"عودة" العراق إلى محيطة العربي .. بأي معنى؟

نصير المهدي

ليس هناك أجمل وأهم في علاقات العراق الخارجية من " عودته " الى محيطه العربي ولكن أي محيط ثم ما معنى العودة أصلا وكأن العراق هو الذي إختار الخروج من هذا الموقع الجغرافي والتاريخي ولم تكرس جهود دول وأموالها ورجالها في نبذ العراق والعمل على عزله ومصطلح العودة في الأصل مشبوه ويعكس علاقة مشوهة تجد صداها في عقل الأنظمة العربية وخاصة مملكة آل سعود ومن يسير في ركابها . 
عندما يختلف اللصوص تظهر السرقات ومؤخرا تحدث رئيس الحكومة القطرية السابق حمد بن جاسم عن جهود مملكة آل سعود في ضرب العزلة على العراق وجر دول الخليج وراءها وهي كما يقول لا تدري لماذا ومع أن الأمر ليس بتلك الدرجة من البساطة بل والسذاجة والبراءة من الاشتراك في تلك القيود وعلى الأقل فقطر شريك مباشر في تمويل ودعم الإرهاب في المنطقة والدعاية له ولكنه كشف حقيقة أن مملكة آل سعود كانت على رأس الجهد وقيادته . 
هل كانت العلاقة " الخاصة " بين الطبقة السياسية الحاكمة في العراق وإيران هي الدافع وراء ذلك الموقف الذي دفع العراقيون ثمنه الفادح والباهظ ومن ذلك الثمن ما فعله الإرهاب في الجسد العراقي وحجم الانشقاق السياسي والمجتمعي بين العراقيين والشروخ العميقة في العلاقات بينهم ومن المعلوم أن الدعاية والإعلام في المنطقة عموما واقع تحت السيطرة السعودية المباشرة وقد لعب دورا في شيطنة العراق وأهله وخاصة الشيعة منهم وتكفيرهم وترسيخ تصور غاية في التشوه للمواطن العربي البعيد والذي لا يجد من وسيلة للمعرفة سوى الفضائيات ووسائط التواصل الاجتماعي فترسخت في ذهنه صورة تحفز العداء والكراهية . 
ماذا تغير فجاة وبدون مقدمات في واقع الحال فصار العراقي الأخ والحبيب في رأي السياسة السعودية . 
يجد كثيرون بحكم العداوات الحزبية أن سياسة المالكي هي التي قادت الى الموقف السعودي الخليجي وما جر خلفه من مواقف عربية وفي هذا ظلم فادح إذ أن الرجل مهما كانت الملاحظات النقدية لسيرته في الحكم قد بذل جهدا كبيرا في إصلاح علاقات الأنظمة العربية بالعراق وقوبل بالصدود والرفض بل وحتى الإهانة وبموقف خليجي موحد فرئيس وزراء دولة عربية يزور أخرى فيستقبله المحافظون أو وكلاء الوزارات وقد حصل هذا في ثلاث دول هي مملكة آل سعود والإمارات ومصر وكانت زيارته الى الأخيرة بمناسبة إنعقاد قمة عربية . 
وهذا الموقف نفسه إنعكس في التحريض على الفرقة والانشقاق وإشاعة التوترات السياسية في العراق وقد تضافرت فيه جهود عدة دول وكان عنوانه طائفيا والطائفية من أخطر مواد الاشتعال في المنطقة تدميرا والتحركات التي وقعت في العراق فيما سمي حركة الاعتصامات التي مهدت بدورها لسيطرة عصابات الإرهاب على رأسها داعش على عدد من المدن العراقية الكبرى ومعلوم كم دفع العراق من دماء أبنائه وثروته ووحدته وفرص تطوره في مقاومة غزو الإرهاب . 
لقد إنتقدنا نوري المالكي وسياسات حكومته بما يستحق من تحديد أخطائه بل وحتى خطاياه ولكن الأطراف التي استهدفت العراق من خلاله سواء كانت محلية أو إقليمية وحتى دولية ليست بريئة في واقع الحال والإنصاف واجب بدون شك . 
التغيرات الظاهرية اليوم بل والمفاجئة لا تعني حصول تغير حقيقي في واقع الحال بل محاولة ربما تكون غبية أيضا لإختراق الواقع العراقي ونقله الى المشاركة في مرحلة ما بعد داعش والفصل الجديد هو نقل المواجهة الأميركية الصهيونية الخليجية الى طور جديد وبمشاركة فعالة من العراق وهذا هو عنوان المرحلة القادمة من الاستنزاف المتواصل في المنطقة . 
تغلب في كثير من الأحيان التحليلات الوهمية المرتبطة بالخيال الواسع الذي يحاول الهروب من إحباطات الواقع القاسية وما يجري لا يعبر عن عبقرية العبادي وديبلوماسية الجعفري بل هو قرار من الجانب الآخر وحتى الامس القريب كانت مملكة آل سعود ويظهر هذا على الأقل من تغطية إعلامها للأحداث العراقية تكن عداء عميقا للعراق وأهله على خلفية دوافع عديدة وحتى فتنة البارزاني التي مولتها دولة الإمارات لم تكن بعيدة عن المسار العام للسياسة السعودية تجاه العراق ثم فجأة يصبح العراق عزيزا الى حد تشكيل مجلس تنسيق سعودي عراقي برعاية أميركية والعراق نفسه لا يعلم شيئا عن الأمر . 
الإنتباه الى النوايا المبيتة من هذا التودد المفاجئ والابتعاد عن أحلام وتمنيات الإزدهار والرخاء وفرص الأموال التي ستهطل على العراق مقابل الرضا بما يضمره هؤلاء الفرقاء للعراق والعلاقة الصحيحة هي التي يقررها العراق في الإبتعاد عن الاستدراج الى أي مستنقع جديد ترسم ملامحه أميركا في المنطقة وبدون مقابل ومملكة آل سعود تحتار اليوم بورطتها اليمنية وأوضاعها الداخلية وتريد الهروب الى مواجهة مع إيران وهو الهدف المشترك لأميركا و " إسرائيل " . 
عودة العراق الى المحيط العربي وهل كان العراق خارجا على محيطه ثم عاد ؟ . أم يراد له أن يبقى دائما ومنذ قادسية صدام المشؤومة بندقية مشرعة للإيجار تضرب شرقا وغربا دفاعا عن مصالح الغرب وحكام الخليج . 
يا حبذا علاقة طبيعية بدون عداوات واستقطابات يتخلص فيها العراق من الاستهداف الإرهابي والدعاية المضللة والتآمر على وحدته وأمنه وسلامة أراضيه والعراق لم يكن عدوا يستهدف الآخرين وهو من الضعف بحيث لا يشكل خطرا عليهم وهذا هو الإنجاز الحقيقي لو تحقق بدون أن يكون مطالبا في المقابل بأن يكون طرفا في حلف مشبوه يريد توريط العراق في حروب الآخرين .