وجهة نظر صريحة ومهمة جدا حول استفتاء الإقليم: ليعلنها دون ان يأبه بنا!

النائب عن كركوك شوان داودي

الصمت في المواقف الصعبة يولد الاحترام, عكس الصراع والجدل اللذين يولدان التنافر والحقد. من هذا المنطلق وقبل اسابيع من عملية الاستفتاء اخترت السكوت وابتعدت عن وسائل الاعلام ولم اتحدث لأية وسيلة اعلامية أو المشاركة في أي برنامج ما كي انأى بنفسي عن هذه المعمعة, بل وصل الأمر بي ان لا أكتب مقالتي الأسبوعية التي أعتدت عليها. أبلغ من العمر الان 50 عاما, وانخرطت في صفوف الحركة القومية الكردية وأنا في الرابعة عشرة من عمري، أي انني ومنذ 36 سنة لم أنقطع يوما عن مراحل الحركة التحررية الكردية وكانت لي قراءاتي الخاصة مع كل انتصار او نكسة, لكنني وطوال حياتي لم اشعر بالخوف كما اشعر به الان.. كانت لدي ملاحظات لا تحصى ولا تعد على عملية الاستفتاء لكنني لم أعلن عنها لوسائل الاعلام, أو اتكلم عنها صراحة خشية قراءتها بصورة مغايرة, وبالتالي وضعي في جبهة أخرى مغايرة لا تتناسب وتأريخي النضالي, فأبقيت ارائي الى ما بعد العملية المذكورة. هناك حقيقة في العراق يجب على الجميع الاعتراف بها، اذا كان هناك رأي مغاير قبل الخامس والعشرين من ايلول فالان تم حسم هذه المسألة بصورة تامة, وهي أن هنالك شخصيتين في العراق تصنعان الأحداث, وتمارسان السياسة, وتحركان المسائل, وتجتذبان جميع القوى والكتل السياسية والشخصيات تجاهها، شخصيتان قويتان, ومدعومتان أقليميا من قبل ايران وتركيا, وأفكار وستراتيجيات ورؤى هاتين الدولتين واضحة وجلية، هاتان الشخصيتان شئنا ام ابينا هما بارزاني والمالكي.

بارزانى، وبعد كل ما أصاب الشعب الكردي بسبب بقائه على كرسي الحكم جلب لكردستان العديد من المشاكل وفقدان الثقة, ويقرر في 7 حزيران اجراء الاستفتاء ويحدد للعملية موعدها ولغاية الساعة الثانية عشرة من ليلة 24 ايلول, واستطاع أن يجر جميع القوى السياسية والأحزاب معه. وبالرغم من جميع ما قيل بحق المالكي في الشارع العراقي سابقا, فلم نر اية ردة فعل من قبل الاحزاب والقوى السياسية وبما فيها الحكومة ذاتها, الا بعد ان صدر بيان من المالكي حول موضوع الاستفتاء, فانبرى حزب الدعوة ورئيس كتلة دولة القانون ومكتب السيد رئيس الوزراء للتصدي للموضوع ومن بعدهم السادة الحكيم والصدر والعامري و..الخ. في داخل البرلمان العراقي جميع ردود الأفعال حول الموضوع كانت تحرك من قبل كتلة المالكي وأصبحوا عرابين للقرارت, بينما العبادي والجبوري وباقي الشخصيات والكتل كانوا مجرد مستمعين ومنفذين لما يجري. هاتان الشخصيتان وحسب الوثيقة التي وقعاها حول الولاية الثانية لحكم نوري المالكي قسما العراق بينهما, وهما يخدمان بعضهما البعض في السلم وفي الحرب, ومع اقتراب موعد الانتخابات يقومان بتحريك بعض المسائل كي يظهرا كبطلين وكل في شارعه ومن دون اي منافس, وكذلك في مسألة الاستفتاء رأينا كيف اصبحت هاتان الشخصيتان المباركتان بطلتين وطنيتين!

أنا اود التوقف لبرهة كي ابين ردة فعلي تجاه حزبي و مدينتي, وأعتقد ان كركوك كمدينة والاتحاد الوطني الكردستاني كحزب هما الخاسران الأكبران في هذه العملية، فكركوك وباقي المناطق المستقطعة هي مناطق نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني, ومن مجموع 21 برلمانيا في كتلة الاتحاد الوطني الكردستاني هنالك 10 برلمانيين من المناطق المستقطعة, و6 منهم من كركوك, كما ان مناطق نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني متأثرة بالنفوذ الايراني هذا فضلا عن أن الاتحاد الوطني الكردستاني في الداخل واقليميا محسوب على الايرانيين. فيما يتعلق بموضوع الانفصال لو استثنينا كركوك وباقي المناطق المستقطعة وأجرينا الاستفتاء على صعيد العراق لانفصال السليمانية وأربيل ودهوك وحلبجة أو الخط الأخضر المرسوم قبل تاريخ (9/4/2003) فسنحصل على نتيجة نعم بالاجماع. المشكلة الكردية تكمن في تلك المناطق المستقطعة للمشاكل الاثنية والقومية التي فيها, وتمت مقاطعة الاستفتاء من قبل المكونات الأخرى, وعليه حتى لو حصلنا على نتيجة نعم بنسبة (100%) فلا قيمة لتلك النتيجة، وطبقا للقانون والدستور العراقي تدار هذه المناطق بالاشتراك بين الحكومة المركزية (؟!) والأقليم لحين حسم وضعها بموجب المادة (140), وبعد ظهور داعش برزت فرصة للكرد كي يديروا هذه المناطق لوحدهم ولكن وللاسف لم ينجحوا في ادارتها. صحيح انه تم انجاز العديد من الأبنية والصروح والجسور لجعل المدينة اجمل, الا أن جسور الثقة التي بناها الرئيس مام جلال بين المكونات تم هدمها ونما بدلها بذور الكره والحقد في قلوب المكونات الاخرى تجاه الكرد. لذلك اعتقد ان كركوك وباقي المناطق المستقطعة هي الأكثر تضررا من هذه العملية (الاستفتاء), وما كان باستطاعتنا فعله سابقا لم يعد الان ممكنا وسيخسر الاتحاد الوطني الكردستاني عنصرين مهمين من جرائها وهما: أولا: مدينة كركوك التي هي معقله الرئيسي. ثانيا: صداقة جمهورية ايران الاسلامية التي وقفت دوما بجانبنا في المحن.

وبعيدا عن المصلحة الحزبية والخسائر والمخاوف التي تحدق بكركوك أقول ليعلن بارزاني دولته, ولا يأبه بنا, وليذهب الجميع فداء لطموحاته التي نبهت لها بمقالتي المعنونة "مخاوف كركوكية من الاستفتاء" والتي نشرت في جريدتي النبأ وهوال وباللغتين العربية والكردية بتاريخ 13 تموز وحملت فيها بارزاني المسؤولية التأريخية وتبعات ماسيؤول له مصير تلك المناطق، وختاما أتمنى أن يعلن غدا الانفصال كي لا يصاب الكرد بمأسي أخرى وباحباط تكون تبعاته أقسى بمئات المرات من نكسة 1975.. ليعلنها دون ان يابه بنا..

نائب في البرلمان العراقي