الاسماعيلية والشيوعية العراقية العربية (ملحق 1)

عبد الامير الركابي

انشغل من انخرطوا في العملية (الاستحداثية)/ نفرق بين "الحداثة" كفعل تاريخي عضوي وموضوعي، كما هو قائم في الغرب الحديث، مقابل العملية المشوهة المنسوبه له، المتشبهة به، والتي تستعيره، كما الحال في العالم العربي، ونطلق على الاخيرة تسمية "الاستحداث"/ ومن تعرفوا منهم على الماركسية، باستبدال مجتمعاتهم، لصالح مخططات مجتمعية جاهزه، لم يجربوا، او يحاولوا ادراك، اي شيء عن آلياتها، ولا ميكانزمات حركتها، وشروط تحققها، بالاخص جانها الموضوعي، الخارج عن ارادة الفاعلين، والمستقل عن اي تخطيط، مايضعهم / الاستحداثيون/، خارج الاطار الذي تحققت ضن سياقه في ارضها، وبناء عليه، فانهم وحيث تبنوها، فقد فعلوا ذلك جهلا وسذاجة، ولاغراض خاصة، مدفوعين بالق، وليس من دون رغبة في استغلال لحظة تاريخية عالمية، اسقطوها ممتزجة بتخيلات واحلام جامحه مكبوته، زينت لهم حلم وامكان رؤية بلادهم وقد تغيرت، لاوفقا لسيرورتها التاريخية، بل بناء على حالة غيرها الداهمة، بعدما اعتبروا مااحدثته عاما، شاملا، هو الافق الذي لاافق وراءه، ولامجال للوقوف بوجهه.
ومثل هذا الاختصار للفعل التاريخي، وقد اوكل لنموذج مصنوع من اخرين، من البديهي ان يقلص، ان لم يعدم، الرغبة في في تحري، والنظر الى التاريخ الخاص، اوحتى مجرد ايلائه الاهتمام الضروري، الا مأتاتى في اوقات لاحقة، في الاوساط الاكاديمية الناشئة، حدث هو الاخر، بدفع وتحفيز من الاستشراق، واهتمامه المؤدلج بالشؤون التاريخية للمنطقة، وفي العراق مثلا، وبرغم ان هذه البلاد شهدت قمتين حضاريتين كونيتين تاريخيتين، واطلقت منظورا كونيا مايزال ساريا، وهو الاوسع انتشارا بين البشر، كايمان توحيدي، لم يجد التاريخ العراقي، والاشتراكي منه، مايستحقه من التحري، وفيما عدا كراس الدكتور فيصل السامر، عن ثورة الزنج، وفي وقت لاحق عمل الدكتور حسين قاسم العزيز عن "البابكية"، اتسمت عملية النظر التاريخي، ومدرسة التاريخ العراقي ـ كما يطلق عليها عبدالله العروي ـ بغلبة منظور القوى المنتمية للدولة القاهرة، والتي يمكن سحبها الى النطاق العباسي الامبراطوري السلطوي، ومن يمثلون ادواته المعرفية، والدعائية حاضرا، بالاخص مع مثال مؤرخ كبير مثل "عبدالعزيز الدوري"، ليعيد بناء للمنهجيات الحديثة المستعارة، تكريس الماضي بصيغته السلطوية الامبراطورية.
وتعكس الحال بهذا الخصوص لحظة / استحداث/ اطلق عليها زورا تعبير واسم / تحديث ـ وحداثة/ لم تعرفها منطقتنا، ومازالت تراوح على امل التحقق المستحيل. ابتداء من "محمد علي"، الى الظواهر المتصلة بتلك الحقبة، وبالمناخ الذي ولدته، ورافقها على مستوى الافكار، وما عرف ب "عصر النهضة"، وهي تسمية تكاد تكون معيبه تماما، بالاخص اذا اعتمدنا واقع استمرار مفعولها لاكثر من قرنين، من دون ان تستثير اي رفض، او اعتراض، او حتى مجرد توقف عند طابعها التزويري المبتذل المحض، دلالة على استمرار العجز، وغياب البديل الذاتي.
والحداثة قانون تشكل عضوي مجتمعي ثقافي، بينما الاستحداث يمكن ان يحصل، بحيث يكون المرء ماركسيا، لانه درس الماركسية في احدى المدارس المخصصة لهذا الغرض، او ان يعتقد لدى قطاعات من نفس العينة، ان تاخر ترجمه "راس المال" مقصود، الغرض منه تاخير الثورة البروليتارية الواقفة تنتظر على الابواب، لتتكرس جهالة وامية معرفية، تسقط على الماركسية الاصل، باسباغ مكونات نظر ورؤية اعتقادية خرافية، وتاليهية للافكار، تستعمل ضد الاليات الوطنية، ولقهرها لصالح نموذج خارج عنها، مدمر لبنيتها وكينوننتها، باعتباره الصواب المطلق، الذي لاياتية الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ليست "الاشتراكية" واحتمالاتها كمشروع، مبدءا او حضورا، مقتصر على الغرب الحديث، او على الراسمالية ومنجزها، لوحدها، كما انها ليست مكان انبثاقه، وممكنات تحققه، والتاريخ العراقي خصوصا، حيث احد اهم مراكز الفعالية الحضارية الكونية، ينطوي على نموذج اشمل، واكثر تقدما وواقعية، من اشتراكية ماركس الطبقوية، غير البنيوية، وغير القابلة للتحقق بناء عليه، على عكس العراقية، كما تتجلى بصورة "مجتمع اللادولة" في الكيان المزدوج، التاريخي، الحاضر، والمتحقق عبر الدورتين الحضاريتين: السومرية /البابلية، والعباسية/ القرمطية، والحالية الثالثة.
ومن تلك التحققات التاريخية الكبرى، القرمطية الاسماعيلية، قبل دخول العراق والمنطقة، " حقبة الانقطاع الحضاري الثاني"، المستمرة منذ 1258 الى اليوم، من دون ان تبدا او تلوح ملامح الثورة التعبيرية النظرية والعملية، الدالة على قرب تحقق الدورة الحالية، بينما تستمر الى اليوم، وكآخر محطتين من محطات الانهيار، والترديي الانقطاعي، حقبتان، هما، العثمانية، وبعدها مباشرة، الاوربية الطبقوية، مع ان هاتين اللحظتين، سادتا خلال بدء التشكل الحضاري الثالث الراهن، والمستمر منذ القرن السابع عشر، مع لحظة عودة العراق للتشكل من جنوبه كما العادة، بداية بهيئة "اتحادات قبيلة"، ظهرت اولاها في نفس ارض نشاة الدورة الاولى،في القرن السابع عشر، في ارض سومرالحديثة/ الناصرية /.
وليس جائزا، ان لاناخذ بالاعتبار ونحن نحاكم تيارات وقوى الاستعارة الماركسية، والشيوعية، كما ظهرت في العراق مع بدايات القرن الماضي، وبالاخص منذ ثلاثيناته، عظم وضخامة المتطلبات النظرية والعملية الإستثنائية، وغير المسبوقة، التي وقفت امامها، ضمن ظرف اقتضى احداث قطع تاريخي فجائي داهم، وقع وقتها على السيرورة التاريخية الحديثة بعد حقبتين كانتا مرتا على التشكل الوطني، القبلية، والدينية التجديدية، مكرسا بين ليله وضحاها، احتمالية منظور ونموذج مغرللغاية، في رؤية العالم والظواهر، واشكال التنظيم المجتمعي، اوحت بقوة استثنائية، بالشمول، والكلية، والابدية، وجاءت مدعمة بحزمة من المنجزات الفكرية التنويرية والسياسية، وفي المجالات كافة، وفي العلوم خاصة، وكل هذا وقع على فئات كانت تتطلع الى العالم، وتامل بالعودة للفعل ضمن التاريخ، بعد قرون من الاقصاء والتردي، بينما هي ماتزال تسبح داخل عالم ميت، نطاق نهوضه مايزال محصورا ضمن زاوية صغيرة، لم تتعد درجات سلمها الاولى، مع كل مايحيط بها، وبآليات عملها من غموض، وصعوبات تحول كليا، دون اماطة اللثام عنها، مادامت هي لم تبلغ بعد موضوعيا، الدرجة اللازمة من النضج، ومن توفر الاسباب والمعطيات التاريخية المادية، الضروررية لبدء عملية التشكل الحضاري على صعيد الرؤى ووسائل العمل.
كل هذا يكفي في اية حال، لان يحل الاستعارة، بدل النظر الذي يركز على الذات، او يخطر له البحث داخل البنى الخاصة، بحثا عن احتمالات يمكن ان تكون من نمط "مابعد غرب" على سبيل المثال، وكان مثل هذا الافتراض يقع حكما في باب "مالايمكن افتكاره" موضوعيا، فالحزب الشيوعي، اسس في الثلاثينات، على قاعدة، ووفقا لاسس منقولة، هي وخلفيتها النظرية، وقام " فهد" يوسف سلمان يوسف، بنسخ حرفي لماكان تعلمه في روسيا، فلم تكن مدرسته المشاعة العراقية وموجباتها، ولا مجتمع اللادولة التاريخي العراقي، ولا فكّر، ولا اراد ان يفكر بناء عليه، ولاسباب تتعلق بموقعه الاجتماعي، ونوع، تسلسلات الدعوة الاسلامية وصيغتها الثانية الاسماعيلية القرمطية، فهو من هذه الناحية وغريزيا، ميال الى نفي تلك اللحظة التاريخية بناء على النموذج الجديد، بالاخص وانه لايملك القدرة، ولا سعة الاطلاع الذي ؤهله في حينه، لسبر اعماق الوطنية العراقية، وخاصيات الازدواج البنيوي العراقي. هكذا كان هو قد اقام حزبا من خارج الواقع، ليستعمله في تغييرالواقع معلنا عن عجزه عن الاقتراب من مكنوناته، فارسى اسس، بناء حزبي نظري، مدعوم بظرف عالمي آني، اساسه "طبقوي" مستعار، هو دليل ساطع، على نكوص وقصور تام عن تحويل المنجز العالمي المستجد الى اداة اكتشاف، لعناصر واليات وقوانين الاشتراكية البنيوية، الامر الذي سيضع المنجز الجديد، على المدى البعيد، في تصادم تام مع فعل الاليات التاريخية، ويخضعه لقوانينها، لحد اخراجه من الفعل الوطني الحي.
ومع خصوصية تجلي الشيوعية في العراق، والاشتراطات التي حكمت عملية تأسيسها، فان الحكم نفسه، قد ينسحب على القوى الاستحداثية المتشبهة بالليبرالية، والقومية، ففي العشرينات وبعدها، لم تتمكن النخب المتوفرة، ببنيتها الرثة التي كانت عليها، من اقامة حركة وطنية عراقية، تطابق خاصيات العراق التاريخية، وبالاساس، فانها وقفت عاجزة دون اكتشاف اسس مثل هذه الحركة، فلجات الى الاستعارة، واقحمت المنظور والنموذج، والمنهجية الغربية الاوربية، على الواقع، ببدائية، وبممارسة تتسم بالفقر المعرفي التام، ماقد اجل ظهور الوطنية العراقية لزمن إمتد الى اليوم، اي بعد قرابة قرن من الزمن، اكتسب المجتمع العراقي خلالها خبرات هائلة، واختبر انماطا من التجارب والممارسات، واشكال المواجهات القرة التي لاتوقف لها، هي من ميزات تاريخه كله، فوضعته دائما على حافة الفناء، وعلى موعد مع العبقرية الكونية.
واذا كان ماننوه به ينبيء بمرحلة تاريخية جديدة، فليس من الطبيعي ان لانذكر الشيوعية العربية، التي تكتب احيانا عن الحركات التي تسميها، مادية، او التي تحمل ملامح تجيز التقسيم، الى يمينية ويسارية في التاريخ الاسلامي، على حسب تعبير "احمد عباس صالح"*، موجهين النظر ناحية اعادة الصياغة، بالانتقال من الاستعارة، الى الاندماج بالافق التكويني الاشتراكي البنيوي، والذي هو مكون اساسي ان لم يكون هو مكون الحركة التاريخية الحضارية العربية، واذا كانت حصة الحزب الشيوعي العراقي من التقصير، والخروج على الذات اكبر من غيره من مماثليه، في العالم العربي، الا ان ضرورات اعادة تقييم ونظر شاملة، تصل لدرجة اعادة التاسيس، يجب ان تكون اليوم من اهم نقاط البحث على جدول الاعمال الفكري السياسي اليساري العربي، وذلك مما ينبغي ان يلتفت النظر له، بناء على ماهو غالب اليوم على الاوضاع العربية، بعد عودة ترديها بالاجمال. 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع: 
التقية الاسماعيلية العراقية والعهد الصدامي ( ملحق2)