في الذكرى الخمسين لرحيل القائد الثوري الأممي جيفارا "2"

نصير المهدي
عند الحديث عن شخص طبقت شهرته الآفاق وصار رمزا للثورة والتمرد وبعد خمسين عاما من رحيله لا يمكن للكاتب أن يقدم جديدا الا أن يكون على صلة بهذه الشخصية التاريخية الحاضرة رغم غيابها أو يطلع على أسرار جديدة تخص حياته ومقتله والا فكل شيء عن شخصه ودوره بات معروفا حتى في حياته الخاصة وهواياته وطبائعه . 
وتظل نهايته المأساوية لا انتصاراته المستحيلة هي التي صنعت مجده وجعلته مخلدا وخلفت أثره في أجيال تمتد على القارات السبع ومدى الحقد الأسود في سلوك جلاديه يذكر دائما بالعظماء من طرازه حين يصير القاتل الجبان في الغالب شجاعا مستأسدا على أسير مرتهن مصاب تنزف جروحه أو تقيد أطرافه فلا يجد سوى كلمة إحتقار يطلقها بوجه القاتل وهو بين أيديهم يخيفهم كما كان حرا يقاتلهم وتبلغ ذروة الانتقام حين يقطع كفا الرجل بحجة مطابقة بصماته مع سجلاته في بلده الأم : الأرجنتين . 
وتشي جيفارا اليوم في بلادنا بين من يرفعون صورته ويستدعون ذكراه وهم في أدنى الأوضاع في أحضان الامبريالية التي قاتلها في أماكن عديدة ولم تبق من يساريتهم سوى إدعاءات باهتة وجمل فارغة من كل مضمون وعدمية مطلقة في كل شيء من الوطنية وحتى الخلق القويم يشبه من يدعون اتباعا للحسين عليه السلام حين يحيون ذكره ويخالفون أمره بل ويقفون عملا وسلوكا في صف قتلته . 
المهم في ذكرى جيفارا هو مراجعة عدد من المقولات التي ارتقت الى منزلة المسلمات ولكن التجربة لم تسعفها وسجلت حركة التاريخ تحفظها عليها فبقيت تراوح مكانها أو تراجعت الى الخلف ولكن بثمن باهظ جدا والعراق نفسه كان حقلا لمثل هذه التجارب التي إنتهت بالبلاد الى حالة من الضياع ندفع ثمنها الآن والى زمن قادم . 
ونقد هذه المقولات لا يعني الانتقاص من سلامة نوايا مطلقيها أو من حاول أن يضعها موضع التطبيق وكاتب هذه السطور ممن كانوا يؤمنون بيقين مطلق بمثل تلك المقولات التي أهدرت حياتي غير نادم فيها ولهذا لا ينبغي لمن يقرأ ما أكتب هنا أن يقفز الى استنتاجات خاطئة فيجدني أحاول النيل من أشخاص ضحوا بحياتهم من أجل تلك القناعات أو من جهات سياسية أو تجارب ومحطات في تاريخ العراق لو لم تقع ربما كان المصير سيكون أفضل مما نحن فيه الآن وبالطبع بجانب عوامل ومؤثرات عديدة حتى لا يلقى اللوم على عاتق طرف دون آخر . 
جيفارا نفسه وقبل غيره وبعد تجربة الانتصار العظيمة التي ساهم في تحقيقها في كوبا حاول وبشخصه والجود بالنفس أقصى غاية الجود أن ينقل تجربتها الى أفريقيا وفي الكونغو تحديد التي كانت تشهد يومذاك نضالا ثوريا في مواجهة الاستعمار متعدد الجنسيات والحكومة العميلة التي نصبها لمواجهة خيارات الاستقلال وقد قطع جيفارا منطلقا من مصر مئات الكيلو مترات بعضها سيرا على الأقدام للقاء القائد الميداني للثورة يومذاك لوران كابيلا الذي تحول لاحقا الى مجرد عميل فاسد لتحالف إستعماري بلجيكي - أميركي وهذا درس بليغ لمن يريد أن يسبغ العصمة على أي شخص بعد أن يتقافز من اليسار الى اليمين بناء على عصبية حزبية قبلية سائدة في بلادنا . 
ثم بعد ذلك جرب خياراته في بوليفيا كما هو معلوم والتي إنتهت بقتله أي أن جيفارا نفسه فشل في تحويل التجربة الرائدة والناجحة الى نموذج قابل للتحقيق والتطبيق في بلد آخر وظروف أخرى . 
مرة أخرى أعود الى التأكيد بأن هذه المقاربة التاريخية للتجربة وتمثلاتها في البلدان الأخرى لا تنال من الموقف العظيم لأصحاب المبادئ والقيم والمثل والقضايا وخاصة من يقدم حياته في سبيلها ولكن تلك التضحيات العظيمة لا تزكي العمل الذي تنخرط فيه على الأقل من ناحية الحكم بنجاعته أو فشله .
لقد كان الاعتقاد السائد بين اليساريين عموما وأحسب نفسي منهم بأن الكفاح المسلح هو عملية ميكانيكية ستقود بحتمية تاريخية صارمة الى إنجاز الانتصار الثوري الذي سيحقق ما يسعى اليه البشر من عدالة ومساواة وحرية وفي حياتي الفكرية والسياسية مثلا كنت منحازا الى تجربة القيادة المركزية في مواجهة تنظيم اللجنة المركزية فضلا بالطبع عن مواقف نظرية حاسمة كالموقف من قضية فلسطين أو الوحدة العربية وغيرها ولكن تجربة القيادة المركزية لم تنته الى النجاح بل سارت الى فشل محتوم وإنتهت الى فصل من التاريخ السياسي للعراق . 
وقد شهد الربع الأخير من عقد الستينات تجربة تاريخية للكفاح المسلح في العراق وأعني بها تجربة الثورة في الأهوار وهي تجربة إصطدم فيها الجانب النظري الحالم الذي يعيش بين دفات الكتب والآخر المتعلق بالواقع الصارم وإنتهت بمقتل قائد التجربة " خالد أحمد زكي " وتشتت الوضع كله بل ولست أبالغ اليوم بالقول إن هذه الأجيال المعاصرة لا تعرف عنه وعن تجربة ولا حتى جملة واحدة أي أنه فصل منسي من تاريخ العراق الحديث وبكلمة أخرى لم يترك أي أثر في الواقع السياسي والنضالي العراقي .
والكلام هنا عن الرأي في التجربة لا النزاهة الشخصية أو الطهر الثوري وهما مع كل الخصال الحميدة الأخرى لا تضع الشخص أو الجهة السياسية أو الفكرة فوق النقد فتمنحها صفة العصمة وحتى يقترب الأمر من ذهن القارئ فمحاولة الشهيد السيد محمد باقر الصدر نسخ تجربة الثورة الإيرانية في العراق حين تصورها مجرد فتوى وشريط كاسيت دون ملاحظة الفروق الهائلة بين الوضعين في العراق وإيران دلت على قصور في فهم واقع التجربتين وكانت النتيجة أن دفع المعني الثمن من حياته فضلا عن آلاف العراقيين إضافة الى العراق نفسه .

للكلام صلة ..