الحزب الشيوعي العراقي واستفتاء البارزاني

الحزب الشيوعي العراقي

نصير المهدي

آخر فتاوى حزب " تفليش " العراق أن الاستفتاء لا يقود الى الإنفصال وأنه شأن داخلي كردي .. وقضي الأمر الذي فيه تستفيان وليس فيه ما ينتقد لأنه موافق ومطابق لشعار " نا " بحق تقرير المصير .. وهكذا تم حل واحدة من أعقد وأخطر المشاكل بعد الإنتهاء من خطر داعش بكلمتين لا أكثر .
الاستفتاء لا يقود الى الإنفصال !!؟؟ .. عجيب هذا النفاق وهذه الانتهازية السياسية بل هذا الجبن في تسويق المواقف إن كان لا يقود الى الإنفصال فهو إذا عبث لأنه والعراق لما ينتهي بعد من خطر داعش الداهم ولديه عشرات المشاكل المهمة والملحة في مختلف الأمور سياسية وإجتماعية وإقتصادية وأبرزها ملف المهجرين والنازحين وإعمار المدن المدمرة وإن لم يكن خطوة على طريق الانفصال فما هي ضرورته وخاصة في هذا التوقيت سوى زيادة التوترات الاجتماعية والسياسية في العراق كبداية لمرحلة ما بعد داعش أي خميرة للفصل الجديد من المسلسل المتواصل لاستنزاف العراق والا فالقيادة الكردية لا تحتاج الى إستفتاء لإثبات شرعيتها مقابل بغداد فهي حازت على هذه الشرعية في الانتخابات السابقة وهي تستطيع تجديدها في الانتخابات المقبلة وإن لم يكن الإستفتاء تمهيدا للأنفصال فماذا سيصنع به البارزاني هل سيضع لنتيجته المحسومة سلفا إطارا ويعلقها في صدر مكتبه أم سيحتفظ بها وثيقة للذكرى في خزانته وليس هناك أثر لها كما يدعي ويدعو حزب التفليش وكأن الأمر عاديا وليس مصيريا ولن يستخدمه البارزاني في الحد الأدنى للابتزاز المتواصل للعراق والتطهير العرقي ضد من لا يوافقه في التكريد في المناطق التي تمتد اليها يد الأطماع الكردية . 
ربما وصل الحزب الى مرحلة الخرف بحيث لم يعد يستطيع أن يرى أبعد من أنفه أو أنه يعلم ويدرك ولكنه لا يستطيع الخروج عن دوره الذيلي التاريخي في خدمة القيادة الكردية التي كانت دائما في خدمة مخططات أجنبية متعددة الجنسيات وعلى حساب مصلحة الأكراد أنفسهم واستقرارهم وأمنهم وتطور مناطقهم في ظل فرص عديدة نادرة ومتميزة حظي بها أكراد العراق وأصبحوا يمتازون بهذا الانتماء عن بقية العراقيين ويتمنى أكراد الدول الأخرى نيل بعضها . 
يفسر موقف حزبه بالإيمان بحق تقرير المصير ويتباهى بأن حزبه كان أول من نادى بالفيدرالية وحقا يشكر على هذا التوضيح الأخير فقد كنت أعتقد من قبل بأنه التالي بعد الأحزاب الكردية ولنبدأ بالفيدرالية ثم نعرج على حق تقرير المصير ومع أنه ليست هناك تجربة فيدرالية في العالم تشبه ولو بالقليل من ملامحها تجربة العراق حيث الإقليم يمارس سياسات الدولة السيادية مستقلا بذاته ويشارك في الأخذ بخناق المركز ويفرض عليه تطلعاته ومطامعه وأكثر من ذلك يقيد حركة المواطنين العراقيين الى أراضيه ويذيقهم الذل والهوان ويتصرف بسياسة وضع اليد وفرض الأمر الواقع بالقوة والدبابات ومليشيات البيشمركة المدججة بالسلاح ويشكل ملاذا لكل الهاربين والمطلوبين للقضاء بمختلف التهم الجنائية والسياسية وغيرها من الأمور التي تضع العراق تحت وصاية جزء منه وبدون مقابل فلا تستطيع الحكومة المركزية التصرف بمصير شرطي أو جندي في المنطقة الكردية بنقله منها أو إليها بينما تستطيع مليشيات القيادة الكردية المتواجدة في بغداد أن تفعل ما تشاء حتى لو وصل الامر الى القتل دون عقاب . 
لم يكن شعار الفيدرالية معروفا في الخطاب السياسي العراقي للمعارضة العراقية بمجموعها وبدون إستثناء وكان الشعار الذي يلقى شبه إجماع ويرفعه الأكراد وذيلهم حزب اليسار البريمري وغيرهم هو : الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي الحقيقي لكردستان والحكم الذاتي الحقيقي يعني تطبيق اتفاقية 11 آذار 70 التي منحت الأكراد حكما ذاتيا وعدوه شكليا وليس حقيقيا أي أن المرجعية واضحة ومحددة ولم ترد كلمة الفيدرالية قط في أي جريدة أو بيان أو مقالة أو غيرها من نشاطات المعارضة العراقية على إختلاف ألوانها حتى وقعت الواقعة عام 91 وحصل الهروب الكبير للأكراد بعد قمع التحرك الكردي الذي استغل ظروف العدوان الأميركي على العراق فاحتل كركوك وتوسع في مناطق أخرى ترنو اليها عين المطامع الكردية وأعلنت المنطقة الآمنة شمال العراق وقامت دانييل ميتران زوجة الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران بزيارة المنطقة الآمنة لتعلن من هناك أن الفيدرالية هي الحل الصحيح للمشكلة الكردية في العراق ولعله من المصادفات أن دانييل ميتران يهودية معروفة بميولها الصهيونية والحزب الاشتراكي الذي يتزعمه وقتذاك زوجها الرئيس الفرنسي له تاريخ طويل في العداء للعرب ومن المحطات المهمة : رفض استقلال الجزائر وتشديد الإجراءات القمعية فيها ومن المفارقات أن الحزب الشيوعي الجزائري وقف ضد الثورة الجزائرية وشعار إستقلال الجزائر مجاراة لحكومة الوحدة الشعبية الحاكمة يومذاك في فرنسا وسجل هنا : الايمان بحق تقرير المصير وبعد ذلك المشاركة في العدوان الثلاثي على مصر وعدوان 82 الأميركي - الفرنسي على لبنان والحرب على العراق والمؤآمرة الجارية على سوريا . 
ومنذ ذلك الحين صارت الفيدرالية شعارا للمعارضة العراقية وقد استدرجت اليها طرفا بعد آخر ذلك لأنه ما من طرف في المعارضة يفكر في مصلحة وطنية أو تنظر بعين الريبة لما تضمره القيادة الكردية وحيث يعترف رئيس الحزب بأن حزبه أول من نادى بالفيدرالية !! .. تشرفنا ولم تكن هناك أي محاولة أو جهد لبحث المشكلة الكردية ووضع الحلول لها بل من الواضح أن القيادة الكردية أرادت تحريك ذيلها لاختبار ردود الفعل من الأطراف الأخرى وكانت المعارضة قد أصبحت مغلوبة على أمرها بعد دخول أميركا على خطها وصارت الفيدرالية التي لم يطالب بها الأكراد من قبل وسيلة الابتزاز الكردية التي استفحلت بعد الاحتلال والعلاقة الخاصة والمتينة بين القيادة الكردية والمحتلين وتولي الأطراف التي حملها الاحتلال الى السلطة كتابة دستور هزيل ينتج عراقا ضعيفا هشا منقسما تلعب به رياح الأهواء والمطامع وكان حزب " التفليش " الذي هرب الى الأمام فقسم نفسه الى حزبين أحدهما كردي والآخر عراقي في سابقة لم يعرفها تاريخ الحركة الشيوعية في العالم وللينين مقولة مشهورة " حزبان شيوعيان في بلد واحد أحدهما إنتهازي " وكان العراقي وسيبقى في خدمة الكردستاني وطابور القيادة الكردية الخامس في الدعاية والابتزاز النظري والسلوكي وكان يمكن لو صدقت النوايا وحسن السلوك وفقا لمقاييسه جسرا لربط مختلف العراقيين في وحدة وطنية حقيقية بدلا من السعي الحثيث نحو تقسيم العراق وتمزيقه .
" تصريح رئيس الحزب لجريدة الميدان السودانية وتغريدات وتعليقات بعض قادته " لمن أراد الاستزادة . والصورة لعزيز محمد الذي ودع النضال بفصل حزبه الى حزبين كردي وآخر عراقي في خدمة الكردي وفي ذيله .

يتباهى رأس " اليسار " البريمري بأن حزبه كان دائما سباقا في تأكيد حق تقرير المصير للشعب الكردي ومنذا الذي يستطيع أن يكون حسيبا أو رقيبا على أفكار ومتبنيات هذا الحزب أو غيره ولكن مهلا مهلا حزبك لم يستطع أن يحقق فوزا لنائب واحد في البرلمان فاستند ويا للأسف على تاريخه على بدعة التيار المدني أو وصمة العار التي تضاف الى وصمات كثيرة خاصة بعد إنهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية وإنكشاف الغطاء السياسي والفكري والرقابي والمخابراتي . 
إذا فالأفكار الحزبية ليست مرجعا للناس بل ولا حتى لجزء بسيط منهم فالمرجعية في العراق للدستور " مع كل التحفظ عليه وعلى العملية السياسية التي أنتجته " وللقانون وليس لما يعتقده أي حزب خاصة وأن هذا الدستور وما نتج عنه من قوانين وما قام عليه من إجراءات وآليات بما فيها حكم البارزاني للمنطقة الكردية قد شارك كل هؤلاء في كتابته وقد تباهى الحزب الشيوعي يومذاك مرارا بهذا النصر الكبير للعراقيين والأكراد شركاء في صياغة العملية السياسية قبل الاحتلال وبعده ومساهمون نشطاء في كتابة الدستور وتمريره وتسويقه بين جمهورهم . 
ومثل هذه الشعارات التي يرفعها اليوم رائد فهمي ورفاقه لكسح الألغام والاعتراضات الشعبية من أمام تحركات البرزاني وتسويغها وكأنها أمر عادي وطبيعي ولا يستحق الاحتجاج وقد حذر من النتائج ولا يعني ما يترتب على خطوة البارزاني نفسها بل من ردود الأفعال ليؤكد رفض حزبه لها إذا اتركوا مسعود البارزاني يعبث بالعراق ومصيره ويعرضه الى شتى المخاطر وكل ذلك بحجة الحق في تقرير المصير .
ومع الاحترام لكل من يحمل في قناعاته الحق في تقرير المصير من الوطنين الرافضين للعبث البازاني وفتاوى الحزب الشيوعي بشأنه فإن هذا الشعار يستخدم اليوم للتأثير على العواطف ومحاولة جر الرأي العام الى الرضا بما يفعله البارزاني بسوق مثل هذه الحجج واقرانها بمقولة تنطوي على محاولات الاستهزاء بعقول الناس بالقول بأن الاستفتاء لا يعني الانفصال ولو سألتهم وما هي ضمانتكم يا رفاق !! .
وبالطبع حق تقرير المصير الذي ينادي به اليسار البريمري مفصل على مقاسات المشكلة الكردية وبهذا التفصيل يجري التمويه على الكثير من الحقائق وليس القصد برفع مثل هذا الشعار رفد الوعي الشعبي بما يعزز قدرته على اتخاذ القرارات الصحيحة إزاء مختلف المشاكل بل تضليل هذا الوعي خاصة وأن السلوك الجمعي للمجموعات الحزبية يعطل التفكير والبحث عن الحقيقة عادة . 
هل يجرؤ الحزب الشيوعي العراقي على الاعتراف بأن شعاره الذي رفعه في مواجهة حركة الوحدة العربية " الجمهورية العراقية الخالدة " كان خاطئا وأن عليه يومذاك أن يدعو الى انفصال الأكراد علنا وصراحة وبدون لف أو دوران وترك العرب ليقرروا مصيرهم بالانضمام الى مسيرة الوحدة يومذاك وقد كانت خيارا شعبيا مطروحا بدلا من إغراق البلاد في توترات سياسية دموية مازال العراق يدفع ثمنها وسيبقى الى عقود طويلة أم أن شعار الخلود للجمهورية العراقية كان شعارا إنتهازيا منافقا يسوقه الحزب الشيوعي ذو السياسات والمواقف الذيلية من أجل تحقيق هدف كردي خالص وهو يضمر في نفسه التمهيد للانفصال في الوقت المناسب . 
لا يكتفي " الشيوعيون " بإعلان رأيهم وموقفهم مما يسمونه حق تقرير المصير الذي سنتناوله في الجزء التالي بل ويحاولون تلبيسه قسرا للآخرين رغم أنوفهم فيكتب أحد قياديي الحزب : " ان ما يعنيه لنا حق تقرير المصير كقوى مدنية ترى انه حق لا لبس فيه ولا نقاش حوله" ولا أدري من أين جاء بلغة الإطلاق هذه وعلى أي حق استند في تلبيس الموقف الحزبي لقطاع عريض وواسع من العراقيين لا يرى ولا يعتقد بما يقول ثم هل هناك أمر في هذه الدنيا حتى الذات الإلهية له سبحانه وتعالى فيها نقاش فكيف تتم مصادرة حق العراقيين بهذه الطريقة فضلا عن أنه ليس في العراق شخصية إعتبارية اسمها القوى المدنية أو جهة لها مؤسسات ونظم تحكم رأيها وموقفها والنشاطات الحزبية التي يديرها الأكراد من خلف ستار في بغداد لا تعطي أحدا الحق في أن ينطق باسم العراقيين أو حتى شريحة منهم ويصادر رأيهم بهذه الطريقة . 
من تابع تصريحات الحركة الكردية تاريخيا وخاصة ما بعد إنسحاب صدام من شمال العراق وهذه من جرائمه الكبرى أيضا سيجد أنها متغيرة بحسب الظروف وخاصة التمكين وكلما بدأ أن القيادة الكردية حققت بعض نقاط القوة كشفت عن نفسها ومن باب الشئ بالشئ يذكر فجلال الطالباني كان في منتصف الستينات وبعد إنشقاقه على البارزاني الأب كان يعتبر حركة الأكراد جزءا من الحركة القومية العربية وحزبه المنشق طرفا في الحركة الناصرية في فترة صعودها يومذاك . 
وقد لا يقفز البارزاني إلى إعلان الكيان الكردي في ظل الرفض العام دوليا وإقليميا وداخليا لقصة الاستفتاء حيث لم يحصل على تأييد أي جهة ما عدا " إسرائيل " والحزب الشيوعي العراقي ويا للعار !! .. ولكن نتيجة الاستفتاء المحسومة سلفا والتي لن تخرج عن النتائج المعروفة للاستفتاءات المماثلة في المنطقة ستستخدم في إتجاهين وهما ابتزاز بغداد وثم إعلان الانفصال في الوقت المناسب وعندما تتوفر الظروف الملائمة .
وأن يقول رائد فهمي : " لاسيما وأن قيادة الإقليم أعلنت ان الاستفتاء ونتائجه لا تعني الانفصال وإعلان الاستقلال، وأنهم ينظرون إلى نتائجه باعتبارها تفويضاً شعبيا تستند إليه قيادة الإقليم عند إجراء مفاوضات لاحقة مع الحكومة الاتحادية " فهو نفسه لا يمتلك أية ضمانة لما يقول وكل السعي هو التسويق بمثل هذه الحيل الحزبية التي يجيدها الحزب الشيوعي وتضاف الى خطاياه التاريخية الكثيرة في العراق .