دراسة فكرية تحليلية لوعد بلفور

بكرالسباتين

كيف جاء.. وما علاقة ذلك بالكولونيالية .. وهل أصاب إدوارد سعيد بتوصيف مفهوم المحتل أم كان بلفور على حق!

هل العرب همجيون كما يرى بلفور والمحتفون به!!!!؟

هل هو حنين بريطاني لزمن الاستعمار أم هي رسالة للكيان الإسرائيلي تثبت أبوة الإنجليز لكيانهم الطارئ والذي لا يتجاوز وجوده المعنوي وزن رسالة بسبع وستين كلمة تتمثل بوعد بلفور الشهير الذي منح اليهود وطناً قومياً لهم! أم هو عودة إلى الحراك العالمي الذي أشعله كتاب الاستشراق للمفكر الفلسطيني الأمريكي العالمي الأستثنائس، البروفسور إدوارد سعيد، صاحب مصطلح الكولونيالية الذي قال بدور الاستشراق في التمهيد للاستعمار، وعلى رأسهم أحد مرجعياته المتمثل ببلفور، وزير خارجية بريطانيا زمن الانتداب البريطاني لفلسطين المحتلة، الذي كان له الدور الريادي برفد الكولونيالية بتطبيقاتها التاريخية على أرض الواقع، وذلك بترسيخ صورة دعائية قبيحة للعربي في فلسطين حتى يتسنى للمستعمر دخول المنطقة كفاتح لها ومحرر لأهلها الهمجيين من قيود الجهل والتبعية للسلطات المضللة في نظرهم ذات التوجهات المنبعثة من الفِكرَيْن، القومي والديني، وخاصة الإسلامي بعد خروج الأخير من العباءة العثمانية، وهي سلطات فكرية تبنتها الأحزاب في فلسطين وانتشرت في المجتمع الفلسطيني على إثر خروج تركيا مهزومة من الحرب العالمية الأولى لتذهب المستحقات المعنوية إلى سيادة الموقف البريطاني على الرواية التاريخية كونه المنتصر، ومن ثم إعادة تكوين تلك السلطات وفق الرؤية الإنجليزية من باب التواصل عبر المصالح الإثنية تحت مظلة الانتداب على قاعدة إن لم تكن معنا فأنت عدو تجب محاسبتك.. ومقابل هذه الصورة (الظل) تُظْهٍرُ الدعاية البلفورية أشداقَ الذئبِ المكشرِ عن أنيابه كابتسامة المنقذ الذي تكبد مشقة المجيء إلى أرض ليست له؛ ليطهرها من الجهل والأبلسة، فيحول هذه الأرض الجدباء إلى جنة وسط اليباب العربي من خلال كيان جديد إسمه"إسرائيل" ومن ثم ترسيخ هذا المبدأ المقلوب عبر الأكاذيب في العقل الغربي الذي هو الأهم بالنسبة للمستعمر ورجالاته.. حيث ستتحول البندقية بالتالي إلى جالبة للحرية والديمقراطية!خلافاً للحقيقة التي تكشفت أوراقها للجيل الغربي الجديد عبر الفضاء المفتوح، بما يتوافق مع رؤية إدوارد سعيد في أن الغرب الذي زرع الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي إنما فعل ذلك من باب تأمين كيان وظيفي لحماية المصالح الغربية وقد جاءت الأسطورة التوراتية لتمثل حصان طروادة للصهيونية كي تقيم مستعمراتها في فلسطين وتنظم أبناءها في العصابات الصهيونية التي طردت أصحاب الأرض بالقتل وبقوة وعد بلفور المشئوم وبمساندة لوجستية مفتوحة من قبل دولة الانتداب الماكرة!

فما هو المغزى من احتفال بريطانيا المقبل بصدور وعد بلفور، هل ذلك ليقال بأن مذهبهم الاستعماري عبر التاريخ الحديث إنما جاء على غير ما شخصه إدوارد سعيد في الكتاب الذي يعد على صعيد العالم من أكثر الكتب تأثيراً، ليثبت الخصوم بأن رؤيتهم صائبة وبلفور كان على حق فيما يتعلق بنمطية الشخصية العربية المحصورة في الهمجية، والتبعية والانقياد ورفض الآخر وعدم جاهزيته لاستقبال التجربة الديمقراطية وكونه أيضاً يحمل مكونات الإرهاب في جيناته على اعتبار أنه مسلم يتبع إبليس في كل سلوكياته!؟ مستدلين على ذلك بظهور داعش ومثيلاتها من المنظمات التي صنعت في مختبرات البنتاغون الأمريكية لتباغت الغرب في عقر داره بسلسلة عمليات إرهابية كما حدث في نيس الفرنسية!؟

هذا ما سنتبينه من الخبر التالي ومقاربته برؤية إدوارد سعيد الذي سلبت بلاده فلسطين عام 1948وخاصة مسقط رأـسه القدس بينما كان طفلاً على مقاعد الدراسة بالقاهرة ليتنقل ما بين بيروت وأمريكا التي تبوأ فيها مكانة مرموقة بين الأساتذة التاريخيين في مجال الاستشراق والنقد الأدبي والموسيقى من خلال أبحاثه ومقالاته وكتبه، وتبوئه مقعد الأستاذية في النقد الأدبي في جامعة كولومبيا،، وسوف نطرح أسئلتنا عن مدى انسجام ما ذهبت إليه بريطانيا في تجهيز مجلس العموم للاحتفالات بالمئوية المشئومة عربياً وإنسانياً مع الموقف البريطاني الجماهيري الذي يدين بالأصل دور بريطانيا في ضياع فلسطين بعد تحول العالم إلى قرية صغيرة بفعل الفضاء العالمي المفتوح!؟

يقول الخبر بأن بريطانيا تحضر للاحتفال بالمئوية الأولى لصدور وعد بلفور المشئوم، وهو وعد من لا يملك لمن لا يستحق، حيث منح وزير خارجية بريطانيا بلفور عام ١٩١٧ وعداً من سبع وستين كلمة بمنح أرض فلسطين الواقعة تحت الانتداب البريطاني، لليهود القادمين إليها من أنحاء العالم..

هذا الوعد كان قد اعتبر الفلسطينيين أقلية متخلفة ما استوجب من المستعمر البريطاني جلب الحرية إليهم، وحمايتهم من أنفسهم، وتعويدهم على الحرية في ظل الدولة اليهودية الموعودة، خلافا للحقيقة التي كانت تجهلها الشعوب الغربية طويلا ، إلى أن أميط عنها اللثام مؤخراً وتكشفها عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتثبت للقاصي والداني بأن فلسطين آنذاك كانت مزدهرة في كافة المجالات، بل ويسكنها شعب متحضر، ويقيم في مدن كانت من دُرَرِ شرق المتوسط، لكنها الكولونياالية الاستعمارية وما بعدها، التي وصف من خلالها إدوارد سعيد دور الاستشراق في التمهيد للاحتلال وتحسين صورته من خلال تطهير الأرض من سكانها الأصليين وطمس هوية الضحية وقتل شخصيتها المعنوية، وهو مصطلح أتى به سعيد الذي ولد قبل عام النكبة بأربع سنوات، وانتهت به عصاميته ليتبوأ مكانة عالمية في نطاق الفكر الإنساني والسياسي والاستشراق، وخاصة دوره في إرباك العقل الغربي من خلال دراسته المتفردة لتاريخ القضية الفلسطينية ونشر رؤيته على صعيد العالم الغربي لقوة منطقة وامتلاكه لأدواته النقدية وتمتعه بمعرفة عامة واسعة وعميقة وتقنيات ذات مجسات حساسة، وبالتالي تعميم نظريته التشخيصية للاستشراق حيث تطرق فيها إلى أحد أهم المرجعيات الاستشراقية المتمثلة ببلفور، وكيف مهد هذا الداهية - كما قلنا في صدر هذا الموضوع- لاحتلال فلسطين من خلال جهوده كوزير خارجية بريطانيا، ورؤيته الاستعمارية القائمة على تشويه الصورة النمطية للعرب الفلسطينيين وبالتالي تبرير منح اليهود وعد بإقامة كيان يهودي وظيفي يكون من شأنه حماية مصالح الغرب، والمساهمة في شرذمة الوطن العربي؛ للهيمنة عليه اقتصاديا، واستنزاف طاقاته، حتى لا تقوم له قائمة، فيما تسخر الصهيونية من جهة أخرى قوة الأسطورة التوراتية لتبرير احتلالها لفلسطين على المستويين الثقافي والسياسي، فالصهيونية فكرة قومية صنعها العلمانيون والاقتصاديون اليهود في بال بسويسرا نهاية القرن التاسع عشر، لكنها جاءت لتحتل فلسطين بقوة الأسطورة التوراتية التي ما زالت تمد هذا الكيان بطاقة البقاء.

وينبغي أن نفهم في ذات السياق كيف أن الوعد الذي سلمه بلفور لليهودي البريطاني روتشيلد أحد مؤسسي الصهيونية وأحد أعمدة الاقتصاد العالمي آنذاك، قد دُمِغَ بختم التاج البريطاني، وخلافاً للأكاذيب والدعايات التي أحاطت به؛ فقد جاء ليمثل - في حقيقة الأمر- رؤية فكرية سياسية استعمارية عكست مدى الدهاء والمكر البريطاني الاستعماري، متمثلاً باعتماد وعد بلفور على الصورة النمطية المشوهة التي رسخها المستشرقون في العقل الغربي إزاء العربي الفلسطيني الذي انتزعت منه أرضه بالقوة، وإن اليهودي (وهو بدون أرض) كأحد ضحايا الحرب العالمية الثانية، والذي حرره الحلفاء وعلى رأسهم بريطانيا من أفران الغاز النازية بما يعرف بأكذوبة الهولوكست (التي شكك بها المفكر الفرنسي الراحل روجيه جارودي) ليستغل طاقاته وعبقريته الخلاقة في استعمار فلسطين على اعتبارها وطناً قومياً له، وموعداً مع الرب في أسطورة أرض الميعاد علاوة على ذلك، كونها أرضاً بلا شعب.

هذا هو وعد بلفور الذي ما زلنا نعاني من تداعياته في مرحلة ما بعد الكولونيالية الاستعمارية، إذ يقول إدوارد سعيد في كتابه الأشهر الاستشراق أن "هناك مصطلحات كثيرة وردت في أقوال بلفور وكرومر والكثير من الكتاب الأوربيين عبرت عن العلاقة بين الشرق والغرب مثل ( الشرقي لا عقلاني فاسق طفولي متخلف، وبالمقابل فإن الأوربي عقلاني، متحلٍّ بالفضائل، ناضج سويّ".

أما كرومر الذي مثل مع بلفور أهم المرجعيات الاستشراقية، فقد قال "بأن الفتح الغربي للشرق هو حرية " وهذا يعني بأن الكيان الصهيوني هو الضامن لها، ولأن التاريخ يكتبه المنتصر، فقد تم تجاهل المجازر التي اقترفها الكيان الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، في الدوايمة ودير ياسين ويافا وعكا وكفر قاسم وصولاً إلى مخيم جنين وغزة والانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة، هذه الجرائم الصهيونية التي حصدت مئات الألوف من الضحايا الفلسطينيين، ومن ثم بناء خطاب ما بعد الكولونيانية الذي يروج لرؤية المستعمر بالدفاع عن مكتسباته المادية والمعنوية، الخطاب القائم على تزوير الحقيقة وتسويق الكيان الإسرائيلي كضحية تتكالب عليها الشعوب العربية الهمجيةPليتخذ الخطاب بعداً استشرافياً بعد ثورات الربيع العربي باتخاذ الكيان الصهيوني حليفاً استراتيجياً ضد العدو المشترك الذي أنتجته أمريكيا، وداعماً لوجستياً لدول الاعتدال العربي لتخريب المنطقة ومن ثم إعادة ترتيب الشرق الأوسط الجديد الذي يتقبل هذا الكيان كضامن للأمن القومي العربي.

أن الصورة النمطية المشوهة عادت الآن لتصور العربي بأنه إرهابي، وكأن الحكومة البريطانية تريد من خلال الاحتفال بمئوية صدور وعد بلفور، تحت قبة مجلس العموم ، ترسيخ فكرة أن الكيان الإسرائيلي نجح لأن يكون الضامن لمصالح الغرب في الشرق الأوسط، والمهيمن عليه اقتصاديا، وكما قال بلفور قبل مائة عام خلت، بأن رأي الأقلية العربية في فلسطين، لا يساوي شيئا مقابل الرأي الغربي بما فيه الصهيونية ويمكن تجاهله وطمسه بسهولة، وهذه قمة الرعونة والاستعلاء للروح الاستعمارية التي ما زالت تحرك طموحات السياسيين في عموم الغرب وخاصة الحكومة البريطانية ومفكري اليمين في بريطانيا، أصحاب الأنا الجمعية المتفوقة بين القوميات الأوربية الأخرى.

إن الانفتاح على العالم من خلال الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، والشبكة العنكبوتية، وغيرها؛ أعاد تشكيل الوعي الجماهيري الأوربي، خلافاً لرؤى حكوماتهم ذات النفس الاستعماري غالباً.. ، لذلك تجتاح أوروبا اليوم ظاهرة مقاطعة البضائع الإسرائيلية من قبل الجماهير الأوربية، وخاصة البريطانيين، الذين دمجهم الحوار الموازي عبر الفضاء المفتوح مع قضايا الآخر وخاصة القضية الفلسطينية، وكان يكررها لي كثيراً أحد الأصدقاء الأستكلنديين بأنه صدم كبريطاني يؤمن بالحرية بأن بلاده الأعرق بين الديمقراطيات في العالم الحر، شاركت بجريمة اقتلاع الشعب الفلسطيني من وطنه ومنحه مجاناً للعصابات الصهيونية بعد اقتلاع صاحب الحق من أرضه، من هنا يمكن أن نفهم أيضاً ذات الظاهرة من خلال رفع مئات الأعلام الفلسطينية في المباريات الإنجليزية من قبل الشباب البريطاني المنفتح على المعلومات المفتوحة على كافة الاتجاهات التي يتفاعل معها العالم .

فوعد بلفور تحول إلى ثغرة في الضمير البريطاني لأنه تجاوز كل مبادئ حقوق الإنسان! وبدلاً من طمس معالمه أو محاربته كونه يمثل تاريخ بريطانيا الاستعماري تقوم المملكة المتحدة ممثلة بالحكومة والبرلمان والمفكرين المؤيدين للكيان الإسرائيلي -وأخشى حضور بعض الشخصيات العربية-  بالاحتفال بمئويته!

هذا هو العقل الاستعماري الغربي الذي يبخس بنا! فهل نحن حقاً أمة منقادة ولا رأي لها كما يقول بلفور والمحتفين بوعده المشئوم! الرد مرهون بمواقفنا للتعبير عن رفضنا لهذا الاحتفال ولو بكلمة.

المثقف