مات الرئيس "العراقي" جلال طالباني الذي لم يكن يؤمن بالعراق

جلال طالباني مع صدام حسين

نصير المهدي

وأخيرا مات جلال طالباني رئيسنا الذي لا يؤمن بالعراق والذي لم يستطع أن يستغل منصبه لتأسيس عراق جديد كما شاع هذه المصطلح بعد الاحتلال وإنما كان يسعى الى المساهمة في هدم العراق كغيره من سياسيي ما بعد الاحتلال الذين حملتهم دبابات الاحتلال الى السلطة لينفذوا خططها ومشاريعها لا أن يستغلوا مراكزهم وسلطتهم ودورهم في إستخلاص حقوق العراق والمساهمة في ترميمه وإعماره بعد الكوارث التي خلفها نظام صدام وآل المجيد وآخرها الاحتلال . 
مضى جلال طالباني وسيلتقي ضحاياه الذي كان يقتلهم ورفيقه الراحل نوشيروان مصطفى بدم بارد وليس لهم من ذنب سوى أنهم عرب سواء منتسبي أنصار الحزب الشيوعي العراقي الذين ذهبوا الى جبال شمال العراق ويفترض أنهم هناك لنصرة الأكراد فانتقاهم جلال من بين أسراه وفرزهم على الهوية وقتلهم في جريمة خسيسة كي يقدم عربونا للإخلاص والولاء لنظام صدام وقد أسدل عليهم حزبهم بعد ذلك الستار وخلال أشهر قليلة وليس سنوات عندما أفلس الطالباني من أمل الاتفاق مع صدام لحكم المنطقة الكردية وأولئك الضحايا كانوا في ريعان شبابهم وأعرف شخصيا الكثيرين منهم وقد تركوا دراستهم في مختلف البلدان ولبوا نداء قناعاتهم العقائدية وذهب دمهم هدرا كالآلاف غيرهم في معارك وخلافات وصراعات الأحزاب العراقية التي . 
ثم بعد ذلك إرتكب مجزرة أخرى وهذه المرة ضد الجنود العراقيين وأيضا بدون ذنب والجندي العراقي مأمور مجبور يطارده الموت من أمامه من عدو قد لا يعاديه ولا يسعى الى قتله ومن وراء ظهره بفرق وكتائب الإعدام التي كانت تقتله على الشك والظنة أو لبيان طاعتها وجديتها في عملها لسيدها ولم تكن جريمة جلال الطالباني في 91 أول المجازر " السبايكرية " الكبرى في تاريخ العراق فقد سبقه البارزاني الأب الى إرتكاب مجزرة أكبر في معركة هندرين عام 66 وفيها أبيد الأسرى بيد مجرمين " عراقيين " عربا وبينما كان الأكراد منشغلين بجمع المعدات والأسلحة التي خلفها اللواء كان المجرمون اللاجئون الى حمى البارزاني يقتلون الأسرى ولم يبقوا منهم أحدا .. سبايكر ليست أولت الجرائم في التاريخ العراقي ولكن من يتذكر أو يعرف سعيد مطر مثلا . 
ومع أن جلال الطالباني كان يجذب الأضواء بظرفه وطرافته وقدرته على اللعب على مختلف الحبال وتقلباته الكثيرة الا أنه لم يكن قط زعيما وطنيا في العراق مع أنه تولى منصب رئاسة الجمهورية بعد الاحتلال وليس في سجله أدنى علامة من علامات الولاء للبلد الذي يتزعمه فهو زعيم كردي يضمر الانفصال كصاحبه مسعود ويسعى اليه وهو صاحب مقولة " كركوك قدس الأقداس بالنسبة للأكراد " وأعجب اليوم لهذا الموقف العاطفي من موته البعيد كليا عن أي رؤية حقيقية لدور الطالباني فماذا يخسر العراق برحيله وماذا ربح بوجوده وكل ما قيل في رثائه ومع الأسف بدون أساس . سوى أن الطالباني بحكم علاقاته بمختلف اطراف المعارضة العراقية السابقة كان يستطيع بـ " الكلاوات " أن يوفق بينها أو يلعب على حبالها أو يرضيها جميعها أي أنه بسبعين وجها وما عدا ذلك وعلى الصعيد الوطني فالطالباني لم يكن يمثل علامة وطنية مهمة فضلا عن تورطه الدموي كما أسلفت ونزعته الانفصالية المراوغة وتقلباته الكثيرة ولهذا لم يكن لوجوده أثر ولن يكون لغيابه أثر الا على صعيد جماعته وحزبه .
من مآثر جلال الطالباني أنه كان صاحب نكتة ولا يتورع عن رواية النكات عن الأكراد فيؤثر في مستمعيه بهذه الطريقة والظرف فترتخي نفوسهم فيقدمون له ما يريد لأنهم أصلا بدون قضية أو هدف أو برنامج ويتعاملون مع قضايا العراق كما يتصرفون بمقتنياتهم الشخصية بل تلك عندهم أعز وأغلى من العراق وما فيه . 
وللرجل تاريخ طويل في التقلبات منذ انشقاقه عن البارزاني في منتصف الستينات ويومها كان عداءه للبارزاني يدفعه الى القول وفي كتابه " كردستان والحركة التحررية الكردية " الى أنه جزء من حركة القومية العربية والناصرية التي كانت في أوج تألقها يومذاك وقد صار طليعة النظام القائم يومذاك في مواجهة تمرد البارزاني الأب وحظي برضاه ثم عندما تولى البعث السلطة للمرة الثانية واصل لعب الدور حتى توقيع بيان الحادي عشر من آذار وقد أعاد الكرة في منتصف الثمانينات وحاول العودة الى التحالف مع السلطة في بداية التسعينات وفي كل تلك الأدوار لم يكن يحسب حسابا للعراق وأهله من غير الأكراد بل خارج دائرة حزبه وطموحه الشخصي والحزبي وعندما يفشل في مسعاه كان يستطيع بكل بساطة اللعب بورقة المعارضة ويتاجر بمعاناة العراقيين . 
رحل جلال الطالباني بعد مرات عديدة من إعلانات وفاته منذ إنتهاء دوره في السلطة ولكنها هذه المرة مؤكدة ومع أنه كان يمكن أن يكون قائدا للعراق ويقبل به العراقيون ولكنه كان أصغر من القيام بهذا الدور الكبير ولهذا لن يترك فراغا في الوضع العراقي حتى أنه ينطبق عليه القول : إن حضر لا يعد وإن غاب لا يفتقد وحقا لا يختلف في ذلك عن غيره من رفاقه في الطبقة السياسية العراقية .
---------------------------------------
مما كتبت في عام 2005 : 
http://www.iraqcenter.net/vb/showthread.php?t=12414