استفتاء أربيل ومحتويات الصندوق الاسود

أزياء عراقية

عارف معروف

رُبَّ ضارةٍ نافعة ، فهاهي دعوة الاستفتاء البارزانية تُلفتُ نظر الشعب العراقي الى مجرياتٍ ما كانت تحظى بانتباهٍ او تركيز، وتدعوه الى مراجعة وتمحيص الأسس التي قامت عليها ليس دعوة الاستفتاء هذه ، فحسب ، بل وكامل الوقائع السياسية بعد 2003 والتي انتهت بالعراق الى هذا المآل .
وبدأ الناس ، وكأنهم يستفيقون من غفلة ، يعيدون التفكير بما عنته عبارة البارزاني الحربية " لا داعي للبحث ، بعد اليوم ، في تطبيق المادة 140 من الدستور ، فقد طُبقتْ وانتهتْ " قاصدا بذلك انه استولى على كركوك والمناطق المتنازع عليها بقوة السلاح ومنطق الامر الواقع ، وبذلك لم تعد هناك مشكله اسمها كركوك او مناطق متنازع عليها تستوجب البحث والتفاوض . بل ان هذا البحث والتفاوض وحتى منطق او مفهوم " المناطق المتنازع عليها " والذي صيغ دستوريا ( ! ) واصبح بحكم الترويج و التكرار من المقبولات او المسلمات ، ما عاد كذلك . مثيرا ، على نحو متسع ، السؤال عن معناه في بلد واحد والعلاقة بين اطياف شعب واحد ، كما يقول الدستور وتؤكد دعوات اطراف العملية السياسية !
ولم يعد من المقبول ، كذلك ، اليوم وبعد اليوم ، وسواء أتم الاستفتاء وانتهى الى خيار الانفصال او تم التوصل الى تسوية او مساومة تعيد انتاج العلاقة الغامضة والصيغة غير المألوفة في تاريخ الامم والشعوب وتجارب الحكم الذاتي فيها او الاتحادات الفيدرالية ، ان تظل هذه الامور مسكوتا عنها . وارتفعت الاصوات مطالبة بالوضوح والتحديد بل واعادة الصياغة دستوريا وتطبيقيا لمحتوى آخر يعالج المشكلة الكردية، بل والوضع العراقي ، برمته ، على نحو سليم ومقبول ومتوازن . بنّاء ومستقبلي ، واستنادا الى الوثائق والاحصاءات والحدود الرسمية ، الموثقة والمعتمدة والتاريخية ، وليس على واقع القوة والغلبة من جهة ، او واقع المساومات والترضيات والتخادم بين اطراف " العملية السياسية " من جهة اخرى .
لقد ارتفعت اصوات البعض من الكتاب والناشطين العراقيين ، منذ فترة ليست بالقصيرة ، مطالبة " بتحرير العراق" والقرار العراقي من السيطرة البارزانية ! ربما حَسِبَ البعض انها صورة سوريالية او مما ينتمي الى فن اللامعقول ، فكيف لأقيلم ذو حكم ذاتي، محدود المساحة والسكان والموارد ، ان يسيطر على الدولة الام ويُسيّر بل ويتحكم في جوهر القرار ويتدخل في كل حيثياته وتفاصيله ، في الوقت الذي لا يمكن فيه للدولة الاتحادية ان تمارس اي فعل من افعال السيادة او غيره على اراضي الاقليم ؟! لكن هذا هو واقع الحال، للأسف . ليس اليوم ، بل ومنذ 2003 ولأسباب كثيرة يتعلق اهمها بواقع ان القيادة الكردية كانت هي الاكثر تنظيما وقدرة وفاعلية في 2003 في الوقت الذي كانت فيه معظم القوى الاخرى ، التي شكلت اجنحة وعناصر " العملية السياسية " للنظام الجديد، ضعيفة وهامشية وبلا جذور او علاقات يعتد بها ، بالنسبة للبعض ، اولا . ولتعويلها ، هذه القوى ، اصلا ، واعتمادها على القيادة الكردية وثقلها السياسي في تمرير الكثير مما كان فيه مصلحتها ، ليس دون ثمن طبعا ، ثانيا ! 
فلم تكّف قيادات التحالف الوطني الشيعي ، مثلا ، عن التباهي بما كانت تسميه بالتحالف (الكردي- الشيعي) والدعوة الى استمراره وتعزيزه ، دون ان تنتبه الى ان دعوة مثل هذه ليست غير مقبوله ، بعد سقوط النظام الدكتاتوري السابق والدعوة الى بناء دولة المواطنه الدستوريه الديمقراطيه فحسب ، بل ومخربه . اذ انها ستعني بالنسبة لعرب العراق السنه انهم مستهدفون بها، وتجعلهم بالفعل ، عرضة وفريسة لمشاريع ودعوات مدمرة ! لقد كانت قيادات هذا التحالف" الشيعي " تسعى الى ارضاء القيادة الكردية التي كانت بدورها تواصل ابتزازها وتمرر ما تريده . وبخلافه ، فإنها لم تكن تكتفي بعرض قوة سياسي عبر البرلمان ، مثلا ، بل وتلجأ الى الضرب تحت الحزام ، في الغالب ودون تردد او شعور بالحرج . 
لقد كان دور كردستان محوريا في عراق ما بعد 2003، اذ لم يقتصر على التأثير الكبير من خلال التحالف الشيعي بل وكانت اربيل ايضا ، وربما بدرجة متزايدة ، ملاذا وقبلة لممثلي " السنه " . سواءٌ منهم "سنة" السلطة والعملية السياسية في العلن وعلى الصعيد الرسمي ، او " سنة " معارضة العملية السياسية ورفضها ، في الخفاء وبصورة غير رسمية ،. ناهيك عن علاقة القيادة الكردية التاريخية والمعروفة بتيار ما عرف بالقوى المدنية و" اليسارية " وتسهيله للكثير مما يعنيهم . لقد جعل ذلك من البارزاني ، صانع ملوك حقيقي في العراق . وكان الجميع ، اذن ، شركاء في انماء قوته وتأثيره والتغاضي عن تجاوزاته واخلاله الخطير بالتوازن السياسي والاجتماعي . ولذلك فأن معارضة هذه القوّة المتنامية ومحاولة الوقوف في وجهها او على الاقل الحد من تأثيراتها او التساؤل عن بعض تجاوزاتها كان يستدعي السخط الشديد ويؤلب على صاحبه او الجهة التي تدعو اليه، معظم القوى السياسية ، سواءا من اطراف العملية السياسية ، او حتى من خارجها كذلك . ومثال نوري المالكي ، سواء في صعوده وتألقه ، او اندحاره وتحوله الى سبب لكل الرزايا ، مثال واضح على دور القيادة الكرديه المتمكن والحاسم وخضوع الجميع ، تقريبا ، لتأثيراتها !
ان فحصا ، لمحتويات الصندوق الاسود ، لو تّمَ ، سيجيب على الاسئله الحائره ، اليوم ، في مصدر قوّة البارزاني واصراره على الذهاب الى الاستفتاء دون مبالاة ، ورغم المعارضة الدولية شبه الاجماعية ، وفيما اذا كان يمثل اندفاعا متهورا وغير محسوب ويستند الى الحماسة والاندفاع الشخصي او دعم اسرائيل فقط . وربما القى الضوء على بعض اوراق اللعب الخفية التي يراهن عليها والتي بدأ بابراز بعض ثناياها ، اليوم .
لقد صرح البارزاني بالقول : " يفكر البعض بأقلاق امننا . ان من سيحاول اقلاق امننا وراحتنا ، سنجعل امنه وشعوره بالراحة مستحيلا " . ورغم تعب القوى الاقليمية والعربية وانشغالها بمشاكلها المتفاقمة مما يضعف احتمالية قدرتها على التورط بصراعات عراقية - عراقية ، واعلان السعودية ، رسميا، معارضتها للاستفتاء ، فأن فحصا جدّيا لبعض ارهاصات او اصداء الواقع العراقي واحتمالاته ، لا يمكن ان يتجاهل الاحاديث المبكرة ، جدا ، وان كانت تبدو ، هامسة ومتردده اليوم ، عن الاقليم العربي السني ووحدته " المرجوه " مع كردستان تحت القيادة الحكيمة لمسعود البارزاني !