كيف وقع مؤرخ أمريكي شهير بفخ ثقافة التعميم وتحجيم الاخر؟

لينا ججاوي

على الرغم من باعه الطويل في دراسة الثقافات والمجتمعات الاسلامية في الشرق الاوسط وعلى وجه التحديد دراساته ومؤلفاته العديدة عن العالم الاسلامي في ايران، لم يسلم المؤرخ الامريكي الشهير"ريتشارد بولييت" "Richard Bulliet" من ثقافة التعميم.

سنحت لي يوم امس فرصة لقاء المؤرخ الامريكي ريتشارد بولييت الذي يعمل في جامعة كولومبيا في نيويورك، وهو احد خريجي قسم التاريخ في جامعة هارفرد، حيث تم دعوتنا انا وبعض زملائي الباحثين المعماريين لحضور محاضرة مهمة وقيمة له في مركز "تافت" البحثي في جامعة سنسناتي في ولاية اوهايو الاميركية حملت عنوان “Energy Profiles and World History”.

كانت بدايات المحاضرة تقليدية الى حد ما، لكن سرعان ما انتقلت بنا الى عالم سلس من اقتناص الاحداث التاريخية وتحليلها ومقارنتها. كان المحور الاساس للمحاضرة هو كيف تعاملت الحضارات المختلفة مع موضوعة "الطاقة". وكان بالطبع في سياق حديثه مقارنات كثيرة بين الشرق والغرب. كانت مناظرته أو جدليته الاساسية قائمة على العلاقة بين الازاحات المختلفة في موارد الطاقة وكيف انها تؤثر على النظام الكلي لكل شئ في الكون. مركزا بذلك على التحولات التاريخية التي صارت في مجال مصادر الطاقة وكيفية استيعاب الانسان لها وتأثيرها على التمدن والتحضر وكل مجالات الحياة في كل بقعة من بقاع الارض وان باسلوب متفاوت.

من الطبيعي ان تتم المقارنة بين الشرق والغرب، ومن الطبيعي ايضا ان ينسب الكثير من الانجازات العلمية والازاحات  والتطورات التطبيقية في مجال الطاقة الى الغرب، لكن من المجحف ان يذكر مؤرخ له هذا الشأن والخبرة في دراسة الشرق الاوسط ويفاجئ الحضور باستخدام بعض التعميمات التي ساهمت في تشويه صورة فئة معينة من البشر امام جمع غفير من الطلبة والاساتذة المؤرخين والمعماريين والمخططين والمهندسين العالميين والاميركيين، فضلا عن  تعالي أصوات القهقات في القاعة اثر اطلاقه للموضوع كدعابة.

شككت في بادئ الامر باني ربما اكون قد اخفقت في سماع الحديث او سهوت للحظة بحيث فاتتني كلمة معينة مما ذكر، لكنه كرر الامر مرتين او ربما اكثر بحيث انه قطع الشك باليقين. قال مقارنا بين حضارة الغرب والشرق بانه على سبيل المثال ان عمر الحضارة في اوروبا اقل بكثير مقارنة بالشرق الاوسط الذي تمتد حضارته لالاف السنين، ومع ذلك فان سرعة عجلة التمدن والتحضر (خاصة في مجال تطور مصادر الطاقة) قد فاقت بكمها ونوعها في اوربا عنما احدثته بلدان الشرق الاوسط في هذا المجال. قد لا يخلو كلامه هذا في جزء كبير منه من الصحة، الا انه تناسى خبرته الاكاديمية للحظة وذكر بطريقة تهكمية مستهزءا خاصة بسكان العراق ومصر بعبارة "ماذا كان يفعل هؤلاء البشر طوال هذه الفترة بعد انبثاق حضاراتهم الاولى؟ لماذا هم موجودين اصلاً"، وكأنه اراد ان يقول لو انهم دفنوا انفسهم احياءً افضل لهم من الحياة كموتى. لا انكر مرة اخرى ان خطابه فيه قدر معين من الصحة، لكن الاسلوب الاستفزازي اشعل في لحظتها بداخلي بركانا من الغضب، ويؤسفني اني حينها لم اتمكن من ابداء رأيي لان حديثه  كان في نهاية المحاضرة او نهاية اجابته لاحد الاسئلة، وهو رجل مسن بدت عليه علامات الانهاك، فاعلن منظم المحاضرة عن موعد الجزء الثاني للمحاضرة في اليوم التالي.

بدأت أحس وكأن الارض تدور بي في جميع الاتجاهات، كنت العراقية الوحيدة في القاعة، استجمعت قواي وذهبت مسرعة باتجاه المؤرخ، كان يمشي بخطوات ثابتة باتجاه باب القاعة وهو على وشك مغادرتها حين استوقفته وقدمت له نفسي وقلت له:

- أنا من العراق ومن "سكان" العراق. لا اخفيكم ان لونه الابيض الباهت تحول بلحظة الى الوان قوس قزح. ابتسم لوهلة ثم اصغى الي صامتا. لم اتذكر حتى ان اشكره على المحاضرة وعلى اسلوبه الممتع في الطرح، اذ ان اسلوب المباشرة في المدح يعتبر احد عادات الاكاديمي الامريكي بان يذكر الامور الايجابية اولاً ثم يدخل في طرح نقده او رؤيته لبعض الجوانب السلبية وباسلوب بناء. اما انا فنزلت كالصاروخ عليه عندما قلت وبصريح العبارة "لقد اصبتني بخيبة امل عندما تحدثت هكذا عن اهل العراق ومصر"، قلت له شارحة الكثير من الامثلة، تكلمت عن النظام الاروائي الاستثنائي الذي بناه الاشوريون في نينوى وعن ما تلاها من نشاطات واساليب زراعية مميزة انفرد بها اهل نينوى والموصل عبر التاريخ وصولاً الى يومنا هذا. وكيف امتازت تلك المنطقة ببنيتها الحضرية وفطنة اهلها التجارية والزراعية والصناعية الحرفية وغيرها من الامور بما يتناسب مع ما طرحه من محاور في المحاضرة.

أجابني بالاتفاق مع كلما طرحت، وقال "...الموصل تختلف جدا عن ايران"، قلت له ولكن انا اتحدث عن العراق، عن الموصل التي تقع في شمال العراق. واضفت ان "دورنا الان كاكاديميين وباحثين في نقل ما لم يتم توثيقه او على الاقل ايصاله للمتلقي الغربي باسلوب عصري حتى يقلل من هذه النظرة او الحكم المسبق على تاريخ المنطقة وثقافتها. فاجابني بانه قد الف العديد من الكتب عن المنطقة (خاصة ايران)، واعاد عبارته مؤكدا بان الموصل تختلف جدا عندما طرح هو في محاضرته.

مابال هذا الرجل، هل نسي ان الموصل عراقية؟ وهل نسي بانه قبل لحظات كان يستخدم اهل العراق كموضوعة (نكتة). انا لم اخص حديثي فقط عن الموصل، لكني بحكم خبرتي (النسبية) في هذه المنطقة استخدمتها كامثلة. خاصة واني مستمرة في القراءة والبحث عن هذه المدينة تاريخيا وعمرانيا واقتصاديا.. الخ. لم يسمح لي الوقت لكي اخبره بان احد اديرة الموصل في تاريخ ليس بالبعيد كانت تحتوي على اكبر مكتبة في الشرق الاوسط للمخطوطات والمؤلفات الادبية والعلمية واللاهوتية وغيرها، وقد تعرضت اكثر من مرة للحرق خلال الغزوات المتكررة. هل فاته ان يتذكر انه لم يمر يوم على هذا الشعب بعيدا عن النكبات والهجمات ومع ذلك لم يفقد هذا الشعب بريقه وذكاءه ابدا، ربما طالت يد البطالة والتكاسل نسبة كبيرة من مجتمعنا العراقي الحالي، لكني اكيده بانه شعب مثمر، سرعان ما سيلملم اشلائه وينبت من جديد، والتاريخ شاهد على ذلك.

 قد لا اكون احدثت انجازا خارقا بحديثي مع المؤرخ، الا انني حققت امرين عظيمين بمعتقدي، الاول اني ازلت تلك الجمرة البركانية التي كانت ترقد في لحظتها على قلبي والتي كانت ستشعرني بخيبة امل اكبر اذا ما بقيت صامتة عن قول الحقيقة،  والثاني اني متأكدة بان هذا المؤرخ المميز لن يتجرأ يوما بعد هذا الهجوم  العاصف  بان يسئ الى اي جماعة اوفئة بهذه الطريقة سواء في محاضراته العديدة او في كتبه، وسيحسب الف حساب لسكان العراق، وملامح وجهه كانت كفيلة باخباري ذلك. عندما اومأ برأسه مؤيدا ما قلته ومؤكدا على تفرد اهل العراق بانجازاتهم على مر العصور، حتى وان كان قد خص بذلك اهل الموصل.

والدرس الأهم الذي يمكن أن نتعلمه من هذه "الهوسة". هو اهمية الحضور الاكاديمي العراقي في المحافل الدولية الاكاديمية والعلمية، لإن تنميط الشعوب أمر لا يسلم منه حتى أعظم الباحثين.

باحثة في شؤون العمارة العراقية المعاصرة

 

العالم الجديد