هكذا تكلم الجعفري

رعد أطياف

معلوم أن نظام المحاصصة سيء الصيت يقذف لنا بكل نطيحة ومتردية، لكن حتى صدام كان يستثني بعض المناصب الحساسة، لأنه كان يعلم بغريزته الإجرامية أنه سيدفع الصاع صاعين فيما لو كان هناك شخص غير مناسب ومصاب بالهذيان في منصب حساس، فعلى سبيل المثال لم يكن ليجازف بإعطاء عزّة الدوري منصب وزير العدل أو الثقافة!، فبقي الدوري نائباً محنّطاً كأيّ تحفة متواجدة في القصر الجمهوري. إن نظام المحاصصة لايكفي لتدمير وزارة الخارجية العراقية فحسب، وإنما يحيلها إلى منطقة فراغ مطلق ومؤسسة شكلية. وبهذه الطريقة الغريبة العجيبة تم اختيار السيد إبراهيم الجعفري مسئولاً عن الدبلوماسية العراقية!، ولم نسمع إلى الآن ماهي نشاطات السيد الجعفري، أو ماهي إنجازاته على الصعيد الدبلوماسي. لم نسمع لهذه الوزارة الأجنبية! شيئاً يذكر سوى النشاطات البروتوكولية كفتح السفارات أو ما شابه ذلك، أو إلقاء خطبة عريضة في ذكرى عاشوراء من قبل وزير خارجيتنا . بالطبع إن الحماسة التي يبديها السيد إبراهيم الجعفري في إلقاء خطبته الحسينية تتفوق بما لا يقاس عن أي كلمة للخارجية العراقية. هذه الحماسة كما لو أنها وراثة يتداولها أعضاء حزب الدعوة فيما بينهم، فقبله رأينا المالكي كيف يفجّر خطبته العصماء في كربلاء في ذكرى عاشوراء، ولعله فاز بهذا اللقب الشهير" مختار العصر" من خلال مواهبه الخطابية. لكننا نتحدث عن وزير خارجيتنا وأمين دبلوماسيتنا السيد إبراهيم الجعفري الذي لا يطل علينا إلا بـ" التفاطين"، ورحم الله الراحل مام جلال الذي بسببه خرج لنا وزيرنا الدبلوماسي في خطبة تأبينية للراحل جلال ويدعو له بالتوفيق!!. ترى لماذا لا يتعلم وزير خارجيتنا مبادئ الدبلوماسية المتعارف عليها في كل أرجاء المعمورة، ويكتفي في عبارات شكلية فارغة، يغلب عليها التحذلق، علماً أن الشارع العراقي بات يضرب الأمثال بتحذلق وزير خارجيتنا، الذي يبدي ثقة بنفسه فوق العادة، ومن غير المعقول أن لا يخبره مقربوه أو مستشاروه أنه بات مضرب أمثال الشارع العراقي. لكن نرجع للمربع الأول كما يقولون: إن الرجل يتمتع بثقة مفرطة بقدراته - التي لا أعرفها ما هي بالضبط!- ، لذا فقد وصل وزيرنا إلى ما يسمّى بـ " الانسداد التاريخي"، فالتاريخ يصاب بسكونية وينتقل من" الصيرورة" إلى " الكينونة" في ذاكرة السيد الجعفري ولا يمكنه ان يتحرك ويرى العالم على طبيعته الحقّة، وإنما يراه عبارة عن سيل متدفق من الهذيانات الأحاجي الفارغة والنكات غير المضحكة. في أحد الأيام الغابرة، وحينما كان الناس ينظرون إلى السيد الجعفري كأحد المفوّهين القلائل في عصرنا، استضافت أحد الفضائيات العراقية وزير خارجيتنا فأجاب في حينها عن دور العراق المحوري في الشرق الأوسط، ولا يمكن عزل العراق عن محيطه الإقليمي، فكانت هذه العبارة " نحن ضد أقلَمَة وبَلقَنَة العراق" كما لو أنها" دمغة" في رأس مقدم البرنامج، فحول المسكين تفكيكها لكنه ظل حائراً ودخل في سياق" الأشكلة" حسب تعبير الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو. ، لكن استئناف الكلام والدخول في عبارات" استاتيكية" جديدة للسيد الجعفري( قبل أن يمن الله علينا بتنصيبه للخارجية) رفع من هذا الحرج نسبيا، فانساق مع موضوع آخر وكان المقدم مرّة أخرى في "منعرج هرمنيوطيقي" مرّة أخرى، فقد هزّته عبارة الضيف الثقيلة جداً حينما قال " نحن ضد سَعدَنَة" المشاريع العربية، أي أننا نرفض تجيير المشاريع العربية باسم العربية السعودية . وهكذا بقي المشاهدون ومقدم البرنامج والعالم أجمع، في حالة "أقلمة" وبلقنة" وسعدنة" إلى إشعار آخر.

بغداد اليوم