العبادي ... ولي الدم الجديد

صائب خليل

لم يدعني العبادي انتظر طويلا، حين أكد ما حذرت منه في مقالاتي السابقة، من أن قضية كركوك مسرحية تهدف إلى رفع أسهمه لغرض ما. وهذا الغرض كما أراه، هو إعطائه الزخم اللازم لتنفيذ مشروع جديد في خطة تدمير العراق التي تلتزم بها اميركا. فها هي علامات ذلك المشروع تظهر، وها هو الرجل يغادر إلى السعودية، مع وفد هائل الحجم من المسؤولين، وبدون اية مقدمات أو مناقشات مسبقة، وكأن مخرج المسرحية يريد ان يطرق الحديدة وهي حارة، وقبل ان يفقد العبادي نشوة الجمهور المندهش بالانقلاب غير المفسر في مواقفه وشخصيته.

هذا التكتيك لم يبدأ مع العبادي، بل سبقه اليه سلفه. ففي غمرة تنازلاته المخجلة لكردستان، والهادفة الى الحصول على رضاها ورضا أميركا لتأمين ولاية جديدة، هرع رئيس الحكومة السابقة نوري المالكي بنفسه الى الكرادة ليلقي القبض شخصياً على ضابط كردي من حرس الرئيس الطالباني، كان قد قتل أستاذا جامعيا، وهناك أطلق عبارته المشهورة: "أنا ولي الدم"!

وكان الهدف من هذه الحركة المسرحية، كما بينت في مقالة لي في وقتها، لفت النظر بعيداً عن تلك التنازلات، وإسكات الأصوات التي بدأت ترتفع بالاحتجاج وتسبب له الاحراج في وقت قريب من الانتخابات. كتبت في وقتها: من عجز عن أن يؤدي واجبه كرئيس للحكومة، يتظاهر بانه يؤدي واجبه كـ "بطل". لقد ادعى أنه "ولي الدم" ليخفي بهذه العبارة الرنانة، عجزه في ان يكون ببساطة، "ولي النفط" في تقسيمه بالعدل.

تكللت تلك المسرحية بالنجاح، وبدا للعراقيين أن رئيس حكومتهم قد "تغير بقدرة قادر" أو أنه "انفجر" لشدة الضغط ولم يعد ذلك المتخاذل الذي عرفوه أمام كردستان. وبالفعل ساعدت عبارة "ولي الدم" على نسيان التنازلات السابقة وتقديم المزيد منها دون إثارة الكثير من الانتباه. لكن المالكي اضطر ان يوقف تنازلاته فيما بعد لأنه اكتشف أن رضا كردستان غاية لا تدرك، وان اطماعها بئر بلا قعر. فكردستان كانت تتبع مبدأ كالبريث بإثارة المشاكل والمطالبة بالمزيد بلا توقف. وطبيعي أن كردستان لم تكن قادرة لوحدها على تسليط كل هذا الضغط الشديد بدون مباركة وتوجيه أمريكي. ولما وجدت المنظومة الأمريكية – الكردستانية أن المالكي قد وصل حدوده في التنازلات، قامت باستبداله في ليلة ظلماء، واختارت من بين المرشحين لديها من وعدها أنه مستعد أن يهبط أكثر من غيره، وهكذا حصلنا على رئيس حكومتنا الجديد.

العبادي أرسل عادل عبد المهدي، شخصية أخرى من اشد التوابع لكردستان والذي هندس نسبة الـ 17% المشينة، ليوقع للكرد على بياض بشأن كل مطالبهم النفطية التي كان المالكي والشهرستاني قد رفضاها، وبدون أن يأخذ معه أي خبير في النفط لدراستها، فلم تكن هناك أصلاً نية لدراستها ومناقشتها. إضافة إلى تقديم العبادي مليار دولار "عربون استعادة الثقة" مباشرة إلى كردستان، مقابل شروط فضفاضة تم التخلي عنها بكل سهولة. أما المليار، فوصلت كردستان فوراً، لأن العبادي كان قد عين هوشيار زيباري وزيرا للمالية لهذا الغرض. ولا حاجة لنا للقول ان زيباري لم يكن يفقه حرفاً في الشؤون المالية ولا كان عبد المهدي يعرف شيئا في النفط. لكنهما كانا يعرفان ما تريد كردستان، وهذا كان كل ما يحتاجانه لتولي الوزارة في حكومة العبادي. كذلك يعرف العبادي كما يبدو أنها من شروط الكرسي الذي لم يكن يحلم به، خاصة بعد ان فشل في الحصول على ترشيح حزبه لمنصب نائب رئيس البرلمان لقلة الكفاءة!

لكن كردستان المخلصة لمبدئها في الابتزاز بلا نهاية، ضغطت حتى على من وقع لها على بياض وأحرج نفسه من اجلها كثيراً، فتكررت الحيرة أمام البئر التي لا قعر لها التي سبق أن واجهها "ولي الدم"، مع العبادي أيضاً، والذي كان في وضع مالي صعب لا يسمح له بتقديم المزيد. كذلك الأمر مع عبد المهدي الذي واجه نقداً شديدا وفضحاً من الكثير من خبراء النفط والكتاب (وأنا من بينهم). وقد كان العبادي وعبد المهدي يتوقعان أن تقتنع كردستان بما حصلت عليه من طلباتها الكاملة، على الأقل لفترة من الزمن لحين يلملمان جروح التهم والشبهات التي اصابتهما جراء انصياعهما التام لها، لكن مبدأ كالبريث لم يكن يسمح بذلك: اخلقوا المشاكل باستمرار، وستكسبون دائما.

أدى هذا الحال بعبد المهدي إلى تقديم استقالته ورفض العبادي الاستماع إلى المزيد من المطالب الكردية وكان في حالة يرثى لها من الاحتقار الشعبي، لم يواجهها أي رئيس لحكومة عراقية في تاريخ العراق كله، بسبب مواقفه المتخاذلة والمدمرة التي باعت ثروة الشعب العراقي ومستقبله وسيادته. ولم تكن تلك المواقف امام كردستان وحدها، بل وأمام أميركا وكل ذيولها في الخليج والأردن ووقع قروضا مع المؤسسات الدولية المعروفة بتاريخها في تحطيم الشعوب ومحاصرتها وسلب ثرواتها، وأعاد القوات الأمريكية وبلاك ووترز اللتان ضحى الشعب كثيرا من اجل طردهما من ارضه، وكذب مرارا وتكراراً بشأن تلك القوات وحماها من فضيحة اكتشاف دعمها لداعش وجرائم قصفها المتكرر (وكلها بالخطأ!) للحشد والجيش الذي هو قائده الأعلى، وكذب بشأن طبيعة العقد مع بلاك ووترز التي غيرت اسمها في هذه الاثناء لكثرة فضائحها وجرائمها في العراق وغيره، مدعيا انها شركات تريد بناء المطاعم في الطرق الخارجية (التي كانت ساحات معارك ضارية بين الحشد وداعش)!

ومثلما جند الإعلام الذي اسسه اعداء البلد نفسه لدعم صورة "ولي الدم" في وقتها للمالكي، يجند الإعلام نفسه اليوم وبشكل أكبر بكثير لدعم صورة العبادي الحازم و "الحكيم" لتحل محل الصورة التي نعرفها عنه. وقد قرأت اليوم خبرا مدهشاً بعنوان: "بريطانيا تستغرب من شدة دهاء العبادي بالتعامل مع قضية كركوك الحساسة"! ويمكنكم ان تتخيلوا العراقي الذي يشعر بشيء من دونية داخلية تجاه الأوروبيين، وكيف يمكن ان يشعره هذه المديح من قبل "بريطانيا" المتعجبة من "شدة دهاء العبادي"! لكننا حين نقرأ الخبر نكتشف أن "بريطانيا" لم تقل أي شيء عن تلك "الدهشة"، ولم يدع الخبر أية حقيقة سوى أن وزير الخارجية البريطاني دعا العبادي "الى توسيع نقطة الحوار بين الجميع.. ألخ"(1)

ويمتلئ الاعلام اليوم بمثل هذا النوع من الاخبار، دع عنك التعليقات التلفزيونية. ومثل هذا الأمر لا يفترض أن يمر بدون ملاحظة. فيجب ان أتساءل: لماذا يكذب الموقع بهذا الشكل؟ ومن الذي يدفع له؟ وما الذي يهدف اليه من تأثير بالنسبة لي؟ لماذا يريد ان يقنعني عنوة بأن العبادي "رجل عظيم يدهش الدنيا"؟ ولماذا تصرف الأموال على هذه الكذبة؟ وما الذي ينتظره من قام بها من نتيجة؟

الجواب ليس صعباً ابداً: إنه يريد ان يعطي العبادي زخماً يمكنه من القيام بخطوة أو خطوات صعبة ومرفوضة شعبيا، قد يفشل في اقناع الناس بها إن لم يكن قد كسب ثقتهم مسبقا. وبما انه لا يستطيع ان يكسب تلك الثقة بنفسه او بأعماله، فلا يبق لتلك الجهة المستفيدة من تلك الخطوات إلا حقن تلك "الثقة" في الناس بالأكاذيب!

ليس هناك أي تفسير آخر لما يجري، ويبدو من هذه المبادرة السريعة وبهذا الحجم المدهش وبدون تحضيرات مسبقة، إلى مملكة التآمر على الوطن العربي ودول آخرى، ان التحرك قد بدأ للتنفيذ.(2)

لقد كانت كل مفاوضات رؤساء الحكومات العراقية مع الدول العربية خاصة، وهي الدول الأقرب إلى اميركا وإسرائيل دائما، لا تؤدي إلا الى اتفاقات اقتصادية ابتزازية للعراق، ليس لشعبه فيها ناقة أو جمل. ولم تكن تلك التحركات في حقيقتها إلا توسيع للجزية التي فرضت على الشعب العراقي لحكومة الأردن التابعة لإسرائيل منذ خسارة صدام لحرب الكويت. فكلها عبارة عن إعفاءات ضريبية وفتح أسواق ومساعدات نفطية بأسعار مخفضة او مجانية، رغم ان العراق يمر بأزمة اقتصادية وان معدل دخل الفرد فيه ادنى من ذلك الذي يستفيد من اعفاءاته ومدارسهم افضل من مدارسه واستقرارهم افضل من استقراره، ولا يواجه أي منهم المخاطر التي يواجهها العراق. وأتحدى أي شخص ان يأتيني باتفاق اقتصادي واحد أجرته أية حكومة عراقية منذ بدء الاحتلال مع أية دولة عربية أو مع كردستان، كان فيه أية فائدة للعراق! جميع الاتفاقات كانت ابتزازاً للعراق، وكلما كان الوفد أكبر، كان الابتزاز أكبر.

ولكن ما ادرانا ....؟ لماذا نستبق الأحداث؟ سيقول العراقي المتعب المتطلع الى قشة الأمل.  ما ادرانا أن ضمير الرجل لم يستيقظ فجأة أو أن كرامته لم تثر لكثرة ما داست كردستان وغيرها عليها؟ لماذا لا "نعط الرجل فرصة"؟

لقد قال البعض هذا حينما جاء معصوم بالعبادي وفرضه على العراق، فتساءلوا: لماذا نرفضه مسبقاً؟ لماذا لا نعطيه فرصة؟ المشكلة أن "الفرص" مكلفة جداً، وقد كلفت "فرصة" العبادي العراق غاليا جداً، ودون ان يشعر أحد. فهذا الرجل لم يكن يثير الضجيج، بل يوقّع ويهدي ويتنازل ويرفض اتخاذ شيء حتى شل البلد أمام اعدائه وأغرقه في الديون وأعاد القوات الأميركية وحماها من فضائحها وقصفها للجيش والحشد وأعاد بلاك ووتر وسمح لكردستان ان تصدر النفط بلا عوائق فقامت بتغطية 3 ارباع حاجة إسرائيل منه واستولت على نفط كركوك و و و... ولحد اليوم لا يذكر الناس عنه سوى انه كان مضحكاً حين كان يزرر بنطرونه أمام الكامرات!

هل قصة كركوك مسرحية إذن؟ أم انها حقائق قد يستفاد منها لأي غرض كان حتى دعم العبادي ودفعه لإجراءات مطلوبة أمريكيا؟ وإن كانت مسرحية، فمن المشارك فيها عن وعي، ومن الذي يدخل فيها دون ان يدري؟ لا يمكن معرفة التفاصيل طبعا، لكن المؤكد بالنسبة لي هو أن العبادي لم يقم بالمبادرة بنفسه، فكل التاريخ ضد هذا، وبالتالي فالعملية كانت بمبادرة أمريكية. وعلى هذا الأساس فلا بد أن اميركا تريد من ورائها شيئا من تقوية موقف العبادي وشعبيته، وهي لا تريد شيئا في تقديري سوى تنفيذ رغبة إسرائيل في تدمير البلد. لذلك لا يجب ان نقف عند التفاصيل ونختلف فيها، بل نركز على هذا الخط العام.

لكن ألا يحتمل ان الأمر تغير؟ لماذا لا نعطه فرصة ثانية؟ ما الذي يمكن ان يحدث أكثر؟

الذي يمكن أن يحدث هو الكثير جداً، فكل مستقبل وجود الشعب العراقي على المحك، وأعداؤه يغرسون اظافرهم في احشائه. وفي مقالة سابقة كتبت أني أخشى أن يتم تلبيس العراق ديون كردستان وأن هذا قد يكون هو الهدف من هذه المسرحية، إضافة إلى أمور أخرى وعدت بكتابتها. في الحقيقة لا يوجد شعب يعامل ثرواته ومصالحه بكل هذا الإهمال والتساهل ويعيش طويلا.

الكثير إذن على المحك، لكني أدرك القوة الهائلة لسكرة "النصر"، وأفهم أنه لا يوجد منطق في العالم لإقناع من اشتاق طويلا إلى "بطل"، أن ينتبه للخدعة التي فيه. لذلك أريد أن اتفق مع قرائي على حل وسط: أن نعطي العبادي الفرصة كما تحبون، على أن ننتبه إلى ألا يقدم أية تنازلات مالية أو اقتصادية جديدة إلى كردستان أو الأردن فيما يتعلق بالنفط، ولمن تهمه السيادة، ألا يقدم أية تنازلات سيادية إضافية لأميركا ولا يوقع اتفاقات بقاء قوات بعد داعش.

لنراقب إذن ما يلي:

1- الجولة الحالية: نريد كشفاً بكل ما تم الاتفاق عليه في جولته الحالية، وأن يعرض الأمر على مجلس النواب ويحصل على موافقته، وكل بند سري لا يعرض على مجلس النواب ويناقش في جلسة علنية أمام الشعب، لا يكون ملزما للشعب العراقي.

2-  الديون: أن لا يقدم اية تنازلات بشأن الديون التي تدين بها كردستان للحكومة العراقية وتبلغ اكثر من 40 مليار دولار

3- "مستحقات الشركات": أن لا يقوم بسداد ما يسمى "مستحقات الشركات" عن عقود وقعتها كردستان سرا مع الشركات النفطية ولم تقدم بها أية وصولات (سنكتب عن هذا تفصيلا مستقبلا).

4- عدم تثبيت الـ 17%: أن لا يقوم بتثبيت نسبة الـ 17% علما انها الآن وفق قوانين الميزانيات السابقة قد أعطيت لحين إجراء إحصاء رسمي للسكان في كردستان.

5- عدم زيادة الـ 17%: أن لا يزيد ما يعطى لكردستان عن الـ 17% إلى ذلك الحين وبأية طريقة من طرق الاحتيال مثل اعفائها من حصتها من الكلفة السيادية والحاكمة (الكلفة المشتركة) أو إعطائها الحصة النفطية مباشرة أو السماح لها بتصدير ما لحسابها أو إعفاء مصافيها من دفع تكاليف الخام (رغم ان المصافي العراقية تدفع ذلك)

6- عقود مشاركة الإنتاج وقانون النفط: أن لا يعترف بعقود كردستان مع الشركات الأجنبية والتي وقعتها بدون علم الحكومة، وبطريقة "عقود مشاركة الإنتاج" السيئة الصيت، وأن لا يضع قانونا للنفط يجيز مثل تلك العقود مستقبلا، وأن لا يقوم بتحويل عقود العراق الحالية إلى ذلك النوع من العقود.

7- أن لا يزيد أي اتفاق، حصة الأردن من الدعم النفطي الجاري حاليا (وهو أمر مخز بحد ذاته) وأن لا يعني بناء الأنبوب أي تنازلات إضافية للأردن وأن تحسب أرباح الأردن من مرور النفط فيها كما في أية دولة أخرى.

لقد وضعت هذه النقاط في الحد الأدنى تماما، فأنا لا انتظر من العبادي ان يحسن وضع العراق المبتز والمسؤول هو ومن سبقه عنه، لكن كل ما اريده منه ان لا يزيد الابتزاز، فهل هذا كثير؟

إن لم يقم العبادي بتقديم أية زيادة في التنازلات على قائمة التنازلات الكثيرة التي يرزخ العراق تحتها، فأنا اسحب كل كلامي ضده، بل وسوف انتخبه في الانتخابات القادمة!

وان قام بتقديم أي من هذه التنازلات، فإني أتوقع من كل انسان يحترم عقله وموضوعيته، أن يصحو من سكرته ويعرف أنه أمام انسان عديم الضمير وأن يقرّ بأن ما جرى لم يكن سوى مسرحية الغرض منها تأهيل هذا الرجل ليبيع وطنه أكثر مما فعل في الماضي.

إتفقنا؟ لنحفظ إذن تلك النقاط الستة وننتظر معا، ولتكن الفرصة الأخيرة، فكل فرصة خاطئة تعطى تكلفنا فرصة للحياة.

 

..................

(1) بريطانيا تستغرب من شدة دهاء العبادي بالتعامل مع قضية كركوك الحساسة

http://al-sulaymaniyah.com/mnwat/ebadiker/

(2) بعد السعودية.. العبادي إلى مصر والأردن لنقل "مشروع رؤية عربية"

https://arabic.rt.com/middle_east/905902-