آراء أخرى حول تعديلات قانون الأحوال الشخصية

قرار 127

علاء اللامي

كنت قد نشرت أكثر من منشور ضد التعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية الجمهوري 188 لسنة 1959 المعدل، ولكنني وبعد الاطلاع على آراء أخرى لنشطاء وزملاء كتاب توصلت الى قناعة بأن الموضوع لا يخلو من الشواش والغموض المقصودين ربما بقصد تمشية وتمرير هذه التعديلات ذات الجوهر الرجعي. في هذا المنشور وللأمانة والحفاظ على التوازن والموضوعية سأنقل لكم آراء أخرى مخالفة وليست سلبية في رؤيتها لهذه التعديلات وسأعود لمناقشتها لاحقا وقبل ذلك أود التأكيد على التالي: 
-الآراء والملاحظات التي نقلتها حول تحديد سن الزواج بـ 12عاما وما قيل عن تزويج القاصرات وحول الحضانة والوصية وشهادة غير المسلمين والإرث والزواج بين مختلفي الأديان ... الخ كلها غير موجودة نصا في مشروع قانون التعديلات ولكنها موجودة في الفقه الديني الطائفي الشيعي والسني. 
-أعتقد أن الدافع لقول هذه الآراء والتعبير عن هذه المخاوف المشروعة نابعان من المادة الخامسة من التعديلات التي سلبت حق الدولة العراقية في تنظيم حياة مواطنيها ومنحته للفقيه الديني ومؤسساته في الوقفين الشيعي والسني و"المرجع الأعلى" الذي وردت صفته نصا في التعديلات ...الخ. والمشكلة الأساسية هنا وليس في مكان آخر وهذه هي الحيلة التي نفذها الإسلاميون الشيعة والسنة في البرلمان لتمرير هذه التعديلات هي التي يجب الوقوف ضدها وكشفها.
الآراء الأخرى المختلفة: يعلق السيد أحمد جميل برهان على الفقرة ( د. يلتزم المجلس العلمي والإفتائي في ديوان الوقف السني بإجابة المحكمة عن استيضاحاتها، وفقاً للمشهور من الفقه السني ) بالقول إن ( هذه لا يعني إباحة الزواج من القاصرات إطلاقاً كون الأمر يتعلق ببضعة امور ومنها على سبيل المثال، أن المذهب الجعفري لا يتطلب حضور شاهدين عند ابرام عقد الزواج ولكنه يوجب حضور شاهدين عند ايقاع الطلاق ، وهذا مخالف للمذهب السني سواء أكان الحنبلي أو الشافعي ، وايضاً أن الزوجة تستحق مهرها المؤجل عند المطالبة أو الميسرة في المذهب الشيعي ولكن في السني عند حلول الأجلين ، وموافقة الأب للبنت على الزواج حتى وأن كانت بالغة والعكس عند المذهب السني .) أعتقد أن السيد برهان محق في ما يقول فالتعديلات لم تمس أو تلغِ المادة الثامنة من القانون 188 لسنة 1959 والتي نصها القديم (تكمل أهلية الزواج بتمام الثامنة عشرة) غير أن هناك تعديلا لاحقا أجري على المادة الثامنة رقمه 90 صادر بتاريخ 05/09/1987وينص على:
1-إذا طلب من أكمل الخامسة عشرة من العمر الزواج فالقاضي ان يأذن به إذا ثبت له اهليته وقابليته البدنية بعد موافقة وليه الشرعي فإذا امتنع الولي طلب القاضي منه موافقته خلال مدة يحددها له فان لم يعترض او كان اعتراضه غير جدير بالاعتبار أذِنَ القاضي بالزواج .
2-للقاضي ان يأذن بزواج من بلغ الخامسة عشرة من العمر إذا وجد ضرورة قصوى تدعو الى ذلك، ويشترط لإعطاء الاذن تحقق البلوغ الشرعي والقابلية البدنية.
واضح ان المقصود بهذا السن هما الجنسان الذكر والأنثى. وواضح أن هذه المادة نافذة ولكن اعتراضات على التعديل ربما تصدر عن تدخل الفقيه الديني الشيعي أو السني في تحديد سن الزواج (أو "سن الوطء" بالعبارة الفقيه المهينة لكرامة المرأة على اعتبارات لغوية منها ان الوطء يكون بالقدم وليس بأي عضو آخر) وهو ينخفض إلى سن التاسعة ويرتفع الى الثانية عشرة في بعض المذاهب الدينية الأخرى. 
السيد برهان يكتب (ومن الخطأ أن يُصدق الناس بأن التعديل ينص على زواج القاصرات وفي نفس الوقت المادة (8) موجودة ونافذة، كون هذا الشيء يُعد تناقض وخطأ فادح في القانون ومخالفة للقانون في ذات مواده! وهذا ما لا يقبله العقل ولا المنطق ولا القانون نفسه، وأن من وضعوا التعديل ومن وافقوا عليه ومن عُرض عليهم لا أعتقد بأنهم مجموعة من الأغبياء يضعون مادتين مُخالفتين أحداهما للأخرى في قانون واحد كمثل من يقوم بتشغيل " المكيف والصوبة الكهربائية معا في فصل الربيع ".) والرد على هذا الكلام بسيط وسهل نسبيا فهذا الخلط وسوء التفسير هو ما يريده مُشَرِّع التعديلات لينفذ من خلالها الفقيه ويقوم بدوره... وعلى هذا فالمطلوب هو إغلاق هذه الثغرات دفاعا عن المرأة لدرء المفاسد والشبهات بالعبارة الفقهية نفسها!
صديق عزيز آخر كتب في هذا الصدد (أنا من أشد المؤيدين لقانون الأحوال الشخصية الجديد بعد الاطلاع على فقراته وما تيسر لي من توضيحات لفقهاء القانون بعيدا عن اعتراضات المعارضين. وبعد تأكيدات لباحثين قانونيين ببقاء المادة الثامنة التي تضع حدا أدنى لعمر الزواج وهو 15 عاما. وأهم سبب يدعو لتأييد القانون هو ضمان حق القاصرات اللائي كانوا يتزوجن خارج القانون ويبقين بدون عقد زواج في المحكمة حتى بلوغهن السن القانونية. وكذلك حفاظا على حقوق أطفالهن الذين يتم تسجيل أعمارهم بالمحكمة يوم أو يومين برغم أن أعمارهم ثلاث وأربع وخمس سنوات. أضافة الى ذلك والأهم فأنك أذا لا تستطيع معاقبة من يتزوج من الفتاة القاصر (خصوصا أنك بوسط مجتمع ديني بالكامل ويرى جواز هذا الفعل شرعا) فأقل ما يتوجب عليك فعله هو ضمان حق الفتاة قانونيا.)
أعتقد أن هذا الرأي للصديق يعكس التعقيدات والغموض الذي أحاط بالموضوع، ولكننا نفهم منه أن سن الزواج في التعديلات بقي هو نفسه 15 عاما، ولكن هذا استثناء لذوات القابلية البدنية في هذا العمر، بموجب تعديل سنة 1987. وثانيا فالقول بأن هذه التعديلات تحل مشاكل (القاصرات اللائي كنَّ يتزوجن خارج القانون ويبقين بدون عقد زواج في المحكمة حتى بلوغهن السن القانونية) هو امر تفصيلي لا يجوز أن يعدل القانون الذي يطبق على الجميع بهذه الطريقة لضمان حقوق أقلية متضررة بل يمكن ان تضاف فقرة استثنائية خاصة بهن لتنصفهن مع قطع دابر زواج القاصرات بواسطة القانون العام.
أما تبرير أو تفسير التعديلات بالقول (فأنك أذا لا تستطيع معاقبة من يتزوج من الفتاة القاصر (خصوصا أنك بوسط مجتمع ديني بالكامل ويرى جواز هذا الفعل شرعا) فأقل ما يتوجب عليك فعله هو ضمان حق الفتاة قانونيا) ...) فقد يفهم منه معالجة حدث غير قانوني وغير مشروع بنص قانوني لأسباب اجتماعية أو نفسية ...الخ وهذا لا يجوز وإلا تحولت القوانين الى مسرح لتعديلات استثنائية وغير شرعية أو تعالج مشاكل غير قانونية لا تنتهي. وفي حالات كهذه ينبغي للدولة أن تقوم بدورها خصوصا وإن من يتزوجون القاصرات أقلية لا تكاد تذكر وهي تقوم بذلك بعيدا عن الدولة والقانون وإذا أردنا دولة عصرية وعادلة فلا يجب أن السكوت على هذه الممارسات ولكن لا يجب جعلها قضية كبرى وهذا ما يهدف إليه التحريميون والتكفيريون من جميع الديانات والطوائف بهدف ضرب مشروع التنوير والدولة المدنية وحقوق الإنسان.
وأخيرا فإن مشروع الدولة الدينية في العراق أو في الأقل ضرب الإنجازات المدنية والتنويرية في القوانين العراقية لم يبدأ بالأمس القريب بل بدأ أشهر قليلة بعد الغزو الأميركي للعراق وبالضبط في يوم 29 كانون الأول ديسمبر 2003 الذي شهد إقرار مجلس الحكم الذي شكله المحتل وكان برئاسة الرئيس الدوري بالتناوب عبد العزيز الحكيم يومذاك، القرار 137، والذي نص في مادته الأولى على ( تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فيما يخص الزواج والخطوبة وعقد الزواج والأهلية وإثبات الزواج والمحرمات وزواج الكتابيات والحقوق الزوجية من مهر ونفقة وطلاق وتفريق شرعي أو خُلع والعدة والنسب والرضاعة والحضانة ونفقة الفروع والأصول والأقارب والوصية والإيصاء والوقف والميراث وكافة أحكام المحاكم الشرعية (الأحوال الشخصية) وطبقا لفرائض مذهبه. وتنص الماد 2 من هذا القرار على الاتي (إلغاء كل القوانين والقرارات والتعليمات والبيانات وأحكام المواد التي تخالف الفقرة 1 من هذا القرار).
ها هو مجلس الحكم الذي نصَّبه الاحتلال الأميركي يعود اليوم ولكن بقناع مجلس النواب العراقي!
وافر احترامي لجميع السادة والسيدات الذين واللائي اقتبست كلامهم وآراءهم في منشوراتي حول هذه القضية الخطيرة.