نحو حوار غير مشروط على اساس الدستور

بيان للحزب الشيوعي العراقي

تواجه بلادنا منذ الاستفتاء في اقليم كردستان يوم 25 ايلول الجاري وضعا بالغ الصعوبة والتعقيد، يهدد امنها ومستقبلها في الصميم، ويستدعي تحركا عاجلا ومسؤولا من طرف القوى السياسية الوطنية وكل المخلصين والحريصين على تبديد المخاطر الماثلة.
فقد أدى الإصرار على إجراء الاستفتاء من جانب واحد، رغم الرفض الذي جوبه به عراقيا وإقليميا وعربيا ودوليا، ورغم المطالبات الملحة بتأجيله حينا وباستبعاد المناطق المتنازع عليها من إطاره حينا آخر، إلى ردود فعل شديدة لم يكن يصعب توقعها. لا سيما وان قواتنا المسلحة البطلة كانت تواصل مهمتها العظيمة بملاحقة داعش الإرهابي، بعد ان أنجزت معركة القضاء عليه في محافظة نينوى، وحققت بسائر صنوفها انتصارات مشهودة فيها. 
وكان حزبنا الذي عبر دائما عن الاحترام لحق الشعوب، كبيرها وصغيرها، وبضمنها الشعب الكردي وعامة شعب كردستان، في التعبير الحر عن إرادتها وفي تقرير مصيرها، قد اقترح منذ أيار الماضي ألا تتم عملية الاستفتاء في الظروف القائمة، مشيرا من ناحية إلى استمرار انشغال البلاد بالحرب ضد الإرهاب الداعشي، ومن جانب آخر إلى عدم التشاور والتفاهم مع الحكومة الاتحادية تمهيدا للاستفتاء.
وزاد الأمور تعقيدا بعد إجراء الاستفتاء أن جهات معروفة، محلية وخارجية، عمدت إلى خلط الأوراق، وإثارة المشاعر، وإطلاق دعوات متطرفة ومهيّجة غايتها قطع طريق المعالجة العقلانية والواقعية للوضع الناشيء، والتي تكرس الاحتكام إلى الدستور وتحفظ ما ينص عليه من حقوق للمواطنين من سائر القوميات والطوائف، وبضمنهم مواطنو كردستان، وتضع في الاعتبار مطالبهم ومطامحهم المشروعة.
وأظهرت الأحداث والوقائع المتتابعة خلال ذلك، أن هذه الأزمة الجديدة ليست معزولة عن الأزمة العامة التي تلقي بثقلها منذ سنوات على العراق، بل وليست إلا احدى نتائج ازمة نظام الحكم المبني على المحاصصة الطائفية والاثنية. فليس سرا ان العلاقة المأزومة أصلا بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم، هي واحد من تجليات مأزق الحكم المحاصصي المعتمد في البلاد، وان الحكومات الاتحادية المتعاقبة وحكومة الإقليم تتحمل مسؤولية هذه العلاقة. فهي التي أدارتها معا عبر المساومات والصفقات السرية، بعيدا عن أنظار الشعب ومصلحته وإرادته، وعن تطلعه إلى الاستقرار والبناء والى إقامة نظام المؤسسات الدستورية على قاعدة المواطنة وليس على أساس المحاصصة.
من جانب آخر يرى حزبنا ان صيغة الدولة الاتحادية لا تزال قادرة على تأمين الحلول المُرضية لجميع الأطراف، وعلى تطمين حقوق ومصالح الشعب الكردي والمكونات الإجتماعية الأخرى في كردستان وعموم العراق، اذا ما توفرت الإرادة السياسية لدى جميع الأطراف، وقدمت الأمم المتحدة الدعم الضروري.
ولأجل الخروج من أزمة الاستفتاء وتجاوز تفاعلاتها وتداعياتها، لا بد من التحرك انطلاقا من المصلحة العامة، الوطنية، من مصالح وحقوق الشعب العراقي بجميع قومياته وأطيافه الأخرى، وذلك بالعمل على : 
* استبعاد التصعيد بكل أشكاله، ولجم "الحربجية" ودعاة الكراهية القومية، والابتعاد تماما عن منطق العنف والقوة العسكرية او التلويح بهما، واعتماد منطق العقل ولغته. 
* دعوة حكومة الإقليم الى التعاون على ايجاد مخرج آمن ومقبول من الوضع الخطير القائم منذ الاستفتاء، والى الإسهام الجاد في ذلك عبر اتخاذ مواقف تتيح اجراء الحوار في اطار الدستور. 
* رفض المطالب غير المسؤولة لمن يدفعون في اتجاه فرض نوع من الحصار على الإقليم، وتجنب اتخاذ أي إجراء تشم منه رائحة العقاب الجماعي لشعب كردستان، والذي سيؤذي في النهاية الكادحين والفقراء قبل غيرهم.
* مباشرة الحوار عاجلا دون شروط مسبقة، ليس فقط بين الحكومة الاتحادية وحكومة كردستان، وإنما بين الأطراف الوطنية العراقية جميعا، في إطار حوار وطني شامل وفق جدول عمل واضح، وبسقف زمني محدد.
* دعوة الأمم المتحدة للاسهام في تيسير انطلاق هذا الحوار، وتسهيل التوصل إلى اتفاقات بشأن المشاكل القائمة، وتوفير الضمانات لتنفيذها بموجب جداول زمنية معتمدة. 
* اتخاذ خطوات سريعة لمعالجة عوامل التوتر والاحتقان في المناطق المتنازع عليها، خصوصا في كركوك وسهل نينوى، وللتوصل إلى صيغ لإدارتها تضمن حقوق أطياف أهاليها جميعا ومشاركتهم فيها، الى حين استكمال تنفيذ المراحل التي تنص عليها المادة 140 من الدستور. 
* تعزيز التعاون بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم في مجال مساعدة النازحين، والاسراع في تمكينهم من العودة إلى مناطقهم، بجانب مواصلة التعاون والتنسيق بين القوات المسلحة وقوات البيشمركة في الحرب ضد داعش،
اننا على ثقة من أن سعيا كهذا الى الحل الوطني للازمة القائمة، عبر الحوار الجاد والصريح، من شأنه أن يغلق منافذ العراق أمام التدخلات الإقليمية والدولية، التي لا تستهدف الا تحقيق مصالح دولها على حساب شعبنا العراقي.
غير اننا ندرك في الوقت نفسه أن مسلسل الأزمات لن ينتهي ما لم يتم التخلص من نهج المحاصصة المهلك، وما يرتبط به وثيقا من فساد وسوء حكم وإدارة. 
لذا نتوجه إلى سائر القوى المدنية الديمقراطية، والى جميع من يحرصون على اخراج البلاد من أزمتها العميقة، وفتح آفاق واعدة امام أجيالها الجديدة، وندعوهم الى العمل الحثيث للتوصل إلى مواقف مشتركة بشأن معالجة الأزمة الراهنة، والى توحيد جهودهم عامةً. فمن دون ذلك لن يقوموا بدور مؤثر في تشكيل موازين القوى، الضرورية لاطلاق عملية الإصلاح والتغيير المنشودة في اتجاه بناء الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المواطنة التي تعمل على توفير الأمن والخدمات والحقوق والحريات، وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية.