سبي القاصرات بالقانون

د.خليل الجنابي

إنهض أيها الجواهري الكبير لترى بأم عينيك المهانة التي تتعرض إليها المرأة العراقية، وأنت القائل فيها :

إنّـا وكلّ جهـودنـا، للخير رهنُ جُهودِهنّه

وحدودُ طاقات الرجـالِ لصيـقـةٌ بحدودِهنّه

وصمودُنا فـي النائبـاتِ مَـرَدّه لصمـودهنّه ..

التضحيـاتُ الغـرّ صنــعُ شُموخهِنّ وجُودِهنّه

إنهضوا أيها الشعراء الأفذاذ معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي حيث كنتما من المتنورين الذين وقفوا إلى جانب المرأة لإخراجها من سباتها إلى النور ولتتيقنوا أن هناك الكثير من الرجال والنساء الذين يضعون البرقع فوق المرأة لمنعها من رؤية النور لتطالب بحقوقها المهدورة، وأن عهد الحريم يُعاد إحياؤه من جديد .

إنهضي يا نزيهة الدليمي يا طبيبة الفقراء والمعدمين حين تصدرت أول وزيرة في العالم العربي والشرق الأوسط وساهمت في وضع (قانون الأحوال الشخصية المرقم ١٨٨ لعام ١٩٥٩)، لترين أن مقولة (القبر ولا المدرسة) بالنسبة للفتاة أصبحت تتداول بين المسؤولين .

 إنهضي يا فتاة جسر الشهداء (عدوية الفلكي) التي سقطت برصاص شرطة النظام الملكي وأنت تهتفين ضد معاهدة بورتسموث وتقودين الجماهير لإسقاط هذه المعاهدة المذلة .

 إنهضن … يا رائدات الحركة النسوية صبيحة الشيخ داود، فهيمة داود، مديحة توفيق لطفي، صفية واصف عزب، مديحة صالح، فكتوريا نعمان، مريم لزمة، نازك الملائكة، عفيفة رؤوف، روز خدوري، عفيفة البستاني، أمينة الرحال، سعدية الرحال، نظيمة وهبي، عاتكة وهبي الخزرجي، سافرة جميل حافظ، نزيهة سليم، لميعة عباس عمارة … إنهضن من أجل الوقوف بوجه الردة الرجعية التي تريد من المرأة أن تكون مسخاً ليس لها حول أو قوة ولا دور لها في الحياة والمجتمع وإعادتها إلى العصور الغابرة التي كانت تؤد بها البنات خوفاً من العار .

لكن لا تأبهن يا نجومنا المتلألأة، ولتناموا قريرات العين  فلكن حفيدات وفيات لأفكاركن المشعة، وهن من يحمل مشاعل النور دون هوادة، ولم ولن تخلوا منهن ساحات التحرير في كل شبر من أرض الرافدين، مدافعات أمينات عن حقوقهن وعن قضايا الشعب الوطنية .

إن اجتماع مجلس النواب العراقي يوم 31 -10-2017 واصداره تعديلات تخص قانون الاحوال الشخصية المقر في 1959، مستندا الى طلب تعديل القانون المقدم في 2016 من قبل المجلس الاعلى الاسلامي (إن اهم ما جاء في تعديلات قانون الاحوال الشخصية هو اعطاء رجال الدين الحرية الكاملة بالتصرف في قضايا الاحوال الشخصية وحسب المذاهب التي يعتنقونها بعد ان كانت هذه الامور بيد القضاء العراقي) . إن هذا يعني تحجيماً غير مسبوق للقضاء العراقي يؤدي إلى هيمنة رجال الدين ومشايخ المذاهب المختلفة وبالتالي ضياع هيبة الدولة والإبتعاد الكلي عن مقومات الدولة المدنية الديمقراطية التي ننشدها لوطننا .

هل هناك حياء أو خجل لمن يفكر بتزويج البنات القاصرات والأولاد الصغار الذين لا تتجاوز أعمارهم ٩ - ١٣ سنة، هذه الأعمار التي لا زالت تحمل الدُمى وألعاب الأطفال الأخرى وزجها في متاهات الحياة الزوجية التي لا يفقهون منها شيئاً . أي عُرف أو شريعة إنسانية لها الحق في إستباحة حلم الطفولة، وأي قوانين وضعية لها الحق في طعن الطفولة وتلويث صفائها ونقائها .

السيدات والسادة في مجلس البرلمان العراقي الموقر يا من بصمتم بأصابعكم العشرة بأنكم ستكونون عوناً لشعبكم لا ضده وأقسمتم اليمين على أن تجعلوا الوطن نصب أعينكم، وأن تعملوا على (صيانة الحريات العامة والخاصة، وإستقلال القضاء والإلتزام بتطبيق التشريعات بأمانة وحياد .. والله على ما أقول شهيد) .

أين أنتم من هذه الإلتزامات القانونية والشرعية والأخلاقية حينما أقسمتم بالله العلي العظيم (أن تؤدوا مهامكم ومسؤولياتكم القانونية بتفان وإخلاص) . إنه الحنث باليمين ليس إلا وستحاسبون عليه أمام التاريخ .

أين أنتم من الدستور العراقي وإستناداً إلى المادة ١٤ منه والتي نصت على أن (العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو الدين أو المذهب).

إن موقفكم هذا يشكل خطراً على صلاحيات القضاء ويتعارض مع إلتزامات العراق الدولية وأهمها إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، وإتفاقية حقوق الطفل والإعلان العالمي لحقوق الإنسان .

لقد حققنا إنتصارات عسكرية على جيوش الدواعش في كل شبر من أرض عراقنا الحبيب، لكن في الجانب الآخر مع الأسف هناك تراجع إلى الوراء وعودة إلى الأفكار الداعشية وتغذيتها، وهل هناك خلاف بين ما يُطرح الآن من شرعية تزويج القاصرات وبين ما فعلته داعش حين إستباحتها لمدننا وإجبار الفتيات الصغيرات من الزواج القسري لمقاتليه، وهذا ما طبقوه على كل النساء صغيرات وكبيرات وسبايا الأيزيديات ومن الديانات الأخرى أكبر دليل على ذلك .

إن التأريخ سوف لن يرحم من يعمل على إعاقة المجتمع وتقدمه وتطوره وإعادته إلى القرون الوسطى .

المثف