واشنطن والرياض لبغداد: البرزاني حليفنا... فلا يُهزَم

ما بدا دعماً أميركياً سعودياً لبغداد في مسار مواجهة «استفتاء البرزاني»، بدأت أطره تتضح في ظل سعي هاتين الدولتين إلى إعادة الاعتبار لزعيم آل البرزاني ولحليفهما الإقليمي عبر «طاولة المفاوضات» منعاً لكسب بغداد مزيداً من النقاط

بغداد ــ الأخبار
منذ منتصف الأسبوع الجاري، دخلت واشنطن على خط الأزمة المشتعلة بين بغداد وأربيل التي يتضح مع مرور الوقت أنّ رئيس الإقليم مسعود البرزاني، يهيمن على جميع مفاصل الحكم فيها. وبرغم أنّ وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، كان قد زار بغداد في بداية الأسبوع، من دون التوجّه إلى اربيل، فإنّ مصادر عدة تناقلت في الأيام الماضية أنّ اتصالات كانت تدور بين مسؤولين في واشنطن وأربيل بهدف دفع الأخيرة إلى إصدار «بيان تراجع» يسمح بإطلاق مفاوضات جديدة مع بغداد، من شأنها أن تبدأ بسحب إحدى «ذرائع» التقارب الإيراني التركي في شمال العراق من جهة، وأن «تفرمل تلاقي مصالح رئيس الوزراء حيدر العبادي، مع مصالح طهران» من جهة أخرى.

ووفق هذا التوجه، جاء بيان أربيل بخصوص «تجميد نتائج الاستفتاء» والدعوة إلى الحوار مع بغداد والوقف الفوري لإطلاق النار، بتوقيت أميركي، خاصة أنّه تزامن مع زيارة العبادي لكل من تركيا وإيران. ومن جهة أخرى، مثّل بيان أربيل «خدعة من البرزاني» الذي يريد أن يمنح نفسه فرصة إطلاق التفاوض مع بغداد قبل أن تنتهي ولايته في رئاسة الإقليم في اليوم الأخير من الشهر الجاري (يوم الثلاثاء المقبل)، «إلا أنّ العبادي يرفض ذلك»، وفق ما يشرح مطلعون على مسار المفاوضات غير المباشرة.
ثمة مصلحة
حيوية لواشنطن ولحلفائها الإقليميين بدعم البرزاني


وفيما تكاد جميع المعلومات المتداولة، حتى في بغداد، تُجمع على وجود «ضغوط» أميركية على العبادي لوقف القتال وقبول مبادرة أربيل بشأن تجميد الاستفتاء، قال مصدر مقرّب من العبادي في حديث إلى «الأخبار»، إنّ الضغوط الأميركية مورست على أربيل وليس بغداد، مشيراً إلى أنّ «تيلرسون في اتصاله مع البرزاني (في ساعة متأخرة من الخميس) ضغط باتجاه فسح المجال أمام تقدّم القوات الاتحادية نحو فيشخابور»، وهو أحد المعابر الحدودية مع تركيا.
إلا أنّ هذه الثقة التي تظهر في حديث بعض المقرّبين من رئاسة الحكومة العراقية، تُقابلها معطيات تفيد بأنّ «واشنطن والرياض قبلتا باستعادة بالأمر الواقع التركي ــ الإيراني القاضي بدعم بغداد لاستعادة السيطرة الميدانية إلى حدود ما قبل 2003، على أن تبقى المناطق المتنازع عليها برغم ذلك، مسألة معلقة وتنقل إلى طاولة المفاوضات، إلا أنّ العاصمتين لن تقبلا بكسر صورة البرزاني بشكل حاسم».
وهناك بين المتابعين الغربيين عامة، والأميركيين بصورة خاصة، من يروّج لـ «الخشية من أنّ العبادي لم يفهم هذه الخطوط الحمر تماماً»، وبالتالي «نحن أمام فرصة عودة نوري مالكي جديد إلى بغداد»، كما يشير عدد من المتابعين. ويذهب الباحث في «معهد واشنطن للدراسات»، بلال وهاب، إلى أبعد من ذلك، للقول بلغة واضحة: «يُعتبر بقاء حكومة إقليم كردستان بمثابة خط رجعة بالنسبة إلى الولايات المتحدة إذا خسر العبادي الانتخابات العام المقبل ضد منافسيه النافذين الموالين لإيران. وفي إطار هذا السيناريو، من المرجح أن تعلو الأصوات المناهضة للولايات المتحدة في العراق، وقد تصبح حكومة الإقليم الشريك الأميركي الوحيد الموثوق به للحفاظ على سياسة وطنية معتدلة، وعلى استقلال البلاد، وتقويض عودة تنظيم الدولة الإسلامية. ولتجنب مثل هذه النتائج في عام 2018، على واشنطن أن تكبح العبادي اليوم وتطلب منه عدم تخطي حدود عام 2003 التي يكرّسها الدستور لحكومة إقليم كردستان».
بالنظر إلى مجمل هذه المعطيات، يشرح المطلعون أنّه «لهذه الأسباب دعمت واشنطن مبادرة أربيل، كما دعمتها وزارة الخارجية السعودية»، وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء السعودية الرسمية أمس. وعليه، ثمة مصلحة حيوية لواشنطن ولحلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم الرياض، بوقف المسار التصاعدي الذي تتخذه بغداد، خاصة أنّ نفوذ البرزاني ونفوذ عائلته بات مهدداً بالتعرّض لضربات جدية أيضاً، لكن من داخل الإقليم هذه المرة، وذلك في ظل استمرار «صراع العروش» بين العائلات السياسية القوية في الإقليم.
وجدير بالذكر، أنّه بالتوازي مع انطلاق التحرك الأميركي السعودي، كان لافتاً، أول من أمس، ظهور البرزاني ونجله مسرور للمرة الأولى منذ بدء المعارك، وذلك للمشاركة في عزاء نائب من حزبهما.
وفي سياق الضغوط التي تُمارس ضد حكومة بغداد، كان لافتاً أمس، بروز ثلاثة مواقف متضاربة ومتناقضة بشأن الأزمة الكردية بشقّها العسكري، وذلك بعد عدة ساعات من الاتصالين الهاتفيين لوزير الخارجية الأميركي مع كلّ من البرزاني، والعبادي.
الموقف الأول هو ما أعلنه المتحدث باسم عمليات «التحالف الدولي»، الكولونيل رايان ديلون، لتلفزيون «رووداو» الكردي المقرّب من البرزاني، بشأن «اتفاق لوقف إطلاق النار بين قوات البيشمركة والقوات الاتحادية»، مضيفاً: «نريد أن يستمر ذلك وليس لفترة محدودة فقط». لكن «التحالف» عاد لينفي الأمر، مؤكداً غياب الاتفاق بين الطرفين، وذلك بعد نفي مصادر في مكتب رئيس الحكومة حيدر العبادي بصورة غير رسمية. إلا أنّ العبادي عاد ليُصدر بنفسه أمراً «مفاجئاً» بوقف القتال لمدة 24 ساعة بعد 12 يوماً من تقدّم القوات العراقية واستعادتها أراضي في الإقليم، وهو ما روّجت له وسائل إعلام كردية على أنه «هدنة» أو «هزيمة للقوات الاتحادية».
وذكر بيان العبادي أنّ القرار جاء «لفسح المجال أمام فريق فني مشترك بين القوات الاتحادية وقوات الإقليم للعمل على الأرض لنشر القوات العراقية الاتحادية في جميع المناطق المتنازع عليها، وكذلك في فيشخابور والحدود الدولية». أما تبرير تلك الإجراءات، فكان «منع الصدام وإراقة الدماء بين أبناء الوطن الواحد»، في لهجة بدت غريبة، ولأول مرة تستخدمها بغداد منذ بدء العمليات العسكرية واستعادة كركوك والمناطق المتنازع عليها في 16 تشرين الأول الحالي، كما بدا لافتاً استخدام مفردة «قوات الإقليم» وليس «البشمركة».

«نقل الصلاحيات»... يؤجل

في خضم مجمل التطورات، كان لافتاً، أمس، الهجوم القوي الذي شنّه الأمين العام ‏لـ«حركة عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي (الصورة)، على مسعود البرزاني، قائلاً: «لو كان يمتلك الشجاعة لانتحر بصفته قائداً عسكرياً خسر المعركة، ولو كان يمتلك الشجاعة كزعيم قومي، لاستقال لما سبّبه من ضرر للأكراد. لكنه جبان».
برغم هذه التصريحات النارية وما قد تحمله من رسائل للعاملين خلف الكواليس على خط بغداد ــ اربيل، فإنّ الحدث الأبرز في أربيل تمثّل أمس بإعلان رئاسة برلمان الإقليم تأجيل الجلسة التي كان مقرراً انعقادها اليوم، وذلك لمرة جديدة. ومن المعروف أنّ هدف هذه الجلسة نقل صلاحيات البرزاني إلى الحكومة والبرلمان بسبب انتهاء ولايته يوم الأربعاء المقبل، ولا يمكن التمديد له. علماً أنّ من المستغرب كيف أنّ رئاسة برلمان الإقليم لم تبلغ النواب بجدول أعمال الجلسة، بخلاف القانون.
برغم ذلك، هناك شائعات تفيد بأنّ صلاحيات رئيس الإقليم (البرزاني) ستُنقل إلى الحكومة وإلى البرلمان، فيما «هناك مفاوضات للإبقاء بين يدي البرزاني صلاحية قيادته للقوات العسكرية».
وجدير بالذكر أنّ هناك من يشير إلى أنّ «خلافات داخل حزب البرزاني، خاصة بين نجله مسرور وابن أخيه رئيس حكومة الإقليم نجيرفان، هي سبب تأجيل هذه الجلسة».

الأخبار