مفهوم الحزب... عندما رَكَسَ وإنْ جَلَسَ !

مارس وإنجلز

عارف معروف

(بمناسبة " ما يجري من مهازل " وجدتني استذكر ماكتبته في نهاية 2015 واعيد نشره لمناسبته وراهنيته .....)

في منتصف السبعينات ، كان حزب البعث قد قرر ان يمتلك زمام الحقيقة المطلقة ، وان يخرج منافسيه الشيوعيين من آخر معاقلهم الفكرية وما تشبثوا به وتماهوا معه من شعارات ودعاوى ثقافية ، فكانت هناك " الاشتراكية العربية " بديلا لاشتراكيتهم "الغريبة " و" علم الجمال البعثي " بديلا لعلم جمالهم الماركسي " المريب " ، حتى قرأنا وسمعنا ما لم تره عينٌ او تسمعه اذنٌ ولا خطر على قلب بشرْ ، من التنظيرات والبدائل . وفي تلك الحمّى عُقدت سلسلة من الندوات الجماهيرية ، تحت عنوان " انت تسأل والحزب يجيب " في كل مؤسسة او كلية او منطقة سكنية او مدرسة ، تصدى فيها " رفاق " من الحزب لتبيان تعاليم الحقيقة وتثقيف الناس بما ينبغي عليهم ان يفكروا به ويؤمنوا به ويترسموه في حياتهم . وكان ان عُقدتْ في كليتنا ، ونحن في المرحلة الاولى من التعليم الجامعي ،بعد ، واحدة من تلك الندوات . 
جلس الى جانبي " خميس عيفان " ، بفرقه القروّي الممّيز ، وبدلته التي لا يمكن لمن يراه يرتديها الا التفكير بأن هذا الشاب لم يرتدِ ، قبلها، غير الدشداشة لباسا . وربطة عنقه التي لا يمكنك ان تعرف لونها الذي كانت عليه ايام عّزها ونظارتها لان " خميس " لا ينزعها عنه الاّ وقت النوم في القسم الداخلي ، ولأنها معقودة باستمرار ،والى الأبد ، اذ كيف لخميس ان يربطها ، ثانية ، لو تورط وفلّ عقدتها ؟!
كان " خميس العيفان " يجهد النفس في ان يجد له مكانا في قناعة وتقييمات الاخرين ، وخصوصا من الطالبات ، ويكابد من اجل ان " يتميدن " شكلا وسلوكا ، ولا يترك فرصة تفوته لأن يظهر على مسرح الاحداث . ويبدو انه وجد في تلك الندوة فرصة ،اضافية ، للظهور والتألق ، خصوصا حينما انهى الرفيق الذي كان يديرها مقدمته بصدد " كفاح الحزب وغاياته الجليلة " وطلب من الحاضرين ان يسألوا الحزب عمّا يعتمل في خواطرهم من تساؤلات او افكار اومفاهيم ، وقد طرح البعض ما تيسر ، لهم ، من اسئلة ، ويبدو ان " خميس " قد ادرك ان دوره قد حان ، ولكن لم يكن ذهنه قد انتج ، بعد ، سؤالا مناسبا ، فتسللت نظراته ،تبتغي العون، الى ما كان يسجله طالب آخر ، من صفنا ، جلس الى جانبه من الجهة الاخرى من اسئلة على ورقة بيضاء بغية توجيهها لمدير الندوة . طالبٌ ممن كانوا يتأبطون الكتب والجرائد ، باستمرار ، ويقضي جل وقته في نادي الكلية مجادلا او مناجزا في حرب الكلمات والافكار ، تلك ، التي كانت اشبه برطانة بالنسبة لخميس ، الذي ، ما ان لمح احد هذه الاسئلة او الملاحظات ،مدونة على ورقة زميله ، حتى ظنَ انه قد وجد بغيته ( كما عرفت ، منه ، لاحقا )وكانت تنص على " مفهوم الحزب عند ماركس وانجلس ".... 
انتصب " خميس " واقفا وقد انتفخت اوداجه، ورفع عقيرته بالسؤال : رفيغ....مفهوم الحزب...عندما رَكَسَ وإنْ جَلَسَ؟
فاستوضحه ( الرفيق) الذي كان يدير الندوة وطلب اليه ان يعيد السؤال ، وقبل ان يفعل لمستُ ساقه بيدي وانا اقول : هوّن عليك ياخميس واجلس، فجلس وانا اتجه اليه واركز نظراتي في عينيه :
انا سأجيبك عن سؤالك العظيم هذا ، ولا داعي لتشغل ( الرفيق ): مفهوم الحزب ، عندما رَكَسَ ، لم يستطع النهوض ثانية ، فجَلَسَ، ومازال ، جالسا حتى يومنا هذا ...
كان ذلك في العصر السبعيني ، عصر حُمّى الجدل من اجل الجدل والاسئلة غير المنتجة . اما في عصرنا هذا ، العصر الحجري الحديث ، فثمة " ماركسيون " او ادعياء للماركسية والثورية ، يقرأون " الماركسية " وفقا لقراءة " خميس العيفان " لها، حيث ركستْ وانتكستْ لديهم وجلستْ على الحديدة ،حقا ، وباتت بلا مضمون وهي تتحول الى تفهم ودعم للمشروع الامريكي الاسرائيلي في المنطقة والعراق ، وبات كتبتها يرون القشة في عيون فريق ولا يرون الجذع في عيون اخرين ،وبدلا من فضح هذا المشروع وتعرية مفرداته وحيله وشخوصه ودعاواه وفتح عيونهم وعيون قراءهم على مضامينه وغاياته ، تراهم ، لا ينفكون عن التحديق في المالكي وسيرته الخالدة ، وعوضا عن قراءة ما يحصل في كردستان ولكردستان وللعراق على يد قيادة كردستان ، تجدهم لا يملوّن من تتبع وفحص اقوال حنان الفتلاوي !