التقية الاسماعيلية العراقية والحزب اللينيني (3/3)

ليس ممايدل على عقم الثقافة والعقل العربيين، والعراقي في المقدمه اكثر من كيفية تعاملها مع واحدة من اكبر الظواهر التاريخية، واكثرها خصوصية وتميزا، ولن نتحدث طبعا عن التيار الاشتراكي والشيوعي منها الان، مؤجلين هذه الناحية الى ملحق خاص، ننشره بعد هذه الحلقة، بعد التنويه هنا بفرادة المنجز الاسماعيلي، وتعديه المستوى المتعارف عليه، من اشكال الدعوات وتنظيمها، بما في ذلك الحديثة المشابهة منها، وبالذات الحزب اللينيني، المنتشر في القرن العشرين، والمنقول من قبل العراقيين والعرب المتبنين لافكار ماركس الحديثة، والتطوير اللينيني لها، بالاخص في الناحية التنظيمة.
ومع اخذ الاختلافات الزمنية والمكانية، ونوعية الاطر الثقافية والتاريخية المجتمعية، يهمنا ان نلاحظ مستوى التعمية الواقعةعلى هذا العمل الجبار، الخارق، ليس هذا فحسب، فالظواهر المطرودة من قبل الجهات السائدة، والمتحكمة، يصعب خنقها، او احكام الطوق عليها تماما، اذا كانت المقاومة الفكرية، وردود الفعل الطبيعية الصادرة عن المعسكر الذي يشبهها، او يلتقي معها في الاسس والمنطلقات، حاضرا، او حيا، بحسب المستويات، او درجات الحيوية والحضور المتاحة، مايدل دلالة قاطعة، على ان ارتكاز الظاهرة التشاركية الاسماعيلة القرمطية العراقية ل "مجتمع اللادولة" العراقي، وغيابها بغيابه، حيث انتفت قاعدة واسا س الحركة مجتمعيا، الا ماتبقى منها كتنظيمات سرية منغلقة، عديمة الحيوية والفعالية والافق خارج مجالها الحيوي.
ابتدعت الاسماعيلية القرمطية، مجموعة من المفاهيم والممارسات اللافته، منها ( الابوة الروحية) بمقابل ( الابوة الجسدية)، ويستحيل على مقالنا الحالي، اجمال كل التفصيلات الثرية المذهلة، التي تحكم منظومة العقيدة والتنظيم الاسماعيلي، وهي بدون شك، يجب ان تكون اكثر من كل مايهتم به "المثقفون" العرب، ان كان لهم من وجود يذكر، جلبا للاهتمام والتركيز، الا ان صورة اجمالية لعناصر بنية حياتية، وجودية، تنظيمية خارقة/ ومؤهلة تماما للمقارنه التفاضلية بالدعوة الاولى، وسياقاتها ومنجزها/ يمكن ان توضع امام القاريء، بغرض التنبيه الى الدعوة الامامية، حيث يكون ( الامام = النبي) بما يعني معادله، مع انه متعدد نوعا وشخصا، مع اختلاف مهامه، وحدود قدرته، فقسم الامام الى سبعة اصناف هي: ( 1ـ الامام المقيم: وهي اعلى مراتب الامامة، وهو الذي يقيم الرسول الناطق، ويعلمه رسالة النطق. 2 ـ الامام الاساس: وهو من يقوم باعمال الرسالة، ومنه يتسلسل الائمة المستقرون، حسب الادوار الزمنية 3ـ الامام المتم: وهو من يتم الرسالة في نهاية الدور، بعد سبعة من الائمة، اي هو متم رسالة الدور.4 ـ الامام المستقر: وهو من يحق له توريث الامامه لولده. 5 ـ الامام المستودع : وهو لايستطيع توريث الامامة لاحد من ولده، و يتسلم الامامه في الظرف الاستثنائي / وبرنار لويس، يركز في بحثه عن الاسماعيلة، على الصنفين الرابع والخامس ـ 6 ـ الامام القائم بالقوة: ناقص في ذاته 7 ـ الامام القائم بالفعل: تام في ذاته وفعله) وكل هذه التقسيمات توجه نظرنا لتشعب وظائف وادوار، وتجليات عمل الامام، وشمولية حضوره غير المشخصن، المتعدد مع وحدة الفعالية والاثر.
بالمقابل يستجلب النظر بقوة، او ينبغي ذلك، مزج الاسماعيليين في نظرتهم للامام، بين الباطن والظاهر، بما ان الاسماعيلية تمزج في ايمانها النوعين من الايمان، فهم يعتبرون ظاهرا ان الائمة من البشر، وانهم خلقوا من الطين، ويتعرضون للامراض، والآفات، والموت، الا انهم يسبغون عليهم في التاويلات الباطنية ( وجه الله) و ( يد الله) و( جنب الله)، وبقولون ان الامام، هو الذي يحاسب الناس يوم القيامة، وهو السراط المستقيم، والذكر الحكيم .. الخ ... وهذا الاقتراب بالبشري، من نطاق الالهوية، يجعل الامام متحررا من صورة النبي، ويتسنى له اخذ الدعوة الثانية لحيث تكون موكوله من حيث الاساس والالية، لمناخ اخر مختلف.
ويسمي الاسماعيليون العبادة "علما" يقسمونه لبابين "علم العبادة بالظاهر" وعلم " العبادة بالباطن"، وهم يعتمدون مقولة: "من عمل بالظاهر والباطن فهو منا، ومن عمل باحدهما دون الاخر، فالكلب خير منه، وهو ليس منّا" والمدهش في الاسماعيلية هو جانبها التنظيمي المعقد ،وتراتبيتها، بجانب وبالتداخل مع ميلها الفلسفي، مع تركيزها على الممارسة الدعائية، لدرجة تسميتها لوظائف من بين مريديها، يطلقون عليها "المكاسر"، او المجادل، الذي يقوم بمهمة المجادلة العلنية، من دون ان يكشف عن انتمائة، واسم المكاسر ماخوذ من ممارسته لمهمته، في حين ان اسمه الاصلي هو "المكالب"، وهذا يشبه العضو العادي في الاحزاب السرية الحديثة، بينما يوجد من هو ادنى منه، او من يطلق عليه اليوم "المرشح" او " الصديق"، ويطلقون عليه اسم "المستجيب".
ويقابل الاسماعيليون، بين نظام الفلك، وتقسيم العالم تنظيميا، فيضعون 12 داعيا، بمقابل ابراج الفلك الاتنا عشر ( الحمل ، والجدي، والاسد.... وغيره) وهم يقسمون التنظيم الى " جزر"، هي مايعرف او يقابل تقريبا اللجان المنطقية، ويسمى الامام المسؤول عن الجزيرة، داعي دعاة الجزيرة، والجزر تناظر اشهر السنه الاثنتا عشر. ولان الشهر ثلاثون يوما، فقد وضع لكل امام جزيرة، ثلاثون داعية معاونا له، والدعاة المبثوثون في العالم، بناء لهذا التوزيع يبلغ عددهم8640 داعية، هم ليسوا كل الدعاة، لان قسما من هؤلاء لاتشملهم احصائية المنتمين للجزر تحديدا. اذ ثمة دعاة يكونون في مركز الدعوة الرئيسي، مع عميدهم الامام.
ومن القواعد التي تذكر باشكال العمل السري الجاري اليوم، الشروط التي كان الاسماعيليون يتوخونها، ويريدونها في " المكالب / المكاسر" الذي هو في ادنى السلم التنظيمي، وتتركز في خصال ومقومات شخصية، منها ان يكون من نفس البيئة التي يعمل ويكاسر فيها، بحيث يكون معروفا، كما يفضل ان يكون حسيبا ونسيبا بين قومه، وان يكون معروفا بالصدق والامانة والتقى والورع، مايمنحه الاحترام اللازم لاداء مهمته، و وسيطول البحث ويتشعب لو اننا اردنا اجمال كل مايتصل بالبنية التنظيمية، وبهيكلية البناء الاسماعيلي، بما في ذلك الهيئة القيادية العليا، الشبيهة ب"اللجان المركزية" وتسمى "المجلس الاسماعيلي الاعلى"، والطريف ان تكون هنالك "لجنه ثقافيه" تهتم بشؤون الثقافة، وكل مايتصل بها.
وللاسماعيليين عناية خاصة ومتميزه بالاتصالات عن طريق الحمام الزاجل، يتبادلون عن طريقه الاخبار بسرعة، واما الجانب الفكري الفلسفي، فتناوله سيحتاج وقفة اوسع بحسب الظروف، وماننوية من اظهار لهذا الملمح التاريخي الابداعي الاشتراكي الخطير، وبالذات الجانب الباطني، باعتباره السبيل الى التملص من وطاة الشرع المتداول، والنص المرافق للدعوة الاولى، او العام ، باعتباره دين عوام، مايترك مجالا تاويليا واسعا للغاية، يشمل كل مناحي العقيدة والحياة، ويعيد يناءها خارج النص القراني، والسيرة والحديث، مع الحرص على الاعتراف بها.
ولم يتبق بايدينا مايمكن الانكباب عليه، من الاعمال النظرية للقرامطة، برغم الاخبار التي تشير لوجود اعمال من هذا القبيل، وحتى عن منظرين كبار، ولو ان شيئا من تلك الاعمال ظل، وامكن توارثه، لتغير الكثير، الا ان الحكام العباسيين على مايبدو، بذلوا اقصى ماباستطاعتهم،، حتى يمحوا اي اثر من هذا القبيل، من شانه ان يدل على حقيقة الاسماعيلية، والقرمطية، بالاخص منها ماكتب وقتها في العراق، ابان بناء الحركة وصعودها، بينما لم يكن متوقعا لها، ان تنتج خارج العراق، المركز، لانتفاء البواعث الموضوعية والبنيوية، اعمالا يعتد بها، وان ظهر شيء منها هنا وهناك.
ولاتشبه الوثبة التشاركية ل"مجتمع اللادولة"، في دورته الثانية، ماقد عرفته لاحقا، الاشتراكية الاوربية زمن الراسمالية، فالاخيرة تعذر تحققها في المركز الاوربي، في حين تحققت اشكال منها في الاطراف، بالاخص في روسيا والصين، بعد تحويرات ذات طابع عملي براغماتي، في حين تحققت القرمطية خارج العراق، في البحرين، واليمن، والمغرب ومصر، من دون يرافق ذلك اضافات، او تعديل نظري يذكر، ومع انتفاء الاساس الموضوعي، الا ماخص الجانب العملي، بالعودة لاسلوب الغزو الجزيري، واستخدام العنف، ذلك علما بان اشكالا من تحقق القرمطية بالذات، تحقق في ارض السواد في العراق، بعد هرب الجيل الاول من الدعاة، وقام تنظيم مجتمعي، استمر لمايزيد على القرن، من المساواتية الاقرب الى اللا تعيين مؤسسيا، مع ان المنطقة كانت تدار عمليا، من "مجلس عقدانية"، له دستور، اول بنوده ينص على "ان من حق الانسان ان يؤمن، كما من حقه ان لايؤمن"، وبالمقارنة، فان جانبي النطرية، والوسائل التنظيمية العملية، قد تلازما مكانيا من حيث المنشا والسيرورة، في التجربة الاسماعيلية، بعكس الحالة الاشتراكية الحديثة الاوربية، المنتهية والتي زالت هي الاخرى، قبل قرابة ربع قرن.
بانتظار تجل اخر
ــــــــــــــــــ
يتبع:
الاسماعيلية والشيوعية العراقية/ العربية (ملحق)