حزب " اليسار " البريمري اليوم ومحاولة تكميم الأفواه

نصير المهدي

طريقان يسلكهما حزب " اليسار " البريمري اليوم وهما محاولة تكميم الأفواه ودفع الناس الى السكوت عن كل فعل وخطاب للبارزاني وأتباعه والتركيز على ردود الأفعال الشعبية المشروعة ووصفها بخطاب الكراهية أو التحريض أو التصعيد وغير ذلك من الأوصاف لأن المطلوب بحسب الحزب الشيوعي هو السكوت عن البارزاني وتمرير مشروعه والحزب الشيوعي بصراحة يلعب الآن دور الطابور الخامس البارزاني وثم تسويق المشاريع الكردية واستغفال الناس تحت غطاء الوطنية والأممية ومقولات حق تقرير المصير وغيرها من الديماغوجيا النظرية التي تمرس فيها . 
يزعمون بأن ما يسمى بحق تقرير المصير دستوري وقانوني ويستغفلون العراقيين بهذا الأمر الكاذب فليس في الدستور أي مادة تشير الى هذا الأمر بل وحتى في ديباجته وفي الدستور ثلاث مواد تؤكد على وحدة العراق وهذا الدستور من نافل القول كتب على يد الأكراد وشارك في كتابته " الشيوعيون " وكانت غايته وهدفه وفقا للمخططات الأميركية إنتاج عراق ضعيف هش وهذا ما نراه اليوم إزاء التهديد الكردي لوحدة العراق وأمنه واستقراره وعن القوانين العراقية النافذة فإن عقوبة قصوى ستكون من نصيب البارزاني وأتباعه ومرتزقته من " شيوعيين " وغيرهم .
أما عبارة " حق تقرير المصير " الببغاوية التي يرددها هؤلاء وكأنها آية منزلة وليست وجهة نظر بشرية لها ظروفها ومعطياتها فهي في الوثائق الدولية ليست قانونا كما يزعمون بل وردت مرات عديدة في نداءات الأمم المتحدة وميثاقها ولو عاد هؤلاء الأدعياء الى مناسبات إصدار تلك النداءات والبيانات لوجدوا أن المقصود حصرا فيها هو تصفية آثار الإستعمار وأن مثل هذه النداءات والاعلانات وبعضها سبق حتى تأسيس الأمم المتحدة لغرض تصفية تركة الدولة العثمانية وتقاسمها لمصلحة المستعمرين الجدد ثم بعد ذلك ليس في ميثاق الأمم المتحدة ما يشير من قريب أو بعيد الى تفتيت الكيانات والدول بحجة تقرير المصير وقد كذب الخراصون في هذا التسويق الذي يحاول اللعب بعقول الناس بإختلاق الأكاذيب عليها . 
و" حق تقرير المصير " دوليا لم يستخدم الا في المنطقة العربية في فلسطين والسودان واليوم في العراق أما في القضايا الدولية المشابهة حتى تلك التي أدت الى تقسيم بلدان كمملكة النمسا والمجر وتشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا وجمهوريات الإتحاد السوفييتي السابق فقد كانت بهدف إعادة الأمور الى سابق عهدها وإعادة تلك البلدان الى وضع كانت فيه دولا معترفا بها دوليا وهي حالة لا تنطبق على وضع الأكراد في العراق الذين لم تكن لهم دولة في التاريخ الا بعيدا وعلى الحدود الإيرانية السوفييتية عندما أسس ستالين جمهورية مهاباد وكانت غايته إتخاذ الأمر مدخلا لاقتسام النفوذ في إيران مع الاحتلال البريطاني ثم تبدد الأمل في ذلك فطويت تلك الصفحة ودخلت في كتب التاريخ وبالمناسبة فمسعود البارزاني من مواليد مهاباد تلك . 
لقد أستخدم هذا الشعار في إعادة تركيب خارطة الجغرافيا السياسية في أوربا خاصة بطرفيها الشرقي والغربي وبعض مناطق العالم وفقا للمصالح الإستعمارية في فترات متفرقة أو لتفكيك الإتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية وكل تلك المناسبات هي خاصة ولها ظروفها وملابساتها ولا تستند الى أي شرعة دولية ولمن يزعمون كذبا أو جهلا بأن القانون الدولي يفرض ما يسمى بـ " حق تقرير المصير " نذكره بأن أربعة من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن لديها مشكلات قومية عميقة وتاريخية . 
وقد يزعم حزب " اليسار " البريمري بأنه يستند في تأييده لمشروع البارزاني وفقا لإيمانه بحق تقرير المصير اللينيني ويبرر هذا التوجه بهذه الحجة التي يكتفي الكثيرون بالموافقة عليها من عنوانها دون تدبر تفاصيلها ويبصمون عليها مادام ختم لينين عليها بإعتبار ذلك إنتماء يساريا نذكر هؤلاء أولا بأن هذا الحزب نبذ اللينينية من أفكاره وبرامجه ومرجعيته النظرية رسميا منذ ربع قرن ومن ثم فالاستناد الى هذه الحجة باطل وهو نوع من الذرائعية التي يسوق بها هؤلاء موقفهم القومي في خدمة البارزاني وأهدافه ومن وراءه . 
ثم أن لينين وضع كتابه حول تقرير المصير في إطار سجال سياسي قبالة السلطات الروسية القيصرية وهي تخوض غمار الحرب العالمية الأولى وأيا كانت الخيالات التي يوحي بها العنوان العام لمقولات لينين فإن هناك شرطا لازما في هذا الحق وهو قيادة البروليتاريا لممارسة هذا الحق وبدون ذلك فإن لينين لا يرى هذا الحق وقد عد لينين نفسه مباركة ماركس وانجلز لاستقلال بولندا عن الإمبراطورية الروسية حالة لها وضعها التاريخي الخاص ولا تصلح كقاعدة أي أنه خطأها بكلمات ناعمة على إعتبار أن من قاد إستقلال بولونيا كانت طبقة النبلاء وليست البروليتاريا . 
ماركس وأنجلز اللذان أقرا حق بولونيا بالاستقلال هما نفسهما وخاصة ماركس عارضا إستقلال الجزائر عن فرنسا وماركس زار الجزائر بنفسه وتوصل الى فتوى أن الاستعمار الفرنسي يطور ويحدث الجزائر وفي ذلك نظرة " إستشراق " لم يستطع ماركس الغربي التخلص من آثارها . 
وقد واجه لينين نفسه حاكما لروسيا السوفيتية معضلة أن روسيا القيصرية كانت تستعمر بلدانا وقوميات أخرى فكان حله الذي استند في أيام معارضته للقيصرية الى أن حق تقرير المصير رهن بقيادة البروليتاريا وبما أن البروليتاريا تقود بعد الثورة السلطة في هذه البلدان فقد تقرر حق تقرير مصير تلك البلدان والقوميات بالاندماج وليس بالانفصال والحالة الوحيدة التي حقق فيها تقرير المصير الانفصال هي فنلندا لأن معطيات ونتائج الهزيمة الروسية في الحرب فرضت عليها التسليم بعدم مد نفوذها الى أوربا الغربية ولو كانت فنلندا تقع في الشرق لما كان لها نصيب في ذلك الحق النظري والأمر نفسه لو كان المنتصر روسيا بدلا من المانيا التي فرضت على الروس تحرير فنلندا من استعمارهم لها . 
وباسم حق تقرير المصير هذا قام ستالين بتقاسم النفوذ مع ألمانيا الهتلرية وبالاتفاق معها في جمهوريات البلطيق الثلاث وبولندا ثم بعد أن تحقق له النصر في الحرب العالمية الثانية قام بضم جمهوريات البلطيق للاتحاد السوفييتي " ليتوانيا - لاتقيا - ليتوانيا " ومد نفوذ الاتحاد السوفييتي الى أوربا الشرقية وساهم بتقسيم ألمانيا ووضع اليد على جزئها الشرقي وكل ذلك كان تحت لافتة " حق تقرير المصير " ولكن بالشرط اللينيني حول قيادة البروليتاريا . 
فهل يريد أن " يقشمرنا " الحزب " الشيوعي " العراقي بهذه " السالفة " يعني خذوا حق تقرير المصير ثم اسكتوا أو كما يقول واحد من قيادييه " حق لا نقاش حوله " ولا ندري بأي حق منح لنفسه ولحزبه مثل هذا الحق . 
نعم " حق تقرير المصير " عند " الشيوعيين " في العراق مفصل على مقاسات وغايات وأهداف الحركة الكردية وللضحك على الناس الذين يرتبطون عاطفيا بالحزب الشيوعي " العراقي " وتراثه التاريخي فيصدقون ما يبثه من مغالطات وتجهيل وينساقون معه ويدافعون عنه فيما لسلام عادل نفسه نص لاذع في نقد هذه التوجهات ورفضها ومعارضتها . 
ما يصلح دليل عمل في العراق هو دستورهم الذي شاركوا جميعا في كتابته وهو الحكم في مثل هذه الخلافات والاختلافات وهم جميعا يكررون حتى في مدعياتهم وأكاذيبهم ومزاعمهم كلمات الدستور والقانون والأكراد ساهموا في التصويت والموافقة عليه وهم ملزمون به كسائر العراقيين حتى الوطنيين المعارضين للاحتلال ونتائجه في العراق ومن يريد أن يمنح الأكراد إمتيازات أكثر من ذلك فليحاول تغيير الدستور ويفرض ذلك على العراقيين بالطرق السلمية التي يقرها القانون لا بفرض الأمر الواقع وإحتلال عصابات البارزاني ومليشياته لمناطق لا علاقة لها بالاكراد وفرض التكريد عليها تحت نظر الحزب الشيوعي الذي يصاب بالخرس إزاء حملات التطهير العرقي وقد ساهم أيضا في تنفيذها وبشخص رئيسه الحالي الذي كان رئيسا للجنة المادة 140 من الدستور وما عدا هذا فإرهاب وتمرد والا ما الفرق بين وضع اليد على مدن وقرى بالقوة المسلحة وبين ما فعلته داعش في مناطق عديدة من العراق . 
بالأمس كان مسؤول الحزب " الشيوعي " الأول يراهن بأن الاستفتاء لا يعني الانفصال وقد تلاه أتباعه في ترديد هذه القولة واليوم لطمه البارزاني في مؤتمره الصحفي على وجهه وبين أن الاستفتاء هو من أجل إقامة دولة كردية ولا أقل . 
لعب الحزب الشيوعي دورا تاريخيا في خدمة التوجهات القومية الكردية وهو اليوم كاسحة الألغام أمامها ولن يتوقف دوره عند هذا الحد وهذه نسجلها للتاريخ وسينشغل بعد انفصال الأكراد إن وقع في لعب دورين أنه سفير فوق العادة للكيان الكردي ومصالحه ومكرس لجهوده السياسية والفكرية من أجل إختراع قضية حق تقرير مصير جديدة بشرط الا تكون خاصة بالعرب كديدنه في زرع الكراهية والأحقاد لكل ما هو عربي وسنرى وترون .
الصورة للطبقة السياسية العراقية التي ركبت السلطة على دبابات الاحتلال وهي تحتفل بمهمة إنجاز الدستور عام 2005 واقراره من قبل الجمعية الوطنية تمهيدا لعرضه على الاستفتاء بحضور الطالباني والبارزاني ومختلف ممثلي الطبقة السياسية .