن لحق الكاتب والشاعر، ويجب التعامل مع الكتاب بطريقة مختلفة يحترم فيه المطبوع ويكون له مردود مالي لصاحبه

علاوي كاظم كشيش شاعر له بصمة خاصة وتجربة متفردة يختلف كثيرا عن الاسماء التي جايلته وما زال يواصل مشواره الادبي باصرار ونجاح كبيرين لم يجتح الى الغموض والفذلكات اللفظية بل كان شاعرا ماهرا في جميع اشكال القصيدة وقد سألت الشاعر كزار حنتوش وهو صديقه الاثير هل صحيح ان علاوي كشيش متأثر بمحمود درويش؟ فأجاب كزار بالعكس محمود درويش متأثر بعلاوي اجبت عجبا! قال كزار طبعا رسمية أنا علاوي عندي لا يكوم ولا يكعد.

 

س9: (روح البربين)، هل مازال هذا الوصف يأخذ حيزاً من حياة رسمية؟

ح: أجل مازال ياخذ حيزا كبيرا من روحي لأنه ينطوي على الرقة التي هي أنا احيانا اضجر لهذه الرقة المتناهية واحاول ان اكون أكثر قوة لانسجم مع هذا العالم ولكن يبدو ان الشاعر ادرك انه صفة لا يمكن الا ان تلتصق بي روح البربين تسمية جميلة اطربت الكثيرين عند نشر القصيدة لأن كزار يعرف كيف يستحوذ على مشاعر وعواطف معجبيه انه وصف جميل قد لا استحقه ولكني سعيدة به ان مفرداته ملفته للنظر غريبة وجمله الشعرية شيفرات للحب والجمال والدهشة.

 

اجرى الحوار: كريم حسين... عن صفحة المثقف