حرية تبحث عن أحرار

رعد أطياف

يبدو الناس حريصين جداً لنيل الحرية، وهم بذلك يسعون إلى تحرير إرادتهم من ثقل الوصايات التي تحيلهم إلى كائنات أداتيّة، والأداة لها غاية محددة (من وإلى)، ومعلوم أن الأداة لها وظيفة محددة ولا يمكنها تعدي هذه الوظيفة قطعاً، فيتحول العقل البشري كما لو أنه قطار يمشي على سكة. بناءً على هذا يغدو التوق للحرية واجباً مقدساً لتحرير العقل من قيود العبودية، وكل حالات الاستلاب تحت مسميات أيدلوجية . لكن الواقع يترجم لنا عكس هذا تماماً؛ ذلك إن أغلب الناس يدفعها السعي المحموم للثرثرة اليومية، وتنشيط الغرائز، كما لو أنهم يعوضون حرية الإرادة بحرية الغريزة، وحرية التفكير بحرية الكلام فقط. من هذه الناحية تغدو الحرية قالباً مثالياً، أو نزعة تبريرية نعوّض بها ما نعجزعن التفكير فيه. وبتعبير أدق، نعوض بها الفعل الإبداعي الخلاق برغبات تسهم في معاناتنا الفردية تحت يافطة الحرية . ليس ثمة إيحاء بالحجر على أفعال الآخرين، فهذه الأخيرة موكولة لفلسفة القانون، كل ما في الأمر نحاول فهم تجربتنا العراقية، وما تلاها بعد الاحتلال من أشواق محمومة نحو الحرية، حتى أن البعض يرفع الحرية بمستوى يتعدى الخبز اليومي! بذريعة طوباوية، باعتبار أن الحرية مقدمة على كل شيء، ولا أحد يزايد بالتأكيد على قدسية الحرية، لكنّ الجائعين لا يفهمون الحرية، إلا إذا كانت مقرونة بنظام اقتصادي متين، والشعب المنهوب من شماله إلى جنوبه لايمكنه التذرّع بالحرية طالما يتشدق بالشكليات ويتناسى المضامين، خصوصاً إن كان له العلم بكل ما يجري علناً . يظهر أن الثرثرة بمفهوم الحرية يأخذ قسطا كبيرا من الأسطرة والخرافة!. حينما نجد الشعب يتغنى بالحرية وسط معاناة مهولة، وخسائر جسيمة كانت نتائجها تواطؤ شعبنا " الحر" على تمزيق البلد، يتضح لنا نمط هجين من الحرية يمكن أن نسميه حرية الصبيان، فهؤلاء لا يحسنون اللعب بالآلات الحادّة!. نحن الذين يمزقنا التوق للحرية وسحرها الذي لايقاوم، بحيث يمكننا الخروج ثائرين متذمرين فيما لو تعرضت أماكن لهونا ورقصنا للتهديد، ولايهمنا بيع البلد بالتقسيط المريح لأنه ليس من أولوياتنا، ما يهمنا - مثلاً- الحرص الشديد على عدم تجويع الشعب الكردي، حتى لو تناسينا أمد الحصار الأمريكي المُنحَط ونتائجه الكارثية، ما يهم أن ندافع عن حريتنا التي نجدها هناك في فنادق كردستان العامرة بما لذ وطاب، ومن ثم على العراق السلام، فهذا البلد طبقاً لهؤلاء" الأحرار" يندرج في قاموسهم الرجيم.أي عاقل يقبل بتجويع الشعوب سوى من طّبل للأمريكان؟، فعند هذه اللحظة يتغنّى هؤلاء بمقولة" عفى الله عما سلف".في هذه اللحظة تتفجر إنسانياتنا ودفاعنا عن الحريات، وفي الجانب الآخر تصمت هذه الإنسانية والحرية كصمت القبور. وبالطبع مازال هناك شعب لايحاسب ولا يحاكم، لا بل يتواطأ علناً مع هذه الشلّة التي تسرق منّا حقوقنا وتعطينا الحرية! . لازال العيش الكريم، وبناء دولة المواطنة، والعدالة الاجتماعية، أجنبياً عن قاموس حريتنا. فالحرية في ضمائرنا، خمر ونساء وكلام، وماعداه يندرج في خانة الزهد والتقشّف.