حول الدولة والدين، أو نظام الحكم والمرجعية وتعديلات قانون الأحوال الشخصية

علاء اللامي

بمناسبة الحديث عن تعديلات حزب الحكيم المقترحة على قانون الأحوال الشخصية: أعتقد أن المبدأ الرئيس الذي يحكم أية معادلة في شأن العلاقة بين الدولة والدين هو اعتماد أحد الخيارين التاليين: فإما أن نكون مع مشروع دولة المواطنة المدنية التي ترفض دستوريا تدخل الهيئات والشخصيات الدينية بصفتها الدينية هذه (وليس بصفتها المشروعة كمواطن عادي) في الشأن السياسي العام، أو -وهذا هو الخيار الثاني-أن نكون مع مشروع دولة دينية كاملة أو جزئية تحكمها الهيئات ورجال الدين والمرجعية الدينية، على طريقة "دولة الخلافة الراشدة" أو "دولة الولي الفقيه". 
أما فتوى المرجع السيستاني للجهاد الكفائي فتدخل في باب الاستثناء والمراحل الانتقالية، فيمكن النظر مثلا إلى تدخله هنا وإصداره لهذه الفتوى بأنها حالة طارئة واستثنائية استدعتها ظروف قاهرة كانت فيها عاصمة الدولة والدولة كلها مهددة بالسقوط. أنا شخصيا كنت ضمن عدد من الزملاء الذين نظروا بنقدية الى تلك الفتوى في البداية لأنني رأيت فيها تحشيدا طائفيا لا يجوز ضمن ظروف استقطاب طائفي جاء به نظام المحاصصة الطائفية الرجعي، ولكن حين اتضحت تفاصيل المشهد الخطير لاحقا، وتشكل الحشد الشعبي، أعطيت الأولوية في جهدي الكتابي لدعم القوى التي تقاتل العصابات التكفيرية وبضمنها الحشد الشعبي والعشائري والبيشمركة. ولكنني لم أتخلَ عن النظرة النقدية السلبية للتدخل الديني في الشأن العام لقناعتي بأن وجود أية قوى إلى جانب قوى الدولة الشرعية أمر مضر وله سلبياته، ولكني وزملاء كثر معي خففنا من موقفنا النقدي للفتوى ولما نتج عنها وأصبح الأكثر أهمية هو سحق العصابات التكفيرية وانقاذ الناس منها دون أن ننسى أن الدولة نفسها والسلطة التنفيذية بقيادة المالكي مقصرة ومسؤولة عن كل ما حدث ويجب محاسبتها ذات يوم.... يتبع لمناقشة تداخل الديني والمدني وهل هو الحل أم مرحلة تاريخية للعبور؟

تداخل الديني والمدني ليس حلا بل مرحلة تاريخية اضطرارية: أما القول بأن المرجعية الدينة الفلانية تختلف عن غيرها بكذا وكذا من إيجابيات فهو كلام ذو منحى تبريري أو ترويجي. فالأصل هو موضوع التدخل المتكرر والزاحف والشامل على مشمولات الدولة والشأن العام والمجتمع، وليس الحكم على هذه المرجعية الدينية أو تلك بأنها أفضل من غيرها. تبقى مسألة أخرى وهي: هل يمكن لنا كعراقيين أن نجترح مرحلة انتقالية ونسخة عراقية من العلمانية تتلاءم مع خصوصيتنا المجتمعية؟ أعتقد بضرورة ذلك، ولكن ما يحدث الان ليس أكثر من محاولات تصدي مشتتة لحالة مد أسلمة الدولة، والهدف المعاكس لهذا المد هو تحقيق السيادة الحصرية للدولة العراقية الواحدة على جميع مواطنيها المتساويين بما يضمن لهم كافة حقوقهم. أما الأحوال الشخصية فهي يجب أن تكون عامة وواحدة لجميع المواطنين، ومن أراد مثلا أن يعقد زواجه على الطريقة الدينية فمن حقه القيام بذلك بمنتهى الحرية، ولكن بشرط أن يكون عقد الزواج المدني هو الرسمي والمعول عليه أمام الدولة وفيها. وهذا - بالمناسبة - ما تأخذ به أغلب الدول المعاصرة. أعود وأكرر ما قلته في تعقيب آخر وهو: لا بأس من التداخل الاضطراري بين الديني والمدني في أمور الأحوال الشخصية ضمن مرحلة انتقالية تكون فيها السيادة للدولة المدنية التي "يحلف الجميع باسمها" !. ثمة مثال لصيق بهذه الحالة هنا، ويمكن استلهامه ففي مصر، على سبيل المثال، ثمة حالة ووظيفة المأذون الشرعي الديني الذي يعقد عقود الزواج منذ أكثر من قرن، ولكن المأذون المصري ليس فقيها يقرر ويسن القوانين بل هو موظف تابع للدولة يقوم بوظيفة محددة وليست الدولة تابعة له ... إن ما يريده الإسلاميون الشيعة والسنة في العراق هو الأسلمة التدريجية للدولة أو المتاجرة الانتخابية بمحاولات الأسلمة الإعلامية وجعل رجل الدين والفقيه هو الأصل والمرجع الذي يسن القوانين والقرارات والأحكام القضائية في ما يتعلق بالأحوال الشخصية.... يتبع حول الخطيئة الأصلية في القرار 137 لسنة 2003.

الخطيئة الأصلية في القرار 137 لسنة 2003 : لقد بدأ هذا السعى لأسلمة الدولة العراقية وتطييفها "جعلها طائفية" منذ أن صدر قانون 137 في سنة الغزو 2003 عن مجلس الحكم سيء الصيت والسمعة، وبتوقيع عبد العزيز الحكيم رئيسه بالتناوب آنذاك. ولكن البعض ممن يزعمون معاداة التعديلات الرجعية للأحوال الشخصية لا يريدون أن ينظروا الى هذه الحقيقة! لماذا؟ لأنه من يمثلونهم من "تقدميين ومدنيين" كانوا قد شاركوا في استصدار القرار 137 الأسود ضمن المجموعة من الساسة وأشباه الساسة وغير الساسة الذين تطوعوا للعمل في خدمة الاحتلال ونظام المحاصصة الطائفية بحجة الحفاظ على " وحدة الصف الوطني"، وهي كانت في حقيقتها "وحدة صف حلفاء الاحتلال الأجنبي" والبعض من هؤلاء ينافقون اليوم ويحاولون طمس خطأهم وخطيئتهم الأصلية الانتهازية حين وافقوا على ذلك القرار في مجلس بريمر ويزعمون رفض التعديلات التي قدمها حزب عمار الحكيم اليوم بعد أن أيدوا القرار 137 الذي وقعه والده الراحل في الماضي القريب.

يزعم البعض من حسني النوايا أن الإسلاميين في البرلمان العراقي لا يريدون أسلمة الدولة عن طريق هذه التعديلات! ولكن هذه التعديلات تستبدل قانون الأحوال الشخصية 188 لسنة 1959 بالفقه المذهبي حسب مذهب المواطن و بما يفتح الباب واسعا أمام القوانين والتطبيقات المذهبية المختلفة والمتضاربة المهينة لكرامة الإنسان مرأة ورجلا بما يعيدنا الى تعديلات حزب الفضيلة اليعقوبي "تزويج القاصرات"، رغم أن هذه العبارة لم ترد حكما أو نصا في تعديلات الحكيم ولكنها ستؤدي مآلا وبالنتيجة إليه.
حسنو النوايا هؤلاء يقولون (ليست هناك أسلمة تدريجية للدولة العراقية لأن الدولة مدنية أصلا)، أو (لأن المرجعية العليا لا تؤيد الأسلمة وهي مع الدولة المدنية) كما يزعمون. هذا البعض -مع وافر الاحترام لنواياه الطيبة- يغالط نفسه ولا يريد أن يرى الواقع كما هو على حقيقته. إن تيار الحكمة الحكيمي "كبة الكبة" الذي قدم هذه التعديلات الرجعية والطائفية يدعو الى الدولة المدنية بل هو يزعم أنه "لبرالي 24 قيراط" فكرا وتوجهات، فهل هذا يعني شيئا؟ نعم، انه يعني إنهم منافقون، يقولون مالا يفعلون. إن ما يقوله الساسة والمسؤولون عن أنفسهم لا يعني أنهم هكذا في الواقع، فالجميع يدعو الى الدولة المدنية ولكنهم كلهم يساهمون في عملية سياسية اميركية قائمة الى المحاصصة الطائفية والإثنية.
ودستورهم الملغوم والذي لم يجرؤوا على تعديله دعت المرجعية النجفية نفسها الى التصويت عليه بنعم وتحمست له رغم أنه يقوم على أسس دولة المكونات الطائفية لا دولة المواطنة المدنية... إن إسلاميي السلطة يتاجرون بكل شيء حتى بشعارات الأسلمة وأعرف انهم ليسوا صادقين في دعواهم ... وإذا أمرهم الأميركي غدا بأن يتحولوا الى ملحدين أو وجوديين أو ماركسيين لتحولوا وأوجدوا لذلك أسانيد وحجج شرعية!! علما بأن دعاة المدنية والعلمانية الرسميين والمشاركين معهم في العملية السياسية ليسوا أفضل منهم وقد شاركوهم في إقامة نظام المحاصصة حجرا حجرا! إنهم يمزقون المجتمع العراقي بهذه التعديلات ويجب فضحهم والوقوف في وجوههم ورفض تعديلاتهم والدفاع عن قانون 188 وتطويره باتجاه تحرري أعمق وأنضج فهو الذي يضم أفضل ما موجود في جميع المذاهب الاسلامية وقد حمى المجتمع العراقي الذي كان يشهد الزيجات المختلطة المذاهب بكل هدوء ودون مشاكل طوال نصف قرن، حماه من التجاذبات والتمزق المجتمعي... فلماذا هذه المغامرات والمتاجرة السياسية؟ 
أختم بتسجل هذه الخلاصة: هناك مبالغات وتهويل إعلامي مضر جدا بخصوص هذه التعديلات من جانب رافضيها والمتحفظين عليها. وهذا ما قد يزيد من خطورة جعل هذه التعديلات أكثر سلبية ورجعية لاحقا، وسيكون من الأفضل والأكثر فائدة لهؤلاء المبالغين قراءة نص التعديلات قبل الكلام والكتابة حولها قراءة متمعنة. كما أن من الضروري أن يفصلوا بين ما ورد فيها نصا، وما يعتقدون أنها ستسمح به استنباطا إذا تم تمريرها في مجلس النواب بناء على ما ورد في تراث تلك المرجعيات الدينية وخصوصا في مواضيع الزواج والخطوبة وعقد الزواج والأهلية وإثبات الزواج والمحرمات وزواج الكتابيات والحقوق الزوجية من مهر ونفقة وطلاق وتفريق شرعي أو خُلْع والعدة والنسب والرضاعة والحضانة ونفقة الفروع والأصول والأقارب والوصية والإيصاء والوقف والميراث وكافة أحكام المحاكم الشرعية (الأحوال الشخصية). فهذه الأمور وخصوصا "زواج القاصرات" لم ترد في نص التعديلات المقترحة بل وردت في تعديلات حزب الفضيلة المهمل الان، وهي إذن مما يعتقد البعض بأنها ستكون قابلة للتطبيق بما يوجبه رأي الفقيه والمرجع الديني. أعتقد أن علينا جميعا أن ننأى عن المبالغات والتهويل ونلم ما أمكن بتفاصيل ونصوص الموضوع لنكون واضحين وصادقين مع العراقيين والعراقيات.