بين الحالمين بصنم "الثورة الشعبية" وانتهازية مثقفي "الورقة ونص"

علاء اللامي

يسخر البعض من أية محاولة لاستشراف وتحليل آفاق العملية السياسية الأميركية ونظام حكم المحاصصة الطائفية في العراق، بهدف معرفة آفاق ودقائق هذه العملية ومقاربة ملامح الصراعات والتحالفات الداخلية القائمة أو المحتملة وإمكانية وقوع انشقاقات أو تمردات من داخل النظام ضد أسس وركائز النظام نفسه. هذه السخرية هي نتاج عقلية عدمية وكسول لا تحسن غير لغة الوصم والشطب على مفردات الواقع بالقول: كل شيء فاسد وينبغي تدميره والانطلاق من الصفر! وبعد ذلك تتمدد هذه العقلية العدمية على أريكتها الوثيرة بانتظار حدوث "الثورة الشعبية العارمة" أو الانقلاب العسكري المفاجئ الذي سيقوم بها جنرال "فطحل ذو شاربين ثخينين"! إنها أيضا نتاج العقلية الانتهازية التي يعبر عنها إعلاميون ونشطاء مما بات يعرف بجماعة " #الورقة_ونص 150$" التي لا ترى حلا سوى ما يقوله ويفعله الحزب الفلاني والزعيم العلاني وبعضهم يضع قدما في النظام وأخرى في معارضته، رغم أن فساد جماعته لا يختلف عن فساد زملائهم في الأحزاب الأخرى لا شكلا ولا مضمونا!
انها نظرة واحدة من حيث الجوهر ولكنها بنسختين، خلاصتها الشعار الشهير "كل شيء أو لا شيء"، من جهة، أو شعار" السياسة فن الممكن يا حباب" من الجهة المقابلة، ولكن لا بأس من تفحص هذه العقلية عن كثب: إذا كان فساد الواقع، وتحديدا فساد نظام الحكم القائم في العراق لا جدال فيه، فإن مما لا جدال فيه أيضا أن هذا النظام لا يمثله شخص واحد أو مؤسسة واحدة لنشطب عليه أو عليها بخفة وسهولة وكفى الله المؤمنين شر القتال! ترفض هذه النظرة العدمية أي محاولة لاستشراف المستقبل بطريقة بناءة تدخل في التفاصيل، بل تأخذ بالوصم والشطب من الألف الى الياء على اعتبار صحيح يتم مطَّه بشكل خاطئ، ويقول إن النظام السياسي القائم في العراق اليوم والدولة العراقية بجميع مؤسساتها والأشخاص الطبيعيين والاعتباريين فيها سلبيون ماضيا وحاضرا ومستقبلا، لأنهم جميعا نتاج لحالة الاحتلال الأجنبي التي مرَّ بها العراق، ولأنهم فاسدون وعملاء بإطلاق القول، لا ينتظر منهم خير حتى لو كان نسبيا. من حيث الشكل والسطح هذه النظرة تبدو سليمة ولكنها ناقصة وسطحية لأنها تقفز على حقائق ومفردات الواقع الفعلي للمشهد السياسي والاجتماعي العراقي ككل، وتنظر إليه من زاوية حصرية، مركزة على ما حدث في عهد الاحتلال المباشر. إنها تشطب، أو لا تريد ان ترى مفردات هذا الواقع الذي يحتوي على تناقضات وتفاصيل كثيرة معقدة فيه، يجب رصدها وتحليلها وفهمها والبناء عليها. فمثلا، من ذلك المقفوز عليه عن قصد ما يلي:
* أن هذا المشهد لم يخلُ طوال سِني عمر النظام من الحراك الشعبي المضاد للنظام، وقد اتخذ هذا الحراك أشكالا سليمة وغير سلمية واسعة النطاق ولم يسلم بوجوده وبأي إيجابية له غالبية العراقيين.
* شَهِدَ هذا المشهد انشقاقات وصراعات وتمردات داخلية عديدة أوصلت النظام إلى حافة الانهيار أحيانا، وخاصة في العصيان البرلمان الكبير العابر للطائفية في نيسان 2016 والذي تم إفشاله بتدخلات أجنبية وداخلية غادرة. 
*إن هذه النظرة العدمية والانتهازية ببترها لهذه التفاصيل والوقائع تغلق الباب أمام أي تطورات وصراعات جديدة ستقع مستقبلا بين أطراف النظام أو بين النظام والقوى الخارجية المهيمنة عليه، أو حتى بين النظام والشارع الشعبي. 
*وأخيرا فإن العدميين الذين يعلقون آمالهم وأوهامهم على حلول سهلة ومتخيلة كالانقلاب العسكري أو الثورة الشعبية التي تسقط فجأة من سماء زرقاء، أو قرار فوقاني يصدره ترامب لتغيير طبيعة النظام العراقي -كما يتشهى البعض من كتاب الحياة والشرق الأوسط وإيلاف أو البعض من مهرجي كتاب الانترنيت كالمدعو سمير عبيد- إنما تكرس الواقع القائم بانتظار تحقيق رهان رغبوي ذاتي لا علاقة له بالواقع القائم ولا المستشرَف، وهي بهذا تساهم في تضليل الناس وتيئيسهم. وماذا عن المرحلة القادمة؟
*إنَّ هذه النظرة العدمية الانتهازية لعبّاد "صنم الثورة الشعبية" أو مثقفي "الورقة ونص" لا تجيب مثلا على أسئلة عملية ومهمة من قبيل: ما الموقف الذي يجب اتخاذه من قوى التي تصنف من الناحية التكونية طائفية ولكنها قاومت الاحتلال بالسلاح، ثم شاركت في النظام الذي جاء به الاحتلال؟ وكيف يجب تقييمها وتقويمها؟ ما الموقف من قيادات أخرى تصف نفسها باليسارية شاركت في تأسيس النظام وفي كتابة دستوره الطائفي ولكنها ترفض الاعتراف بأخطائها وموبقاتها وتزعم لنفسها دورا وطنيا اليوم يرفص المحاصصة الطائفية فكيف يمكن الوثوق بهذه القيادات؟ وكيف يجب تقييمها وتقويمها؟
*وكمثال للعرض وليس للتباهي، فما أقوله وأكتبه شخصيا في مقالاتي - ومعي أصدقاء تعلمت منهم الكثير - لا يراهن بتاتا على النظام القائم أو على بعض قواه ومؤسساته أو شخصياته لإحداث المعجزة التي يتم بموجبها اختراع "لبن العصفور" وتحويل النظام من نظام محاصصة طائفية ودولة مكونات إلى نظام دولة المواطنة، بل هي مقاربات لا تريد ألا تسقط شيئا من محتويات المشهد السياسي، ولا تريد أن تشطب مسبقا أي احتمال سياسي ثمة مؤشرات على وجوده أو حدوثه قريبا أو بعيدا. 
كما أنها مقاربات لا تنفي أو تعادي أية دعوة جذرية سلمية لإنهاء العملية السياسية الأميركية ودستور بريمر سواء تعلق الأمر بحراك شعبي يتصاعد إلى درجة العصيان المدني والانتفاضة الشعبية أو شيئا آخر من هذا القبيل، بل هي مقاربات تؤيده وتنخرط في كل الاحتمالات والتطورات الممكنة بكل قوة، ولكنها لا تسترخي على أريكة المقاطعة بانتظار تلك "المعجزة" إذا لم يحدث. 
جلُّ ما أحاوله هو قراءة واستشراف آفاق واقع الحال المعروف للجميع ومقاربة إمكانية حدوث صراعات وانشقاقات وتمردات داخل مؤسسات ومكونات نظام الحكم القائم وانسلاخ بعضها تحت ضغط عوامل عديدة نحو المشروع الوطني ورفضها للمشروع الطائفي التابع للولايات المتحدة وإيران.
لقد حدث شيء من هذا القبيل فعليا، في عصيان نيسان 2016 البرلماني العابر للطوائف والقوميات، ولم يقف ضده سوى هاتين الدولتين عبر سفيريهما في بغداد، والقوى الطائفية والقومية الصريحة من حزب آل الحكيم ومرورا بحركة الإخوان المسلمين لإنقاذ زعيمها سليم الجبوري وليس انتهاء بالتحالف البارزاني الطالباني وشراذم من إعلاميين ونشطاء " #الورقة_ونص " التابعة له بدعوى أن المالكي يساند ذلك العصيان البرلماني، قافزين على واقع أن جميع نواب تحالف علاوي بمن فيهم إياد علاوي نفسه، وغيرهم شاركوا فيه وعلى واقع أن هذا العصيان لو أسقط الرئاسات الثلاث لكان قد أسقط معهم المالكي و دولته العميقة ذاتها!
*أعتقد أن المرحلة القادمة ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية القادمة، وسواء نجح التحالف الوطني بالدفع نحو إجرائها أو تم تأجيلها، ستشهد تطورات سياسية واجتماعية مهمة جدا.
*وخلال هذه الفترة ستنفتح مروحة الاحتمالات حتى أقصى مدى لها، وسيكون من المفيد والحيوي مغادرة هذه العقلية العدمية بشكليها الذيلي أو الحالم الكسول، ومقاربة تلك التطورات المحتملة الحدوث من منظار وطني بناء يفعِّل.
*هذا المنظار الوطني البناء الجذري والواقعي ينبغي أن يستغل وقرأ جيدا وبعمق خلافات أطراف الحكم، ويساند ويدعم نشوء أو بروز قوة ترفع شعارات وحلول وطنية تعلن صراحة أن هدفها هو إنهاء العملية السياسية الأميركية وإعادة كتابة الدستور العراقي.
*وبنفس القدر من القوة، وفي الوقت نفسه ينبغي لمن يتبنى هذا المنظار النقدي والجذري أن يركز نقده وهجومه السياسي على الأطراف والشخصيات الفاسدة والطائفية المصرة على بقاء النظام القائم وشروره ويستشرف آفاق واحتمالات حراك شعبي واسع النطاق ضد هذا النظام الفاسد والميت سريريا منذ زمن طويل.