حول تشييع الطالباني وعدم رفع العراقي على تابوته

العلم العراقي

نصير المهدي

ما من علم لدولة في العالم يلقى من المواطنين الذين يرمز اليهم ما يلقاه العلم العراقي ومناسبة جنازة الرئيس " العراقي " السابق جلال طالباني تذكر بالحيف الذي يلحق بهذا العلم . 
ومثلما يحتقر الأكراد علم العراق ويدوسونه بأقدامهم بينما يرفعون مبتهجين العلم " الإسرائيلي " بل لا يكاد يخلو إحتفال للأكراد من حضور هذا الأخير . فالأمر لا يقتصر على الأكراد وحدهم بل ويشاركهم في هذا الأمر عراقيون كثيرون وهم كأولئك لا يؤمنون أيضا بعراق ولا يعتبرونه وطنا ويتمنون أن ينتهي يوما لتبدأ جمهوريات أو ممالك التمزيق والتفتيت . والا ما هو الفرق بين علم الأكراد وبين علم المكسيك بقطرة النفط التي تتوسطه كما رفعه دعاة دولة البصرة والنفط لا يمثل حضارة أو تاريخ ولا تقدم أيضا فهو ثروة ناضبة يوما ومع ذلك فقد لقيت قطرة النفط إعتزازا وشعورا بالانتماء أكثر من حضارة السبعة آلاف عام .
تبرز حجج كثيرة لتبرير هذا اللا إنتماء الى وطن وكأن العراقي غجري وضعته المصادفة التاريخية في هذه البقعة الجغرافية . والعلم في كل دول العالم رمز لمواطني بلد وهو لا يتشكل بالأهواء والرغبات ولا هو حاصل مجموع الأذواق الفنية المختلفة . ورغم كل ما يقال عن رمزية العلم العراقي فهو محصلة التوافقات الوطنية التي عبر عنها قانون صادر من مجلس النواب الذي قام على أساس الدستور الذي أقرته أغلبية شعبية وانتخبت على أساسه مجلس تشريعي أقر هذا القانون وأبرمه وصار هذا العلم الذي نراه وهو العلم الذي ترفعه سواعد المدافعين البواسل عن أرض العراق وشعبه ووحدته وتقدم الدماء الغزيرة بينما يتجادل أهل بيزنطة حول العلم من خلفهم في مسلك ترف زائد وغير مسؤول . 
* لو أعلن العراق اليوم أن علم الأكراد هو العلم الوطني للعراق فهل ستتغير نظرة دعاة الانفصال الى راية العراق الوطنية أم سيبدلون علمهم في اليوم التالي حتى لا يجدون شيئا يجمعهم بالعراق . 
* علم العراق الحالي والأصل الذي تحور منه ليس راية البعث كما يدعي كثيرون إما جهلا بالحقائق أو تعمية عليها من أجل تسويق الفكرة وغرس الكراهية بحجة أن نجماته الثلاثة تمثل أهداف البعث في الوحدة والحرية والاشتراكية والأمر غير صحيح فراية البعث الرسمية وبجناحيه العباسي والأموي هي علم فلسطين الحالي ولا علاقة للعلم العراقي السابق بعلم البعث اللهم الا الألوان وتوزيعاتها وهي مشتقة كلها من أبيات صفي الدين الحلي المشهورة ومنها انبثقث أعلام العراق الملكي وسوريا الملكي وسوريا في فترة الانتداب " وهو علم المعارضة السورية اليوم " وسوريا ومصر في زمن الوحدة والأردني والفلسطيني والكويتي والإماراتي والعماني واليمني الجنوبي واليمني الشمالي واليمني الموحد والسوداني والمصري والليبي الملكي والجمهوري والعلم العراقي السابق هو علم ميثاق 17 نيسان للوحدة بين العراق ومصر وسوريا وكل نجمة تشير الى دولة على أن تضاف الى العلم نجمة أخرى مع كل دولة تنضم الى دولة الوحدة وإن وضع عليه صدام عبارة الله أكبر في سياق مزايداته الدينية التي أطلقها هروبا من المأزق الذي وضع فيه نفسه والعراق والمنطقة كلها فالعبارة ليست ملكا لصدام والا لبطل الحج لأن آل سعود يسيطرون على الحرمين . وعلى أية حال فليس العلم العراقي الحالي أيضا علم صدام كما يحلو لبعضنا أن يسمي العلم العراقي السابق بل هذا العلم من إنتاج المؤسسات التي مشيتم الى صناديق الاقتراع لإنتخابها وتسليمها مصيركم ومستقبلكم . 
* من ينتقصون من العلم العراقي يقولون بأنه مجرد خرقة وأن لا قيمة للعلم حتى في البلدان التي قطعت أشواطا بعيدة في القوة والمنعة وتشييد البناء القانوني وتحقيق التعاقدات الاجتماعية المتطورة حيث يطبع العلم على الأحذية والألبسة . فإن كان مجرد خرقة لماذا يستفزكم المشهد السياسي بالمشي الاستعراضي على علمي أميركا والكيان الصهيوني وتقيمون الدنيا ولا تقعدونها ثم إن الحديث عن العراق وليس عن بلد آخر لأن الثقافات مختلفة فالعراقي لا يرضى مثلا أن يضع جليسه رجلا فوق رجل ويواجه بحذائه وجهه بينما الأمر عادي جدا في الغرب ولا يمثل أي معنى للإهانة وشركات الأحذية الغالية تسمي كل نموذج تنتجه باسم شخصية تاريخية أو مدينة مهمة والمحظوط بين تلك الشخصيات من يجد اسمه مطبوعا على حذاء والكلام عن العراق وليس عن أي بلد آخر ولن يسعف خلط الأوراق والأمور بمثل هذه المحاولات والعلم رمز لبلد ولأهله وليس مجرد خرقة عادية .
* لا أدري بمناسبة جنازة الطالباني أين اختفى اللطامون البكاؤون على العلم العراقي الذي لم يظهر لأسباب بروتوكولية واضحة في لقاءات لمسؤولين عراقيين مع آخرين إيرانيين خاصة لأن وقائع مشابهة كثيرة جرت في دول أخرى كانوا يضمون في رؤوسهم كما يجري اليوم . 
* أذكر بأن المعارضة العراقية بجميع أطرافها ومنذ عام 80 وحتى الاحتلال لم ترفع العلم العراقي في أي مناسبة أو احتفال أو مسيرة وفي أي بلد مع أن بعضها كان لا يتورع عن رفع العلم الإيراني راية له وخاصة في فترة الحرب العراقية الإيرانية وقبل أن تركل إيران الكثير ممن كانوا يعيشون في أرضها ويقاتلون دفاعا عنها .وكل ذلك قبل أن تظهر الحجة التي قرنت العلم العراقي بصدام . 
ومثل الأكراد أيضا عراقيون كثيرون لو نزلت آية بعلم لهم لما رضوا به الا أن يرسم كل فرد منهم علما لنفسه فقد جبلنا على الانقسام والتشرذم والأنانية والتعصب والتمسك بالهويات الفرعية بديلا عن الأخرى الجامعة وعندنا الانتماءات الحزبية والمناطقية والطائفية وغيرها وقد تعزز هذا الشعور من خلال الممارسات السياسية والقانونية التي غزت العراق مع الغزاة فعززت الانقسامات الى حد التنازع بين المحافظات العراقية على قطعة أرض وحدود مدينة كما حصل بين جمهوريتي المثني وذي قار وسبقه الخلاف بين دولتي الأنبار وكربلاء مع الاستغلال السياسي والمزايدات الرخيصة لتأجيج الصراع والخلاف والانفسام . 
لا أظن بلدا في العالم يكرهه أبناؤه كما هو حال العراق والأمر لا يقتصر على علم أو شعار فكما نعلم حتى اسم البلاد هناك من يحتقره ويتحجج لألغائه أو طمره وابداله بأسماء خرافية اسطورية منقرضة مع أن العراق هو البلد الوحيد الذي يمتلك هذا الاسم الضارب في عمق التاريخ من كل البلدان المحيطة به من جهاته الأربعة وفي المنطقة كلها والى مسافات بعيدة لا يدانيه في هذه الميزة سوى مصر واليمن . 
من يلوم الأكراد على هذه المشاعر الجاحدة التي يقابلون بها بلدهم ويمدون اليد الى كيان مصطنع في المنطقة كما هو كيانهم المنتظر ينبغي أن يلتفت الى سائر الأجزاء ليرى كم من الكراهية يحمل الآخرون لوطنهم أيضا وكم من الظلم يلحق الأبناء العاقون بأبيهم العراق .
وكثيرا ما اشتكى العراقيون وتباكوا : لماذا لا يحترمنا العالم إذا كنت لا تحترمون بلدكم وتنفرون من اسمه ولا تقدرون علمه ولا تعترفون بمن يشارككم فيه فكيف يحترمكم العالم .