مصادرالهزيمة التاريخية للنخب العراقية(1/2)

عبد الامير الركابي

تتقاطع ضمن كينونة العراق اليوم نزعتان، الاولى نامية تلح طالبة الاعتراف بالفشل، وبغربة وعجز القوى الحديثة الايديلوجية، وفشلها في اقامة نظام حديث، كما ادعت، او عن تجنيب المجتمع ويلات الدكتاتورية، او درء الغزو الثاني الامريكي، ومانجم عنه من تدمير شامل ساحق لبنى الدولة الحديثة بعد 82 من عمرها، وحلول قوى "ماقبل الدولة " محلها، او عن الحفاظ حتى على وحدة الكيان الوطني، او ارساء مفهوم وطني راسخ، برغم الحجم الهائل من التضحيات المقدمه من قبل المجتمع، وهو ماتصر النزعة الثانية، "التبريرية"، المتمسكة بمنطق الانتظارية والحتمية الفارغة، على التفاخر به، باعتباره منجزها الوحيد المضلل، المازوكي، والعبثي، والمتعيش على آلام مجانية، مع اصرارها المنغلق الجهول، على صوابية ونجاعة منهجها، عدا منطلقاتها النظرية والعملية البائدة، المفتقدة لاي افق، او مشروع، يفترض ان ينطوي على محاكمة جدية تاريخية لمامضى، ولكل مجريات التاريخ العراقي الحديث.
وحيث تتمظهر ازمة التبريريين، عبر التسلي بالجانبيات والشكليات الفارغة، من قبيل سعي متعثر ل" توحيد" تلك المجموعات، او الافراد، ممن ينتمون لنفس الماضي المغلق، المنتهي الصلاحية، تعاني نزعة مواجهة التجربة التاريخية، الداعية للاعتراف بفشلها، وفحص اسسها، والمنطلقات الاساسية التي ارتكزت لها، بضوء الاليات التاريخية الوطنية، والخاصيات البنيوية، في وقت تتضخم لدرجة مريعة، قضية النوع، فتتردى مستويات المتصدين للمهمات المعتبرة قيادية ، او التي انتهزوا بعضهم فرصة احرازها، ضمن مناخات الفراغ والتردي، لدرجة صاروا معها هم بالذات، وباطراد، موضع استهانة وسخرية، تفاقم من ماساوية المشهد، المتداخلة مع نكهه كاريكتيرية، تضيف للحال الكارثي العام، ملمحا يتعدى احيانا القدرة حتى على التخيل.
ومن المفيد التذكر بان صعود التيارات الايديلوجية في الثلاثينات، كان قد ترافق بجانب اساسي منه، مع حالة نكوص وقصور معرفي، على كافة المستويات، لقوى ادنى قدرة وتكوينا من ان تتصدى لمهمة بدت عسيرة، وفوق طاقتها بما لايقاس، خصوصا وان اسباب مواجهتها وان بالحد الادنى من النجاح، لم تكن قد توفرت بعد، فمهمة اماطة اللثام عن خصوصيات التكوين والبنية التاريخية العراقية، كانت من طبيعة ابعد واعلى بكثير، من ان يتصدى لها نفر من شبه المتعلمين الجدد، المتنطعين " لثقافة العصر"، مازالوا تحت وطاة ومفاعيل تاريخ طويل من التردي، ومن الزمن العثماني، مادفع من قد تبنى الماركسية منهم بالاخص في حينه، ناهيك عن القوميين، والليبرالييين الشعبويين، للهرب من واقعهم منبهرين، ليختاروا السكنى متماهين مع ايحاء النظريات الجاهزة الايديلوجية، والاستعارية المفهومية، وتحويلها هي بذاتها، لا الى اداة مساعدة، او يمكن التعويل عليها، في قراءة الواقع الوطني، بقدر مااستعملت بدونية، وكبديل متخيل، ظنو انه متفوق،عن الحقائق وآليات العملية المجتمعية، ومواطن ووتائر الصراع الفعلية، الداخلي الذاتي منها، كما بازاء الطاريء الاجنبي الغربي، بوجهيه،الاستعماري المباشر، والمفهومي.الوطني التاريخي. 
ويعود لتوقيت وصول الغرب المباشر، العسكري بالاخص، عند بداية القرن العشرين، الأثر الاكبر في حلول لحظة قطع مصطنع ومباغت، في المسار التاريخي، اعترض حركة التشكل الحديث الذاتية، المتحققة وفقا للديناميات الحضارية العراقية، قبل اكثر من قرنين على مجيء الغرب، حين بدأ ظهور"الاتحادات القبلية" في القرن السابع عشر، في ارض سومر، جنوب العراق، دلالة على ابتداءعملية التشكل الوطني الحديث/ او وبالمصطلح الموافق لطبيعة تاريخ وبنية العراق / الدورة الحضارية العراقية الثالثة، المعاشة اليوم.
واي تطبيق لمقتضيات تشكل الافكار المعروفة بالحديثة، لايمكن ان يضع تلك الظواهر ضمن خانة النمو المعرفي الطبيعي، الذاتي او العام، حتى بابسط مقتضياته، التاريخية والواقعية،و تفحصها بناء لقواعد التحليل، يصنفها بداهة كظاهرة غير طبيعية، كرستها لحظة عابرة، منتكسة امام هيمنة الغرب، واستلابه الفكري والنموذجي لعموم العالم غير الاوربي، ما ولد حالات مسخ، عمق من شذوذها، تكوينها المحلي المستقيل من التاريخ، وكل امراض واقعها المتردي المنهار والمتراجع، بحيث وضعنا امام لاعقلانبة، تقيم علاقة مستحيلة بالعقلاني المفترض، مسجلة من بين حقب وفترات الانهيار والتردي التاريخي المستمر من 1258، تارخ انهيار بغداد على يد المغول، حقبة اخيرة، طابعها التشبه المزري، بالطاريء، المنغلق اصلا ، اذا مااعتمدنا مدلولات وجهه الامبريالي، ومآله المسدود الافق هو نفسه، بدلالة جريمة طغيان الايديلوجيات، والحروب الكبرى، وصولا لاسلحة التدمير الشامل في القرن العشرين، عدا العجز الكلي عن ايجاد صيغة مشروع حضاري انساني، يمكن ان تجعل العالم ـ بغض النظر عن الادعاء ـ يتمتع بالحد الادنى من موجبات العدل والسلم والمشاركة الانسانية المتساوية.
ان فرضية الامر الواقع الكبرى، المتولدة عن ثنائية هيمنة الغرب، مقابل الانهيار التاريخي المتحكم بواقعنا منذ قرون، لاتصلح بحد ذاتها تبريرا، او تاكيدا، لا لصوابية النموذج الغربي، ولا ابدية مسار الانهيار الحضاري التاريخي الشرقي، بمعنى ان قبول الابدية الغربية كاساس، او منطلق لاي تفكير، يجافي حقيقة اشتغال عقلية مستقلة، وكونية، كما هي طبيعة الفكر، بما انها تبدأ من الانغلاق الذي يلقيه افتراض ابدية الغرب على العالم، ناهيك عن استحالة تجاوزه، من دون ان ينتج ذلك خراقات من نوع "جاهلية القرن العشرين"، فسيد قطب ومايمثل، هو الاخر غير ابدي، وفي حالة دفاع عن لاابديته، مثله مثل الغرب، والاثنان يشكلان التحدي الاكبر، امام الفكر والحياة على مستوى المعمورة. 
لايتوقف العقل او الوجود الانساني عند اية محطة، مهما بلغت، مع ان من طبيعة البشر انهم يصطنعون نهيايات للتاريخ، ويضعون سدودا وحواجز، لايمكن عبورها، سواء اكان الحاجز نهاية البشر،اوالقيامة، او العلم ومنجزه اللامحدد النهايات،.فالعقل مصمم لكي يواجه، ويتعامل مع المتحقق والمنجز، سواء اكان غربا، او علما، او دينا سماويا، او اي صيغه اخرى متحققه واقعيا، فلا واقعي خارج الاحاطة، ومن ثم خارج احتمال التجاوز.
وفي الغالب كما هي الحال في العراق، يكون مصدر التصويب الممكن كامن في الماضي لافي الحاضر او المستقبل، كان يكون نمط مجتمعي وتكويني تاريخي، غير مكتشف، وغائب عن الادراك على مدى قرون، من نوعيه كون العراق بلد دولتين مصطرعتين في كيان واحد، وان هذا النمط المجتمعي، هو ارقى اشكال التشكل المجتمعي المعروفة على مستوى المعمورة، ماقد جعله خارج الاحاطة، و "مما لايمكن افتكاره"، حتى في الزمن الاوربي، وابان طغيانه الحالي، فالتكوين المجتمعي المزدوج العراقي، متفوق كينونة وبنية، على ممكنات الوعي الغربي الاحادي، حتى في حالته الارقى "الطبقية"، وهو مايشمل حتى القفزة المعرفية في المجال العلمي المجتمعي منذ القرن التاسع عشر، وفي مقدمها "المادية التاريخية"، التي توصل لها ماركس، واذا تحدثنا عن الغرب ونكوصه، فالحري ان نتوقع تعاملا كارثيا من قبل المتشبهين به، واللاجئين اليه من اماكن خاوية، بحثا عن حضور مستحيل.
في الثلاثينات، في العراق، تحول النكوص امام التكوين الوطني، والبنية التاريخية، الى سبب ومبرر، للقفز واستبدال الواقع بالمستورد، وهذه الانتقالة، اتخذت منحى شديد الصرامة الداخلية والانتحاء عن الواقع، اولا بسبب حضوره الداهم والثر المتدفق، ماسهل على القوى الايديلوجية تحويره، واسباغ معاني وصيغ تصفه، اوصافا منتزعه من ترسانتها وتسمياتها، مستغلة تفردها، وثانيا ولان وتيرة الصراع والمواجهة، عالية وشاملة كما اسلفنا، فقد اضطرت القوى الايديلوجية للانغماس العملي ماعزز لديها الاعتقاد بنطقها عن الواقع وتفاعلها معه سلوكا وفكرة، مع غلبة للعملي، واقتصارعلى الحد الادنى الفكري المفهومي، ينتهي عند "البيان الحزبي"، والمقررات والشعارات، غير الخاضعة للمناقشه، او الفحص، ماقد خلق مع الوقت قوة فعل وتفسير من خارج الواقع، تتغذى من غياب وتأخر لحظة وامكانية اكتشاف الخاصيات التاريخية، لتوجد شكلا من الحضور الفريد، يصير فيها المجتمع "حزبا" مغلقا، لطالما لعب دور المجتمع التعويضي.