في الذكرى الخمسين لرحيل القائد الثوري الأممي جيفارا "1"

نصير المهدي 

هذا المنشور أكتبه بنية القضاء بعد أن فاتني وقت وجوب الأداء بسبب تداعيات فتنة البارزاني مع أننا في أولها بعد وأعني الذكرى الخمسين لرحيل القائد الثوري الأممي أرنستو تشي جيفارا وقد تذكرت بينما أعد العدة للوفاء بديني أن أمرا آخر فاتني في العام الماضي وهو خمسينية مجزرة هندرين التي نفذتها عصابات البارزاني الأب بحق مقاتلي الجيش العراقي في الثاني عشر من مايس 66 مع أن البارزاني الابن قد أحيا الذكرى ووجه خطابا بالمناسبة وتلك المجزرة لا تختلف في القسوة والوحشية عن " مجزرة سبايكر " وقد فاقتها عددا . 
وقد يبدو للوهلة الأولى أن لا علاقة بين المناسبتين الخمسينيتين مع أن حبالا متينة تربط بين هذه الذكرى وتلك سأحاول أن أبينها في سياق هذا المنشور وخاصة فيما يتعلق بخيار الكفاح المسلح وما ينطوي عليه من آثار متناقضة بحسب الظروف التاريخية والموضوعية لكل بلد خاصة وأن إستنساخ التجارب كان ديدن المثقفين والمناضلين والمهتمين خاصة وأن هذه المنطقة كانت تستورد البضائع الفكرية المختلفة التي تجد لها سوقا مزدهرة حتى لو كانت البضاعة قد أنتجت في ظروف ملائمة لبلد آخر وحتى لو كانت ظروف البلد الذي يستهلك البضاعة لا تسمح بالاستفادة منها على الأقل بدون تعديل وتكييف . 
وقبل الخوض في الاستنتاجات النهائية لا بد من تقديم بعض التفاصيل ذات العلاقة فأولا مجزرة هندرين التي وقعت قبل خمسين عاما استغلت حالة الاسترخاء في الجيش التي تلت جهودا للثنائي الرئيس عبد الرحمن محمد عارف ورئيس حكومته عبد الرحمن البزاز رحمة الله عليهما لحل المشكلة الكردية توجت بذهاب رئيس الجمهورية بنفسه الى مقر البارزاني والتفاوض معه وأثناء تحرك وحدة عسكرية في إطار تبديل القطعات ولم تكن في وضع الهجوم كما زعم مسعود البارزاني في خطابه العام الماضي والمعني المباشر القيادي في الحزب الشيوعي العراقي بهاء الدين نوري في مذكراته وقعت في كمين ساهم في إعداده ضباط صهاينة وإيرانيون وتم زج مقاتلين أكراد أنهوا للتو دورات تدريبية عالية في الكيان الصهيوني لتجربة مهاراتهم وقد كان الكمين محكما حيث تم فيه تدمير لواء في الفرقة الرابعة تدمير كاملا " زعم مسعود البارزاني في خطاب ما سماه الاحتفال باليوبيل الذهبي لمعركة هندرين بأنه تم تدمير ثلاثة ألوية " وبعد السيطرة على اللواء قامت عصابات البيشمركة التابعة لحزب البارزاني بنهب معدات اللواء بينما تولى الضباط الشيوعيون اللاجئون في حينها الى كنف البارزاني وعلى رأسهم سعيد مطر وبإشراف مباشر من ستار خضير عضو اللجنة المركزية الذي اغتيل لاحقا من قبل " الرفاق " البعثيين قبيل إعلان الجبهة الوطنية إرتكاب مجزرة كبرى بإعدام جميع الضباط والجنود الذين وقعوا في الأسر وتلك كانت " سبايكر " المنسية أو المجزرة التي تظهر إزدواجية المقاييس في العقل السياسي بل وحتى الشعبي العراقي .
يقول مسعود البارزاني بأن المعركة تلك هي التي أجبرت بغداد على اللجوء الى الهدنة مع أن توجهات الرئيس الجديد يومها كانت تصالحية عموما بينما كان رئيس حكومته خبير القانون الدستوري يسعى الى إرساء حياة ديمقراطية دستورية في البلاد . 
ومع أن مذكرات ضباط المخابرات الصهاينة كشلومو نكديمون " متوفرة على الانترنت " تشير الى الدور المباشر والحاسم للموساد الصهيوني في تلك الأحداث وخاصة جريمة هندرين فإن مسعود البارزاني لا ينسى أن يطري دور ما يسميه بيشمركة الحزب الشيوعي العراقي في تلك الواقعة . 
والتقديرات تشير الى أن ألفي أسير قتلوا بدم بارد بيد الدواعش يومذاك " هل سيحدث الإختلاف في التسميات أي فرق جوهري في طبيعة الجريمة " . 
وتحرك البارزاني يومذاك كان بتحريض إيراني أيضا لتحقيق هدف محدد وهو تقاسم شط العرب مع العراق وذلك الهدف لم يتحقق في تلك الفترة بل وفي زيارة مشهودة الى إيران للرئيس عبد الرحمن محمد عارف أكثر الرؤوساء العراقيين تحركا في المنطقة والعالم حيث أحيط بحفاوة كبيرة ومتميزة ولكنه أحبط آمال شاه إيران حيث أكد في خطابه أثناء حفل العشاء الرسمي بأن شط العرب عراقي وسيبقى عراقيا وبقية القصة معلومة حيث عاد البارزاني في مناسبة أخرى الى التمرد وإنتهى تمرد بكبسة زر عندما وقعت إتفاقية الجزائر بين العراق وإيران تنازل بموجبها صدام بنصف شط العرب الى إيران وتلك الخيانة الوطنية التي فرطت بمصالح العراق من أجل استقرار الحاكم كلفت العراق ثمنا باهظا لا يزال يدفعه الى اليوم . 
تتداعى في الحال أسئلة عديدة وهي الى أي حد ومدى كانت تمردات الأكراد تعبر عن حركة شعب يسعى نحو حقوقه وقد بدأ أول تمرد للأكراد في العهد الجمهوري في عهد عبد الكريم قاسم الذي منح الأكراد ما لم يكن يخطر في بالهم وأصبحوا يتمتعون بإمتيازين كونهم أكرادا ثم كعراقيين كبقية أبناء الشعب والتمرد ذاك كان مفاجئا بدون مقدمات فلم يسع البارزاني الأب الى تقديم مطالب أو السعي الى تحقيق مكاسب وكل ما في الأمر أنه بعد عودته من المنفى أكمل الاستعدادات اللازمة للتمرد وأعلنه في الوقت الذي اختارته له دوائر أجنبية لتحقيق مصالحها في العراق وكذلك كانت كل فورات التمرد البارزاني لاحقا مرتبطة بجدول أعمال أجنبي . 
ثم الى أي مدى تمتلك قوة سياسية حين تختلف مع نظام حكم قائم أن تعطي لنفسها الحق في القتل باسم الثورة أو الكفاح المسلح أو فرض رؤيتها على الدولة والمجتمع عندما تقرر ذلك وكأن الفتوى التي تجترحها لنفسها كافية لتبرير أعمال صار المتعارف عليها اليوم أنها إرهابية . 
ثم بعد ذلك وعندما يتحدث الأكراد عن ضحاياهم كشهداء أبطال ويريد الشيوعيون مثلا تمتع عوائل ضحاياهم بعد إنقلاب شباط بحقوق الشهداء ويتباهون بتلك المعركة الغادرة ويتعاملون مع ضحاياها الأبرياء بلا مبالاة فمن ينصف الضحايا المنسيين من الضباط والجنود الذين قضوا برصاص التمرد الكردي الإجرامي . 
وإن كان العمل المسلح وسيلة لتحقيق غايات سياسية كما يشير البارزاني الابن في خطابه بمناسبة ذكرى تلك الجريمة التي يعدها كما الشيوعيون مأثرة من مآثر عصابات البيشمركة الا يحق للسلطة في المقابل أن تمارس القوة التي تحبط فيها نوايا وخطط ذلك العمل المسلح خاصة وأن اليد الأجنبية لم تكن تعمل في الخفاء . 
ما علاقة هذا السرد بذكرى رحيل الثائر العالمي جيفارا أحاول وضع الأمور في نصابها في الحلقة القادمة .