نهاية البراغماتية الكردية.. استفتاء كردستان وأزمات الداخل والخارج 2 من 2

حيدر سعيد

طبعت السياسةَ الكردية في العراق ما بعد 2003، إذن، نزعة براغماتية، من أبرز مظاهرها تعطيل مبدأ الاستقلال، على الرغم من مفصليته في التراث السياسي الكردي، وإعلان الساسة الكرد أنهم، بدلا من ذلك، اختاروا الاتحاد الفيدرالي الدائم شكلا للعلاقة بين كردستان والحكومة المركزية في بغداد، غير أن هذا التعطيل ليس، بأي حال، إنكارًا لمبدأ الاستقلال، بل هو "تعطيل مؤقت"، يريد الساسة الكرد من خلاله استكمال مقومات الدولة، وهو أمرٌ لا يمكن ضبطه بحدود زمنية محدّدة. ولذلك، أتصور أن قرار المضي في الاستفتاء على استقلال كردستان لم يُنهِ فقط تعطيلَ مبدأ الاستقلال، بل أعاد السياسةَ الكردية إلى المبادئ، لا المصالح والممكنات، بغض النظر عن الاعتبارات السياسية المحيطة، ومدى إمكانية تحقق هذه المبادئ، ووضْع حد لنزوع السياسة الكردية البراغماتي.
ولكن، لماذا الآن؟ ما الذي حدث، بحيث قرّر الساسةُ الكرد المضيَّ إلى الاستفتاء الآن، أيًّا كان الثمن؟ هل لذلك علاقة بمرحلة ما بعد "داعش" وقرب تسوية الأزمة السورية، ما أوحى للكرد (ولغيرهم، بكل تأكيد) أن خريطة سياسية جديدة ستُرسَم في المنطقة، أو أنها يمكن أن تتقبل خريطة سياسية جديدة؟

فشل العراق أم اختناقات الإقليم؟
لا أحد يبدو مقتنعا بالحجة التي يستعملها الخطابُ الكردي لتبرير الاستقلال، وهي أن العراق تحوّل إلى دولة طائفية فاشلة، لا فقط لأن هذه الحجة لا تبرّر التاريخ (تاريخ تنظيم الاستفتاء). أي لماذا تنبه الكرد إلى فشل الدولة العراقية وطائفيتها في 2017، وليس في 2016، مثلا، أو 2015، أو 2014، أو 2013؟ ولكن لأن الكرد كانوا أحد عوامل صناعة هذه الدولة الفاشلة، فهم (منذ 1991) عاشوا وضعا خاصا منفصلا عن السلطة المركزية في بغداد، ومن ثم، لم يستطيعوا أن يتقبلوا عودة سيادة بغداد على المناطق الكردية. ولذلك، كان النظامُ الذي عملوا على تصميمه في دستور 2005 نظاما يتجاوز الفيدرالية المعيارية (كان يُوصَف في الأدبيات الكردية بأنه "فيدرالية موسّعة")، يميل إلى إعطاء الصلاحيات لسلطات الإقليم، على حساب السلطات الاتحادية. وعلى الأرض، كانت كردستان تعيش في انعزال (إداري) شبه تام عن بغداد، ولم تكن لبغداد أية صلاحيات تُذَكَر في الإقليم، سوى ما يمكن أن يناله الإقليم وأبناؤه من سماتٍ بوصفهم "مواطنين عراقيين"، من نسبةٍ من الموازنة العامة للدولة، أو بعض الأمور التنظيمية التي يضطر فيها الإقليم إلى العودة إلى بغداد، لأن النظام الدولي لم يعترف بعد بكردستان دولة مستقلة، من قبيل العملة وما يستتبعها من سياسة نقدية، وإصدار جوازات السفر والبطاقات الوطنية، وتنظيم حركة الملاحة الجوية، والرموز الدولية في الاتصالات والبريد، وما إلى ذلك.
الحديث هنا بشيء من العمومية في توصيف الحدود الفعلية للسلطات الاتحادية في النظام 

"لا أحد يبدو مقتنعا بالحجة التي يستعملها الخطابُ الكردي لتبرير الاستقلال أن العراق تحوّل دولة طائفية فاشلة"

الفيدرالي العراقي. وفي كل الأحوال، من المهم أن تتصدّى دراسة ما لمتابعة تفصيلات النظام الفيدرالي في العراق، على نحو ما مورس (لا كما وُصف وقُنّن في الدستور، لأن الواقع لم يكن تجسيدا أو تنفيذا للتصور الدستوري)، وما هي حدود صلاحيات المركز في الإقليم، إن كانت هناك صلاحيات، ولماذا سُمح بهذه الصلاحيات دون غيرها، ثم كيف تشكل نظام على هذه الشاكلة، وُصف بأنه "نظام فيدرالي".
يلاحظ هشام دَاوُد أن الكرد لم يريدوا من النظام الفيدرالي في العراق تقاسما للسلطة، بقدر ما أرادوا تقاسمَ السيادة، ومن ثم، نشأ نظامٌ هو أعلى من الفيدرالية، ودون الدولة المستقلة. وفي تقديري، هذه الأزمة هي التي حملت الكردَ على مشروع توصيف طبيعة الاتحاد مع الحكومة المركزية في بغداد بأنه "اتحاد كونفدرالي"، وليس "فيدراليا"، مع كل ما يحيق بهذا التوصيف من التباسات، ذلك أن الاتحاد الكونفدرالي هو بين دول مستقلة ذات سيادة (الاتحاد الأوروبي مثلا)، وليس نظاما للعلاقة بين المركز والإقليم داخل دولة واحدة. نعم، يصف باحثون درجة استقلالية الوحدات المكوِّنة للنظام الفيدرالي في بعض الدول (بلجيكا مثلا) بأنها قريبةٌ من نمط العلاقة في الاتحادات الكونفدرالية. ولعل هذا هو ما أراده الكرد، حين طرحوا مشروع الكونفدرالية، ولكنني أتصور أن الأمر أبعد من ذلك، فـ "اللاشعور السياسي" الكردي كان يريد للكونفدرالية أن تقنّن تقاسمَ السيادة، أي أن تُفهَم العلاقة بين كردستان والحكومة المركزية في بغداد ـ من ثم ـ بأنها أشبه بالعلاقة بين الدول المستقلة ذات السيادة. وهكذا، لم يكن مشروع الكونفدرالية الكردي ليريد أكثر من تعديل الدستور ليطابق الواقع، في حين كان تعبير "الدولة الكونفدرالية" الذي استعمله القوميون الفيلمنغ في بلجيكا، مثلا، يطمح (بالفعل) إلى توسيع استقلالية الوحدات الفيدرالية إلى أقصى حد. 
مرة أخرى، يُرجع باحثون كثيرون مختصون بالمسألة الكردية قرارَ الاستفتاء وتوقيته إلى الظروف الإقليمية، وما يمكن أن تشهده من تحولات ما بعد "داعش"، ما جعل الساسة الكرد يدفعون بمشروع الدولة الكردية، لتكون جزءا من الخريطة الجديدة. ومع ذلك، من الضروري التوقف عند عاملين:
الأول، وهو أمر يُتداوَل كثيرا في الأوساط الداخلية الكردية، تلميحا، وتصريحا بدرجة أقل، وقد سمعته من قياديين وباحثين كرد معروفين، ولن يؤتى بجديد حين يرد هنا، وهو أن قرار الاستفتاء مرتبط بالأزمة السياسية الداخلية في كردستان، وطبيعة العلاقة بين الأحزاب الرئيسة التي قادت إلى إيقاف الحياة البرلمانية، وشرعية رئاسة مسعود البرزاني. ومن ثم، تُنهي الدولةُ الكردية إقليمَ كردستان، بأزماته واختناقات شرعية زعاماته، لتشكل بداية جديدة، وإطار شرعية جديدا، هذا فضلا عن الرصيد المضاف للشرعية التاريخية التي تملكها الزعاماتُ الكردية الحالية، حين تكون قائدةَ مشروع الاستقلال.
ولذلك، لا نجاوب الصواب إذا قلنا (أستعير من سياسي كردي بارز): إن تحديد الاستفتاء وتوقيته هو مشروع الحزب الديمقراطي الكردستاني، والبرزاني تحديدا، وهو مرتبط بالأزمة السياسية الداخلية أكثر من أي شيء آخر.
نعم، انخرطت أحزاب وتنظيمات سياسية كردية عدة وكثيرة في المشروع، لأنها، في هذه اللحظة التاريخية، لا تستطيع أن تقف بوجه هذا الحلم، ولا تستطيع أن تتعفّف في التنافس على الشرعية التاريخية التي سيُكسِبها الاستقلالُ للساعين إليه. ولكن هذه الأحزاب، في الوقت نفسه، تعارض محاولةَ الحزب الديمقراطي الكردستاني القبضَ على مقاليد الحياة السياسية الكردية. ومن ثم، هي تؤجل قليلا هذه المعارضة، لكنها ستطلقها في اليوم التالي للاستقلال، بكل تأكيد. وبكلمةٍ، لا تعني الموافقةُ على الاستقلال الموافقةَ على الزعامة وشكل نظام الحكم ما بعد الاستقلال.
وفي الحقيقة، ليست ثمة وحدة كردية. وليست الانقساماتُ الكردية جديدة وطارئة، بل هي قديمة كذلك، وهي انقساماتٌ ذات طابع جهوي ولغوي، غير أنها ظلت تتحكّم بالديناميكيات السياسية الكردية. وحتى عندما نشأت القوميةُ الكردية، أواخرَ القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فإنها كانت نتاج تكوين سوسيولوجي محدّد، غير أنها حاولت أن تفرض نمطها السياسي وأهدافها على سائر الجغرافيا والتكوينات الديموغرافية الكردية، وعملت على إعادة تعريف "الكردية السياسية"، إن صحّ التعبير. في عمل سابق، حاولتُ أن أوضّح كيف استبعد الخطابُ القومي الكردي الكردَ الذين عملوا في إطار الدولة العراقية الناشئة سنة 1921 بوصفه خيارا كرديا، وحصرَ مشروعَ "الكردية السياسية" بالاستقلال، أو الوضع الخاص.
وهكذا، يتأثر الانقسامُ على مشروع الاستفتاء الراهن على الاستقلال بالانقسامات الكردية التي هي أبعد وأوسع من اللحظة الراهنة.

التفكير الرغبوي بالخارج
العامل الآخر أن الأزمة الداخلية التي قادت إلى الاستفتاء رافقها (وجعلها ممكنةً) تفكير رغبوي كردي بأن الأطراف الإقليمية والدولية ستتقبل، في النهاية، الدولةَ الكردية. 
وتحديدا، هناك قراءة في أوساط الحزب الديمقراطي الكردستاني أن موقف تركيا سيكون 

"ليست الانقساماتُ الكردية جديدة وطارئة، بل قديمة وذات طابع جهوي ولغوي"

إيجابيًا. وتستند هذه القراءة إلى العلاقة اللافتة التي ربطت أربيل بأنقرة وبحكومة حزب العدالة والتنمية خلال السنوات العشر الماضية. وأيا كانت الظروف، أو الأسباب التي نمت خلالها هذه العلاقةُ (سواء محاولة تركيا جعلَ كردستان العراق منصةَ لنفوذها، أو في سياق مبادرة حكومة العدالة والتنمية بحل المسألة الكردية في تركيا، التي أطلقتها سنة 2009، وتتضمن، في جزء منها، تقديم نموذج كردستان العراق بديلا لحزب العمال الكردستاني، أو في سياق العداء المتصاعد بين تركيا وحكومة نوري المالكي، أو في البحث عن نافذة استثمارية، بحيث أصبح إقليم كردستان العراق في مرتبة متقدمة في قائمة الوجهات التي تتجه إليها الصادرات التركية، أو ما إلى ذلك من عوامل)، فإن الأتراك، ما قبل الربيع العربي وتورّطهم بالأزمة السورية، قد يكونون اقتنعوا (أو كانوا على استعداد لأن يقبلوا) بدولةٍ كردية في شمال العراق. ربما كان الموقف التركي، آنئذ، على هذا النحو، لكن الأكيد أن الكرد فهموه وتعاملوا معه على هذا الأساس.
في ذلك الوقت، وفي ذروة طرح الكرد مشروع الكونفدرالية، همس في أذني أحد أصدقائي من المثقفين الكرد بأن اتحاد كردستان الكونفدرالي لن يكون، بالضرورة، مع العراق، بل قد يكون مع تركيا التي ستكون بوابة كردستان نحو أوروبا والغرب.
ومن ثم، كان قرار الاستفتاء يستند إلى عقد كامل من العلاقات الإيجابية، بين أربيل وأنقرة، والإيحاءات (التي قد تكون إيجابية)، التي أرسلتها تركيا إلى كردستان، والفهم (أو سوء الفهم) الكردي لموقف تركيا من مسألة الاستقلال.
وبكل تأكيد، ومع أن الساسة الكرد يدركون أن قرار استقلال كردستان ليس كرديًا خالصا، بل هو قرار إقليمي ودولي، لم يكونوا يتوقعون أن يكون ردُّ الفعل الإقليمي والدولي على إعلان الاستفتاء أعلى حدة بكثير مما كانوا يتوقعون، ليس فقط الموقف التركي الذي قد يكون الساسة الكردُ عدّوه خذلانًا لهم، بل الموقف الإيراني، الذي هدّد (تقريبا) بإعلان الحرب، وبحصار كردستان وقطع المياه عنها.
وحتى الموقف الأميركي بدا للكرد أعلى حدة، فمع أن السياسة الأميركية ما بعد 2003 كانت ترفض باستمرار أي إيحاء كردي بالاستقلال، وكانت تكرّر أنها تتعامل مع الكرد بوصفهم جزءًا من الدولة العراقية الواحدة، هذا فضلا عن الدعم الأميركي المستمر للحكومة المركزية في بغداد (وجديده دعم حكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي)، إلا إن واقع الحال يثبت أن لكردستان حظوة ما في التفكير الأميركي، لا يدل عليه فقط أن حرب الولايات المتحدة على "داعش" لم تبدأ إلا حين اقترب التنظيم من أربيل في أغسطس/ آب 2014، بل كذلك لأن الكرد هم الطرف العراقي الوحيد الذي كان على علاقة ود وصداقة دائمين مع الولايات المتحدة.
وما لم يقدّره الكرد أن هذه المواقف، ولا سيما الموقف الأميركي، لم تكن مناهِضة لأساس الدولة الكردية أو مبدئها، بل خشية من أن إعلان انفصال كردستان عن العراق سيطلق ديناميكية انفصالات (أو رغبات بالانفصال)، لا يمكن ضبطها، في سياق إقليمي ملتهب وعنيف، سيما أن هذه المنطقة تخضع لتأثيراتٍ داخلية كبيرة بينها. ولعل أحد أهم أمثلتها هنا، ليس فقط أن شابّا في إحدى مدن جنوب تونس أحرق نفسه محتجا في أواخر 2010، أسهم في سقوط نظم استبداد عتيدة وراسخة، وأطلق ثوراتٍ وحركات احتجاج في أقصى بقعة في

"قرار الاستفتاء يستند إلى عقد كامل من العلاقات الإيجابية بين أربيل وأنقرة"

المشرق، منها كردستان، بل المثل الأهم أن نموذج الفيدرالية والإقليم ذي الحكم الذاتي الذي بنته كردستان في إطار العراق، أشعل النموذجَ اللامركزي في سائر المنطقة. وهل يبعد أبناءُ شرق ليبيا، حين دعوا إلى إقليم برقة، أو اليمنيون الذين شرّعوا لنظام فيدرالي ما بعد ثورة 2011، هل يبعدون عن النموذج الملهم الذي أطلقته كردستان العراق؟ فكيف إذا نشأت الدولة الكردية المستقلة.
لذلك، بخلاف كل ما يقال عن "مؤامرة دولية" لتقسيم المنطقة، كان الموقف الدولي ممانعا لأكثر حالات القابلية للاستقلال نضجا، وهي كردستان العراق. يتضمن الموقف الإقليمي والدولي الرافض للاستفتاء، كذلك، خشيةً على العراق، الذي لم يخرج بعد من الحرب على "داعش"، وها هو مهدّد بحرب جديدة، عربية كردية، لا سيما أن الأطراف المتنازعة لم تتفق بعد على حدود كردستان.
وفي تقديري، أن عموم المجتمع العربي في العراق لا يمانع في استقلال كردستان. ولكن، ما هي "كردستان" هنا؟ ما حدود كردستان التي ستنفصل؟ هل ستأخذ معها كركوك وسهل نينوى والمناطق المتنازع عليها، أم ستكتفي بالمحافظات الثلاث؟ ومَن سيقرّر مصير كركوك، العقدة الجوهرية في هذه المسألة؟ الكرد وحدهم؟ وهم ليسوا الأغلبية في المحافظة، بل المجموعة السكانية الكبرى؟ كيف يقبل الكرد الذين تمتعوا (في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية ودستور 2005) بحق النقض، الذي تفيد منه، في العادة، الأقلياتُ في النظم التوافقية، حتى لا تفرض عليها الأغلبيةُ ما لا تريد، كيف يقبلون بأن يحرموا المجموعات الإثنية في كركوك (التركمان، والعرب، والمسيحيين)، من حق النقض، ليفرضوا عليها ما لا تريد؟ لماذا دافع الكرد عن التوافق لتقرير مصير العراق، ولا يعملون على أن يتحدد مصيرُ كركوك من خلال التوافق، بل تحدّده المجموعة السكانية الكبرى، رغما عن الآخرين؟
قادت مغادرةُ الكرد السياسةَ البراغماتية بشكل متعجل والارتجالُ في إدارة ملف الاستفتاء، قادتهم إلى المضي من دون بناء تفاهماتٍ وتوافقات، داخلية وإقليمية ودولية، على كل هذه التفصيلات المعقدة، والتي تقع أبعدَ من مبدأ حق تقرير المصير.
الأسئلة جدية ومعقدة. وقد بدأت لغةُ الحرب تتصاعد في خطابات قوميات كركوك منذ الآن. الخطابُ السياسي الكردي يبدو أنه سيتمسك بالمبدأ، على الرغم من كل ما يمكن أن يحيق به من أضرار. وليس أمامه، من ثم، وقد وضع جمهوره أمام هذه الأزمة، وباتت مصداقيتُه على محك الشك، إلا استعادة دور الضحية، واستعادة الخطاب عن أن العالم يتوحّد، مجدّدا، ضد الكرد، ليحرمهم من الدولة التي لن تتحقق إلا بالدم.
وفي النهاية، يأتي حلم الاستقلال، الذي رافق الكردَ عقودا، بشكل غير الذي توقعوه، ليس فقط في الإدارة الارتجالية والمضطربة لملف الاستفتاء، بل في إحساس شريحةٍ كبيرة من الكرد بأن هذا الملف حرّكته مصالحُ حزبية، ببراهين ضعيفة، وفي غياب إجماع كردي. وبالأحرى، وُضع المبدأ الصحيح، بالطريقة الخطأ، وفي التوقيت الخطأ.
ولذلك، لم يكن غريبا أن تطلق جماعات سياسية ومدنية كردية وازنة حملة معارِضة لتنظيم الاستفتاء على الاستقلال، الحلم الذي رافق كل كردي، هذا فضلا عن المخاوف الجدية من أن يكون ثمة عزوف عن المشاركة في الاستفتاء، ما يقدح بشرعية النتيجة، كيفما كانت.
يحدثني أصدقاء كرد كثيرون عن تخوفاتهم من اليوم التالي للاستقلال، حيث كل شيء متوقع، الحرب، والحصار، والنزاع الأهلي. والأكثر قسوة هنا هو إحساس هذه الشريحة بأن الساسة الكرد يغامرون بالشعب الكردي.
السياسة الكردية، إذن، غادرت براغماتيتها، التي طبعتها عقودا، ومعها ستغادر أشياء كثيرة. وبالتأكيد، لن تكون نهاية البراغماتية الكردية نهاية واحدة، فريدة، بل حزمة نهايات.

العربي الجديد