افول الغرب و-العملية السياسية- الثانية (1/3)

عبد الامير الركابي
سارت المروحة الصاعدة منذ نهايات القرن العشرين، وانهيار احد اقطاب الغرب، ممثلا بالاتحاد السوفياتي،/ هذا التصنيف مصمم من وجهة نظر "مابعد غرب"، لاليبراليا وغربيا، ولا وفق مايعرف بالموقف الاشتراكي، المعتبر مضادا/.. الغرب واحد بتلونات، والانقلاب الكوني المتواصل، بالاخص في احدى محطاته، ومواضع تبلوره، العراق، الذي لم يحظ الى اليوم بما يستحق من التنويه، المعادل لفعاليته، ومركزية حضوره ( اطلق احد كتاب الاعمدة الكبار في الصحافة الامريكية، تعبير "صندوق باندورا"، على الغزو الامريكي للعراق، تعقيبا على حالة وظروف انتخاب ترامب، وملابساتها، مشيرا الى مايقترب من بدايات سقوط قيم الجمهورية، كما حدث للامبراطورية الرومانية، يوم استمرت الامبراطورية، وماتت قيم الجمهورية. الغريب ان المس بيل، في رسالة لها مبعوثة عام 1920، شبهت حال الجيش البريطاني، ابان ثورة "مجتمع اللادولة العراقي" في ذلك العام، بما يذكر بانهيار الجمهورية الرومانية : لماذا يوحي العراق، الذي علم العالم مفهوم "الامبراطورية" منذ 24 قرنا، قبل الميلاد/ سرجون الاكدي وقتها اول من قال في التاريخ: "انا حاكم زوايا الدنيا الاربع"/ ، لماذا يوحي للغربيين، كلما تورطوا فيه، بقرب سقوط الامبراطوريات، مع ان مايفعلونه ليس خاضعا لارادتهم، ولايملكون في الغالب ان لايتورطوا فيه؟ ـ وكانه قدرهم او انهم لايصدقون انهم يعتلون قمة القوة والجبروت، الا اذا امتطوا هذا الحصان الجامح، كما اسمته "الايكونوميست" البريطانية يوم 9 شباط ،1963، مهللة مع كل مستلزمات حضارة حقوق الانسان، لعودته "الى حظيرته"، في الوقت الذي كانت البلاد تسبح وسط بحيرة من الدم، وقتل الحلم.
فالله هو من امر بوش بضرب ارض مابين النهرين، هكذا صرح رئيس اكبر دولة علمانية في العالم، وكرر في مكالمة له مع جاك شيراك، رئيس جمهورية فرنساالقول : "نحن ذاهبون لمقاتلة جوج وماجوج في بابل"، ماكان كافيا لاصابة الرئيس الفرنسي بمايشبه الصاعقة، فازاح سماعة التلفون عن اذنه، ليتاكد بانه يستمع بالفعل لرئيس الولايات المتحدة الامريكية؟؟ كانما النهايات في قصة الامبراطوريات، من الاسكندر الذي جاء ليموت في بابل، لاتكف عن ان تتكرر وصولا الى ترامب، وقبلة تشرشل، الذي صرخ مع نبأ ثورة 14 تموز 1958" ياله من متمرد ناكر للجميل"، ونهض من كرسية يبحث عن خارطة العراق ليتامله.
لم يتوقف " صندوق باندورا" عن العمل منذ 2003 الى اليوم، تمثلت عجائبه بداية، مع فهاهة وابتذال مالئي الفراغ، المعلقين مابين الارض والسماء، من دون مبرر ولااساس من نوع مايجعل وجود الدولة في العراق ممكنة، كما الحال مع نظام صدام حسين اخر الابتداعات، الذي ازيح بقوة الدافع الكوني المضمر ،على يد امريكا وريثة الغرب المنهار، بعد الحرب العالمية الثانية والمتحول الى عالم مغلق بلا افق، ظانة وهي تعلن على لسان بوش الاب "النظام الدولي الجديد"، انها بالفعل كسبت الجولة، وان " التاريخ انتهى"؟؟؟؟؟ وختم.؟؟؟ بينما كانت وقتها تنكر انه تعداها، وان ماتفعلة من خزعبلات "الفوضى الخلاقة " و "الشرق الاوسط الكبير" وعاصمته بغداد، حيث اكبر السفارات في التاريخ / كان المفترض ان تكلف 6 مليارات، وتكون مقرا لسفير امريكي، هو الرئيس الامريكي رقم 2 ،وريث هارون الرشيد الذي تمتد سلطته من حدود الصين، الى المحيط الاطلسي، ليمارس مهمة صد الخطر الصيني الشرقي، ويمازج النفط العربي، بالتكنولوجيا الاسرائيلية، بوساطة امريكية، ماكان يعني ابتداعا لامبراطورية رديفة / تأخذ اوراسيا مجددا، الى المجال الغربي الراسمالي وتكرسه.
لم يكن احتلال العراق وتدمير دولته/ الحديثة / على يد الغرب، بعد 82 من اقامتها على يد الغرب نفسه، من خارج النصاب الكياني المجتمعي، كاداة تأمين اندراج العراق ضمن السقف الغربي، ( دولة و/ايديلوجيا)، عملا احتلاليا عاديا، بقدر ماكان انقلابا في اشتراطات ومقتضات الكونية الغربية، ضمن ظروف انقلاب وتحول تاريخي كوني، افتقد خلالها الافق التصوري الاستراتيجي، واختلطت مقوماته ومرتكزات، فكان غياب الاتحاد السوفيتي، بجانب ديناميات الصين المتصاعدة، واستمرار موت اوربا السريري، وعجزها عن بلورة اي صيغة من صيغ العودة للحياة والفعالية، قد وضع الولايات المتحدة خارج الاطار الذي حكم صعودها خلال القرن الامريكي / العشرين/، ومع افتقادها الحالي للمبررات التي تزكي تفردها، بعد اختلال الركائز القطبووية عالميا، تولدت مضمرات العجز امام المستجد المختل المصمم وفق مقتضيات صراعية بعينها، ماحفز وبعجالة مرتبكة، حاسة اعادة صياغة شكل الهيمنه، ضمن اشتراطات مضعفه لكل اشكال الهيمنه القطبية والراسمالية الامبرالية.
لم يسقط الاتحاد السوفياتي لوحدة، لصالح الغرب المنتصر، كما اريد اقناع العالم وقتها، بينما الغرب وقائدته الولايات المتحدة الامريكية، تستشعر الانهيار في عقر دارها، وتبدو مضطربة وعاجزة، وماخوذه لتهويمات مضحكة، وخرافية، وصولا لاستعارات توراتية، ونزوع للعودة الى الاصل، الى الحضارة الاولى الام، والى الموضع الذي منه وبعد انهياره الاقرب، بدات خطى انتقال الفعاليّة الحضارية بعد القرن الثالث عشر وسقوط بغداد 1258 الى الغرب.
ليس لدى العالم في اي من مراكز صناعة تصوراته الاساسية اليوم، من رؤية مقرة الى الان، ومايزال العالم منذ انتهاء القطبية، ينتظر تبلور وتشكل الرؤى المنتمية لعالم مابعد الغرب، والغريب ان لايكون "شبينغلر" قد ظهر اليوم، ولا حتى "تومبي"، لكي نسمع صوت الجلجله كما دوت عند بدايات القرن العشرين، قرن كارثة الغرب الكبرى، ونهاية وانسداد المشروع الغربي، بالايديلوجيات القاتلة المتحولة الى نظم، والحروب التي صفت عدا الخراب الروحي النفسي للكائن البشري، مايزيد على 70 مليون، معلنه بربرية المشروع الحداثي، خصوصا اذا مااضيف لماقد انتهت اليه اوربا، منذ عقلانية القرن الثامن عشر، فصل ابادة 70 مليون من سكان امريكا الاصليين على يد غزاة ( برابرة) ، كان البوريتانيون في مقدمتهم يرفعون شعار بناء "مدينه على جبل"، مكررين نغمة الطرد الابراهيمي/ العراقي، تحت راية الله الواحد، ومكرسين حقيقة بدء آخر، ودوران للزمن، يمحو ماقبله، ويسحقه. مادام من الممكن ان يذكره بانه متبع لامبتدع، وان ذلك المكان المسمى ارض مابين النهرين، مازال يحمل بين ضلوعه السر الكبير.. الاكبر.
في القرن السابع عشر، صارت امريكا موجودة كبداية بعد قرن الهجرة والفتح، او المنفى، وفي القرن السابع عشر، عاد العراق الى التشكل من جديد، مستأفا دورة حضارية جديدة، هي الثالثة بعد الاولى : السومرية البابلية، والثانية العباسية القرمطية، مع ظهور اولى الاتحادات القبلية في سومر الحديثة "المنتفك"، بعدما اخذت بالتراجع مفاعيل دورة الانقطاع الحضاري الملازمة لايقاع التاريخ العراقي، المتناوب بين الدورات، والانقطاعات ( الانقطاع الاول استمر بين 539 ق ـ م الى 636 م والثاني من 1258 / الى القرن السابع عشر) ومن يومها والعالم ينقلب في العمق، انقلابا مستعصيا على الطاقة العقلية المتاحة، اللازمة والمؤهلة لاعقاله، بفعل خاصيته الدهرية، ماظل يتيح للغلبة التصورية الغربية، الاستمرارية على راس التصور البشري للعالم والحياة والمجتمعات، وحركة التاريخ.
يوم جاءت الولايات المتحدة الى العراق عام 2003 ،وقبلها عام 1991 ،كانت القارتان الجديدتان، ( المقصود العراق بدورته الحضارية الراهنة، والقارة الامريكية المكتشفة في نفس القرن) المطلتان على العالم ما "بعد غرب"، تتصادمان متبادلتين المواقع: امريكا المتراجعة لحين اعلان بريجنسكي، اذكى الاستراتيجيين الامريكيين، واكفاهم، مع غيره من كبار الاستراتيجيين، قرب افول الامبراطورية الامريكية. والعراق الاصل، الذي خلعت عنه، حلته الثقيلة، التي ركبت فوقه منذ عام 1921، ومعها الطور الثاني من دولة الغرب / الحزبية العقائدية/ ( تجلى الغرب الحديث كقوة اخضاع لمابين النهرين، باسم الحداثة في صفين متتابعين من الجماعات ـ "الشريفيون"، او من يطلق عليهم هذا الاسم، وشكلوا العمود الفقري لدولة 1921/ 1958، والايديلوجيون، الماركسيون، والقوميون، والليبراليون، والذين يجسد نظام البعث 1968 / 2003 قمة ممكنات تحقق افكارهم، وفق ما يتلائم مع واشتراطات الاندراج ضمن سقف القطبيه الدولية السائدة وقتها، وحضورالعراق البنيوي). 
ـ يتبع ـ

Tags