الحداثة وسياجها الأنغلاقي: قراءة في نقد محمد آركون للأصولية الحداثية

الشيخ عبد الهادي الدراجي

منذ الوهلة الأولى قد يتبين للمتلقي أن هذا العنوان هو نقد إسلامي للحداثة وانغلاقها وأنها عامل أساسي ورئيسي من عوامل الانغلاق الفكري الدوغمائي، ولكن أن يأتي النقد للحداثة وانغلاقها من داخل أسوار الحداثة وحصونها، فهذا شيء ملفت باعتبار أننا تعودنا أن نقرأ دائماً نقد الحداثة من خارج تلك الأسوار، وخصوصاً اذا كان هذا النقد الخارجي نقدا اسلاميا فتراه يُجابه بردات فعل قوية من قبل الحداثويين أنفسهم، وحديثنا هنا مختلف تماما فالنقد الموضوعي هذه المرة يأتي من مفكرين ضالعين في تشخيص الحداثة وما أحدثته من إيجابيات هائلة على مستوى الشعوب والسياسات كما هو المدعى، ولكن الى جانب تلك الرؤى الايجابية في كون الحداثة عامل انفتاح ووئام وأنها حلم الشعوب الى جانب ذلك فان نقد الحداثة يُشكل ركنا اساسيا من أركان الاضطراب الكبير الذي يحصل في العالم والتي بسببها تغيرت كثير من المسارات السياسية والعقدية والدينية والأجتماعية، فالى جانب اولئك المفكرين المبشرين والمدافعين عن الحداثة وحقوقها وانها طريق الخلاص المنشود للشعوب وللعالم يأتي السياق الفكري الآخر الذي يلقي باللائمة على منظري تلك الحداثة بأنهم السبب الرئيسي في تأصيل دوغمائية الفكر والانحياز والتطرف لجهة الحداثة دونما دراسة واعية لاحترام بقية الأطراف في متبنياتها الفكرية والدينية والعقدية وغيرها.

ان هذا التطرف الحداثوي أدى بالنتيجة الى انحسار الفكر وغياب الوعي لديهم في الأنفتاح على الآخر ومعرفة ماهي القواسم المشتركة التي تدعوهم وتدعونا للحوار على طاولة النقاش الفكري والمعرفي وهذا الى حد ما يشبه في عالمنا الاسلامي الأصولية المتزمتة التي يتبناها الفكر الجهادي السلفي وهي مقارنة حقة أذا ما أخذنا رأياً فكرياً رصينا كان قد أشتغل على هذالموضوع زهاء الأربعين عاماً من التحقيق والحفر الأبستمولوجي الدقيق في متبنيات الفكر الأسلامي والحداثوي حيث يقول المفكر الجزائري محمد آركون في كتابه "نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية" في مقارنة بين التزمت الأصولي في الدائرة الأسلامية وكذلك بنفسه في دائرة الغرب وحداثته يقول: إنه "الشر الناتج من نظام الغرب المهيمن ذاته ومعلوم أن هذا السياج أصبح العدود اللدود لسياح إنغلاقي آخر ولكن ديني هذه المرة...... ثم يقول: فالأصوليون يعتبرون أن هناك ديناً واحداً صحيحاً في العالم وأن جميع الأديان الأخرى باطلة ومزورة أو منحرفة... ثم يضيف: وقد اصبحنا بالتالي في مواجهة ثنائية مرعبة مابين سياجين فكريين أنغلاقيين ومتعصبين ومتضادين، فمن جهة هناك جنود القاعدة وجحافل المتزمتين ومن جهة أخرى جنود بوش والتحالف الغربي المقدس حول أدارته وسياسته". كتاب (نحو تاريخ مقارن للأديان، محمد اركون ص210).

وهذا النص يعطيك دلالة مباشرة على مدى التزمت والإنغلاق الكبير في طرف الحداثة الغربي ووجه الشبه الكبير بينها وبين الاصولية المتزمتة في عالمنا الأسلامي وهذا الكلام لا نقوله نحن هنا وإنما القول كل القول لباحث واستاذ مساعد في جامعة السوربون، فمداليل الإنغلاق التي يصفها الغرب وحداثته حول دائرة الأسلام بنفسها تأتي هناك على الحداثة الغربية وما انتجته من تطرف فكري وحروب دموية جرت في منطقة الشرق الأوسط بحجة الإسلام المتطرف او الإسلاموفوبيا ومن هنا يرى اركون ان الإسلام أخُذ على حين غرة من طرفين متزمتين منغلقين هما الأصولية الوهابية وكذا الحداثة المستبطنة ديناً شعبياً بروتستانتيا يقول: "هكذا نلاحظ أن الأسلام أصبح مأخوذا كرهينة من قبل مجموعة من المهلوسين المتطرفين المرفوضين من قبل مجتمعاتهم الأصلية، في حين ان الديمقراطية الأمريكية الكبيرة مدعومة من قبل موجة التدين الشعبوي الأصولي البروتستانتي، وعلى هذا النحو أصبح الإسلام مُصادراً والديمقراطية الأمريكية مُصادرة أيضاً، كلاهما مأخوذ كرهينة من قبل جماعات إيدلوجية تُصادر كل مشروعية دينية من جهة الإسلام، وتُصادر المشروعية الديمقراطية الأكثر تقدماً من الجهة الأمريكية، ولا يوجد أي قانون ولا أية أخلاق سياسية عامة لتطبيق عقوبات ضد هذا العنف الشرعي الواقع على شعوب عديدة دفعة واحدة". (نحو تاريخ مقارن للأديان ص211).

إن هذا النقد للحداثة ومن داخل أسيجتها كفيلٌ بمراجعة الغرب لمتبنياته الفكرية والفلسفية السياسية والتي تشابه الى حد كبير السياج الدوغمائي الوهابي في نزعته الأصولية وليس هذا كلامي، إنما هو كلام آركون آنف الذكر، والذي يعتبر من أركان تلك الآراء الحداثوية والمدافع عنها بشكل لافت، لكن إنصافه الفكري وعقله النقدي المشاكس ساقه الى هذا التشبيه المهم جدا في تشويه صورة الإسلام وتلميع الحداثة المستبطنة فكرا دوغمائياً وانغلاقيا قد يكون أشد من التطرف الوهابي في داخل الدائرة الأسلامية إن لم يكن أكثر، ولعمري إنها ملاحظة جديرة بالاهتمام منه وتحتاج الى وقفات منا كأسلاميين طويلة لدراسة ونقد الفكر الحداثي كما يعمد هو لدراسة ونقد الأصولية الإسلامية، إن نقد الحداثة بهذا المضمون كفيلٌ بانتاج فكر وسطي آخر من غير الفكر الحداثي ينتج حوارا مشتركا فيما بين الأديان المختلفة والدول المتناحرة، فداعش المتطرف كمثال في دائرتنا الإسلامية ومتطرفو الحداثة في دائرة الغرب قد شكلا ولا زالا يُشكلان عامل خطر على الحوار العالمي بين الغرب والإسلام، ولا بد من بديل فكري آخر يؤمن بالحوار على أساس المشترك الإنساني لا المؤدلج "اما اخٌ لك في الدين او نظير لك في الخلق" تلك القاعدة التي ارسى جذورها الأمام علي عليه السلام، ولا يمكن بحال أن نقبل بحداثة متطرفة ولا بسلفي أصولي متزمت لأنهما داخلان في المشكلة الإنسانية لا في حلها.

ان نقد الحداثة بهذا المفهوم لهو كفيلٌ بصناعة عقلٍ استطلاعي منبثق يضمن للآخر حق الحياة والعيش بسلام ووئام بعيدا عن التشدد والتزمت الذي يقضي على الروح الأنسانية التي وهبها الباري عز وجل لعباده، ان تلكم الحداثة المستبطنة لهي شرٌ داهم ساهم بانغلاق العقول وأدخلها في غياهب سجون الأنغلاق وهذا ما يعبر عنه آركون نفسه في نقده لتلكم الحداثة المنغلقة حيث يقول "هذا هو بالضبط السياق الأنغلاقي الحديث للروح البشرية، اقصد السور أو السجن الذي يغلق الروح البشرية أي الفكر البشري داخل جدرانه، ينبغي العلم أن الحداثة تحولت الى سياج مغلق بمرور الزمن تماماً كالدين (على حد تعبيره) وسياجها يقف في مواجهة السياج الديني السلفي الإنغلاقي الذي يسجن أيضاً الروح البشرية داخل جدرانه ونحن نشهد اليوم المناطحة الكبرى على مستوى العالم بين هذين السياجين الكبيرين نحن أسرى لديهما كليهما ، فمن سيفكك هذين السياجين الأنغلاقييين؟ هذا هو السؤال الكبير؟" (كتاب نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية ص211). 

وعلى هذا الأساس ما يهمني هنا هو ان الحداثة ليست هي الحل الأمثل لمشكلة الفكر البشري الطامح الى الأستقرار والهدوء والعيش بسلام ووئام بل انها أي الحداثة جزء من مشكلة عانت منها الأنسانية ولازالت تعاني ما دام انها تستبطن في داخلها عقلا دوغمائياً انغلاقيا فما يرد من أتهام هنا في الدائرة الأسلامية يرد هناك بنفسه في الدائرة الغربية( وحكم الأمثال فيما يجوز ولا يجوز واحد) كما قالوا في الفلسفة بل هو على نحو أشد وأقوى في الغرب  بأعتبار أنهم دعاة الحرية والديمقراطية وحقوق الأنسان ، عليه لابدية طريق آخر غير الحداثة في دائرة الغرب هو من يدعوا الى العقلنة والحوار لانها متهمة بالتطرف حالها حال الآخر المتهم ، وتلك هي أراء من كتبوا ونظروا لها.

العالم الجديد