المتاهة الأميركية من المالكي إلى العبادي/ ج2:

علاء اللامي

إن فرصة الخروج من نظام المتاهة الأميركية سبق وأن أتيحت واسعة لنوري المالكي في فترة وزارته الأولى، بعد أن استعاد زمام المبادرة، وكبح ظاهرة الاقتتال الطائفي الذي بلغ ذروته في سنوات الجثث والقتل على الهوية بدءا من سنة 2006، ثم شنَّ حملته المعروفة بـ"صولة الفرسان" لاحقا ضد تفاقم الانفلات الأمني والسيطرة الكلية أو الجزئية على مناطق ومدن كبرى كالبصرة من قبل التيار الصدري والتنظيمات المهدوية كجند السماء في الفرات الأوسط والجنوب، وحينها ارتفعت شعبية المالكي إلى أقصى مدى لها بين عموم العراقيين بل وحتى بين جمهور المنطقة الغربية والشمالية كنينوى، و قد سمعنا إطراء وتفضيلا له حتى من أشد خصومه السياسيين خارج النظام من البعثيين والطائفيين على سائر زملائه، ولكنه أثار حفيظة التحالف الكردستاني الذي كان يراقب المالكي في داخل مكتبه ومنزله الشخصي في المنطقة الخضراء، مثلما أثار حفيظة و عداء سلطات الاحتلال الأميركية فعاقبته بقطع السلاح ومنع التعاون معه من قبل حلفائها الساسة الكرد والعرب السنة، مثلما أثار حفيظة إيران الحريصة على استمرار بقاء الأحزاب الإسلامية الشيعية في حكم العراق، لكن المالكي بدأ هو نفسه يشعر بالاهتزاز السياسي و بأنه يخسر الكثير من كتلته الناخبة التقليدية ذات الولاءات الفرعية الطائفية الشيعية، ولأن عينه وفكره كانا على أصوات الطائفة وليس على صوت الشعب فقد عاد أدراجه سريعا إلى خندقه الطائفي وحاول إحداث توازن ساذج عبر ضرب منافسيه من زاعمي التمثيل العربي السني، ثم حاول التحرش بحلفائه الكرد بعد أن ساومهم طويلا وقدم لهم الكثير من الرشى السياسية بشكل مستهجن ، ففقد الاتزان السياسي و أصبح يتصرف وفق ردود الأفعال العصبية التي أوصلته أخيرا الى العزلة والتطويق التام من قبل خصومه في مؤتمر أربيل، ولولا تدخل إيران وإيعازها للصدر بحجب أصواته عن المتحالفين الساعين لسحب الثقة منه آنذاك لتم إسقاطه بسهولة! 
لقد عرف المالكي بجرأته على الصعيد التكتيكي والشخصي ولكنه كان مترددا وتآمريا يروغ إلى الحلول السهلة وغير المبدئية على الصعيد الاستراتيجي وفي القضايا الكبرى، ولهذا انتهت تجربته إلى الفشل الذريع لأنه لم يتجرأ على الخروج من المتاهة الأميركية بل خضع لقوانينها حتى أسقطته أخيرا "القشة التي قصمت ظهر البعير" والتي جاءت تحديدا من المرجعية السيستانية تحت يافطة " المجرب لا يجرب"! 
لقد ظل حكام العراق بعد الاحتلال الأميركي يحلمون ويطمحون إلى أن يكونوا كحام العراق بعد الثورة الجمهورية في 14 تموز1958، وان يحكموا العراق كما حكمه مؤسس الجمهورية قاسم ثم الأخوان عارف والبكر وحتى عدوهم الدموي صدام حسين ولكنهم فشلوا في ذلك لأنهم يريدون أن يحكموا العراق باسم الطائفة وبقوة حزب الطائفة المتحالف مع الاحتلال الأجنبي وليس باسم الشعب العراقي الواحد حتى لو كانوا يعانون من نزوع طائفي من النوع التقليدي على الصعيد الشخصي في بعض الحالات، لأن الدولة العراقية كانت قائمة أصلا على أساس المواطنة عموما وليس على أساس المكونات الطائفية والعرقية.
ما يتوفر للعبادي اليوم من نقاط قوة يفوق ما توفر للمالكي بكثير، ولكن العبادي أكثر إلتصاقا من المالكي بقوى عديدة، ليس من مصلحتها إنهاء لعبة المتاهة، وهو في الوقت نفسه أكثر انكشافا وهشاشة لخصومه لأسباب عديدة ومتناقضة. وهو في الوقت نفسه يتمتع بصفات مواتية لا يتمتع بها سلفه المالكي منها حجم الإنجازات والنجاحات العسكرية التي تحققت في عهدته الرئاسية، إضافة إلى مرونته وهدوئه في التعامل القيادي، وبعده النسبي عن المناخات الحزبية الطائفية رغم كونه من العجينة الطائفية الحليفة للاحتلال ذاتها. مع ملاحظة أن الصفتين الأخيرتين (الهدوء والمرونة) قد لا تكونان نافعتين له انتخابيا في جو سياسي واستقطاب طائفي محتدمين، ومع مزاج عراقي حاد تجذبه اللغة النارية والسلوكيات العاصفة وليس الهدوء والرصانة اللتان تستهويان غالبا النخبة التي لا وزن لها انتخابيا! 
ولكنَّ المشكلة الكبيرة -عذرا للتكرار -التي يعاني منها العبادي هي أنه جزء أصيل وعضوي ومؤسس من النظام الرجعي القائم وهو لا يتمتع بأي استقلال أو طموح للاستقلال عن القوى التي تهيمن على العراق وتحرك البيادق على رقعة الحكم. غير أنه إذا تجرأ وبدأ المواجهة فسيربح نقاط قوة قد لا يحلم بها حاكم عراقي آخر وقد ينجح فعلا في كسر المتاهة! فهل سيجرؤ؟ دروس تجربته "الإصلاحية" الكاريكتيرية لا تبشر بالخير! ولكي لا يكون كلامنا نظريا بحتا لنتساءل: هل هناك خطوات عملية أو شعارات برنامجية استراتيجية قابلة للتنفيذ يمكن للعبادي أو أي شخص في موقعه أن يقوم بها أو يجعلها برنامجا عمليا له ليتقدم في محاولته للخروج من هذه المتاهة؟ هذا السؤال لا يخلو من الرغبوية والإسقاط الذاتي ولكنه ملهم ومغرٍ جدا بالإجابة وسنحاول مقاربته في مناسبة أخرى. يتبع