التعديلات على قانون الأحوال الشخصية لعبة انتخابية

نصير المهدي

يبدو أن الرفض الشعبي لمشروع محمد التبريزي اليعقوبي قد حقق مبتغاه فتم إستبعاد تحديد السن المسموح به للزواج بالتاسعة من عمر الفتاة والأمر حقا فضيحة أخلاقية وإنسانية ولا تقل لي هذا هو الشرع فليس في الشريعة مثل هذا التحديد وإنما هي رواية حديثية تتداولها كتب الصحاح عند السنة وتقول بأن النبي عليه الصلاة والسلام قد دخل بعائشة أي تزوجها وهي في التاسعة من عمرها . 
يرد الشيعة على هذه الرواية فيقولون بأنها تشويه أموي مما حفلت به كتب الحديث في هذا الصدد لنبي الإسلام وهذه الرواية غير صحيحة فعائشة وهي المثال في هذا المقترح السابق عند الشيعة كانت في سن الثامنة عشرة حين زواجها وبعضهم يذهب الى رفع سنها الى الثامنة والعشرين فكيف تكون الرواية المنبوذة عندهم دليلا الى حكم شرعي . 
هذا الأمر وأعني زواج القاصرات الأطفال اللواتي في سنة الثالث الإبتدائي هو أهم مسألة في التعديلات التي أثير أمرها قبل سنوات قبيل الدورة الإنتخابية السابقة ثم خمدت لتثار مرة أخرى وأيضا على أبواب " الانتخابات " المقبلة أي أن الأمر دعائي مصلحي إنتهازي منافق لا علاقة له بدين أو مبدأ أو عقيدة .
في كل العالم يقدم المرشحون الى الإنتخابات قائمة بإنجازات حقيقية لصالح المجتمع والدولة لمن كان منهم في كرسي السلطة والحكم في الدورة السابقة أو الوعود والبرامج الإجتماعية والسياسية والإقتصادية للجدد فيهم الا في العراق فدائما ليس هناك سوى سلاح الطائفية لإستقطاب الناخبين ودفعهم الى صناديق الاقتراع ولأن جبهة المناكفات والمنازعات قد هدأت فذهبت هذه الطبقة السياسية الى نبش كتب الفقه للبحث عن سبل رص الاصطفافات الطائفية وهذا جوهر التعديلات القانونية الجديدة المقترحة على قانون الأحوال الشخصية الصادر في عام 59 . 
وبصراحة أعتقد بأن التعديلات الجديدة كما نشرتها قناة " NRT " الفضائية والعهدة عليها ليست بمستوى الخطورة الذي مثلته مقترحات حزب الفضيلة ومرجعه اليعقوبي ولهذا لا ينبغي أن يستهلك الأمر من الإهتمام العام أكثر مما يستحق لأن التعديلات هذه تعبير عن واقع إجتماعي غارق اليوم في التخلف وسيادة العلاقات القبلية وسطوتها على المجتمع وهذا التغيير تعبير عن هذه الحقيقة نعم هو عودة الى الوراء ولكن في مجتمع يتخلف وليس العكس . 
من الملاحظ أن كثيرين ممن ينتقدون القانون ويجيشون ضده أو يقفون معه ويمتدحونه ليست لديهم أدنى دراية سواء بالقانون الأصلي أو تعديلاته السابقة أو التعديلات المقترحة بل يصطف الطرفان بموقف مسبق كما أن من المفارقات الواضحة في هذه المواقف أن هناك من يرفض التعديلات بحجة المدنية والحق معه ولكنه يلهث وراء رجل دين لحيازة رضاه وتحقيق المكاسب تحت عباءته أو يرى في آخر صمام أمان المجتمع وينافق في مديحه حتى يحوز القبول من أنصاره ومريديه . 
هذه التعديلات نتيجة وليست أساسا لواقع إجتماعي وسياسي وإقتصادي بدأ مع حملة " القائد الضرورة " الإيمانية التي أدخلت المجتمع في نفق مظلم ثم لما وقع بعد الإحتلال من تكريس قانوني للمحاصصة وشيوع خطابها وإزدهار مفاهيمها في المجتمع والاهتمام بالجزئيات بعيدا عن معالجة الكليات يحول المواقف الى مجرد لغو فارغ يصب في مصلحة هذا المسار الذي يتحرك فيه المجتمع العراقي منذ ثلاثة عقود .
هي " نـگـة " لتحقيق مكاسب " إنتخابية " فليفعلوها فيرتاح المجتمع من هذه الاصطفافات غير المجدية ويهتم بالأمور والقضايا المصيرية الكبرى بدلا من اشغاله في معركة ثانوية مفتعلة لا تقدم ولا تؤخر الا إذا كان الطرف الآخر المعارض يريد هو الآخر تحقيق مكاسبه أيضا .
القصد من هذه التعديلات التي تعالج في ظاهرها بعض الأمور المتعلقة بالزواج أمران أولهما تعزيز القسمة الطائفية والمذهبية للمجتمع والثاني تعزيز سلطة رجل الدين من خلال تعظيم يد الوقفين السني والشيعي في التدخل التوثيقي للزواج بحسب المذاهب المختلفة . 
وحيث تنصب هذه التعديلات على الزواج تحديدا فمن نافل القول بأن الزواج في أركانه وشروطه واحد في كل المذاهب الإسلامية فليس في الزواج صنف شيعي أو سني وهو قائم على الإيجاب والقبول " زوجتك نفسي - قبلت " والمهر والكفاءة ورضا الولي والشاهدين " لا يشترط الشيعة وجودهما " والاشهار والا فوجود رجل الدين الذي يبرم العقد بين الطرفين هو مظهر إجتماعي لا علاقة له بالدين ويمكن لشخصين أن يعقدا الزواج بشروطه العامة بينهما بوجود شاهدين وينتهي الأمر وبعد ذلك فالتسجيل في الدوائر المختصة عموما وهي في كل العالم " دوائر الاحوال المدنية " هو توثيق لحفظ حقوق الطرفين لا أكثر ونقل هذا الإختصاص الى دوائر الأوقاف بحسب الإختلاف المذهبي هو من مداخل التمييز الطائفي المرتبط بنظام المحاصصة الطائفية ومنتجاته في شتى المجالات ولا جديد في هذا الأمر ومن يرفض هذا الطابع الطائفي لهذه التعديلات ينبغي أن يرفض الحاضنة التي أنتجته وهي المحاصصة الطائفية .
ينبغي عدم الوقوع في فخ هذه القوى الطائفية الرجعية واللعب في الميدان الذي إختارته لأن الانزلاق الى هذه اللعبة محكوم عليه بالخسارة ويمكن أن يكون عاملا مساعدا لهذه الأطراف المفلسة حقا يعزز مكانتها المهزوزة في المجتمع والوضع السياسي وتوقيت طرح هذه التعديلات تم اختياره على ما يبدو بدقة لتحقيق هذا الغرض . 
والمهم أن الصبايا الصغيرات قد نجين من محاولة الاسترقاق المغلفة بتشريع ديني مشكوك في أمره وهذا انجاز كبير يحققه الرافضون للحملة الشهوانية التي أرادت تدمير براءة الأطفال أما بعد ذلك فالخلل في البناء الأساس لا في بعض تفصيلاته .