مساحة القانون المدني في إطار الشرع الديني – قانون الأحوال الشخصية مثالاً

صائب خليل
ما الذي يسمح لنا الدين بتشريعه مدنياً وما الذي لا يسمح به؟ أثير هذا السؤال بكل قوة في الجدل الأخير حول تعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي 188 لسنة 59. وكان هناك تساؤل عام عن حدود التعامل بين القانون والشرع خاصة وان الدستور العراقي يشير إلى تلك العلاقة بشكل قد لا يبدو واضحاً لدى البعض. فهل “يفرض” علينا الشرع "السماح" بزواج بنت التاسعة مثلا؟ وهل يستطيع المشرع منع ذلك الزواج دون أن يكون مخالفا للشرع، وبالتالي للدستور؟
لن اناقش هنا مشروع القانون المذكور، وربما اعود اليه في مقالة أخرى، أما الآن فأود توضيح العلاقة بين القانون والشرع الذي يبدو انها التبست على الكثيرين وتم استغلالها بشكل سيء. 
لقد وضع الشرع للمؤمنين حدوداً بين المسموح والممنوع، بما يشبه مساحة من الأرض قسمت بخط إلى مساحتين، الأولى "المساحة المحرمة" والثانية "المساحة المحللة". وبعض هذه المساحات تتعلق بمواضيع "شخصية" بحتة تحدد علاقة الله بالفرد، وبعضها “مجتمعية”، تحدد علاقة الله بالمجتمع، مع بعض التداخل بين النوعين.
القاعدة العامة هي أن "المساحة المحرمة" لا يجوز دخولها والتصرف بها، أما "المساحة المحللة" فيجوز "لنا" ان نتصرف بها كما نشاء، سواء كأفراد أو كمجتمع. ولنلاحظ بدقة: "يجوز" التصرف بها، وليس "يجب علينا استعمالها كلها"! 
لنأخذ مثلا عن هذا الفرق المهم. يسمح الله للمؤمن بأكل كل أنواع الفواكه على سبيل المثال، لكنه لا يجبره أن يستفيد من "مساحة" هذا السماح بكليته، بل له ان يختار جزءاً منه إن أراد. فالله لا يلزمه بأن يأكل من جميع أنواع الفاكهة الحلال. فإن وجد الفرد أن نوعا من الفاكهة لا يعجبه، أو يؤذي معدته، فالدين لا يحرّم عليه أن يضع لنفسه حدود تحريم شخصية إضافية داخل "المساحة الحلال"، وليس هناك مشكلة مادام الفرد لم يدخل “المساحة المحرمة”، ولم يتناول على سبيل المثال "الميتة والدم ولحم الخنزير... الخ". 
أي أن الشرع لا يمنع الشخص ان يتخلى باختياره، عن بعض "المساحة المحللة". 
ولا يختلف الأمر فيما يتعلق بالتشريعات التي تحدد علاقة المجتمع بالله. فحين "حلل الله التجارة وحرم الربا"، فهذا لا يعني ان كل فرد من المجتمع يجب ان يكون تاجراً، ولا حتى يجبر المجتمع ان يتعامل بالتجارة، إن لم يجد المجتمع أن ذلك يناسبه. والشرع لن يعترض على المجتمع إن أراد هذا أن يمنع افراده عن ممارسة أنواع معينة من التجارة التي قد يراها ضارة بالمجتمع، بشكل عام أو في ظرف معين. ومثلما يمكن للفرد ان يختار جزءاً من "المساحة المحللة" فيأكل ما يريد منها، يستطيع المجتمع ان يختار جزءاً من "المساحة المحللة" ليستفيد منها، دون أن يخالف شرع الله. فله الحق أيضاً أن يتخلى عن بعض "المساحة المحللة". 
وينطبق ذات الأمر على عدد الزوجات المسموح به. فالإسلام حدد العدد الأقصى فقط بأربعة، أي أن شرطه الوحيد هو أن ألا تزيد عن أربعة. ولم يمنع المجتمع من ان يتخلى عن بعض تلك المساحة ويحدد الزواج بواحدة فقط بقانون، دون ان يكون مخالفا للشرع. بل على العكس، فأن نص التحديد يعطي تفضيلا واضحاً لزوجة واحدة. لكن حتى بدون هذا التفضيل يبقى من حق المجتمع شرعاً، وضع قانون بتحديد أكبر ضمن "المساحة المحللة" شرعا، بتشريع قانون بتحريم الزواج بأكثر من واحدة مثلاً، دون ان يكون مخالفاً للشرع. 
المسألة قد تبدو غريبة على الأسماع في مواضع الزواج لتعودنا على مفهوم خاطئ في العلاقة بين الشرع والقانون، لكنها على المستوى الشخصي من البساطة ومن الوضوح بحيث اننا لم نجد في التاريخ فقيه يدعي انه يجب شرعاً إلزام الناس على أكل كل الأنواع الحلال أو منع المجتمع من تشريع قانون بمنع ما يراه ضاراً من الطعام الذي لم يحرمه الشرع (لتغير الظروف أو لأن ذلك الطعام لم يكن معروفا) ، ولا إجبار المجتمع على ممارسة التجارة، أو منع الدولة من تشريع قانون بمنع تجارة معينة تراها ضارة بالمجتمع ولا يوجد نص شرعي بتحريمها (لنفس الأسباب السابقة). فلماذا يحرم على الدولة ان تزيد من تحديد المسموح في مواضيع أخرى، ضمن "المساحة المحللة" شرعاً؟ 
لنفحص مرة ثانية مثال قانون الأحوال الشخصية، وننظر إليه من وجهة النظر هذه، وخاصة إلى جزئية زواج القاصرات وجواز منعه. يرى المؤيدون لزواج القاصرات، أن أي قانون يحدد العمر الأدنى، برقم اعلى مما وضعه الشرع، إنما "يعارض الشرع"، وبالتالي يعارض الدستور. ويستشهد هؤلاء بالرسول الذي تزوج من قاصر. إنهم يعتبرون أن على المجتمع ان يكتفي بحدود الشرع في تحديد المسموح والممنوع وأن من غير المسموح شرعاً أن يضع المجتمع حدوده المختلفة عما وضعه الشرع، بغض النظر عن طبيعة تلك الحدود. لكننا في الحقيقة يجب ان نميز وضع الحدود داخل "المساحة المحرمة" الممنوع علينا دخولها، عن وضعها في "المساحة المحللة" التي يحق لنا التصرف بها. 
فهل ان تحديد سن اعلى هو من النوع الأول المحرم أم من النوع الثاني المسوح به؟ هل هو دخول في "المساحة المحرمة" (وهذا حرام) أم هو تخل عن جزء من "المساحة المحللة" (وهو حلال كما بينّا)؟ 
لننظر: المساحة الكلية في هذا المثال هو عمر المرأة من ولادتها (صفر) إلى نهاية العمر، (ولنفترض انه 100). 
"المساحة المحرمة" هي من صفر إلى 9 سنوات و "المساحة المحللة" هي الباقي، أي من 9 سنوات إلى 100 عام. 
لذلك فعندما يضع المجتمع الحد الأدنى للعمر كـ 18 عاماً على سبيل المثال، فإن هذا الرقم هو بالتأكيد ضمن "المساحة المحللة" (بين 9 و 100) وهو بالتالي يتخلى عن جزء من "المساحة المحللة" التي تقع بين 9 و 18 عام، وهذا إجراء ليس للشرع عليه أي اعتراض. وإجبار المجتمع (شرعاً) على أخذ كل "المساحة المحللة" من 9 إلى 100 لا يختلف مبدئيا عن إجبار كل شخص أن يأكل من كل الأطعمة المحللة، وهو ما وصفناه بحق بأنه "جنون". 
قد تكون المغالطة أوضح فيما يتعلق بالجانب الشخصي، ولكن لو طبقنا هذا المنطق على أمور أخرى اجتماعية لوجدناها أيضا واضحة. فبنفس المنطق يمكن أن يخرج من يحاجج بأن القانون الذي يجبر الناس التي تقود مركباتها على السير على يمين الشارع مخالفٌ للشرع، لأن الشرع لم يحدد ذلك وترك للإنسان حرية الاتجاه يميناً أو يساراً! والحقيقة اننا سنجد أن جميع قوانين المرور "غير شرعية"! بل أننا نتوصل في النهاية إلى ان "جميع القوانين غير شرعية"! ذلك ان القانون في أي مجتمع يؤمن بدين معين، إنما يوضع لتنظيم استعمال “المساحات المحللة”، ووضع تحديدات إضافية لها، والتخلي عن أجزاء منها، حسبما تقتضيه ظروفه الخاصة. وقد تتغير الظروف ويرفع إلى 20 سنة أو يخفض إلى 15 سنة، حسب مصلحة المجتمع، ووفق الدراسات الاجتماعية التي يقوم بها المجتمع.
لذلك فإذا أراد المشرع أن يضع حداً اعلى لسن الزواج في قانون (أقول "إذا" ولا أدعي ان هذا ضمن مشروع القانون الحالي او لا، فكما قلنا لن نناقش هنا هذا القانون، بل مبدئية تحديد سن الزواج من ناحية شرعية) فلن يكون مخالفا للشرع، ما دام لم يدخل "المساحة المحرمة" ولم يحلل الزواج بما دون السن التي حددها الشرع. 
إذن ادعاء دعاة شرعنة زواج القاصر بأنهم يفعلون ذلك إطاعة للشرع، ليس صحيحاً. ومن أراد منهم التقرب من الله فيمكنه أن يجد قوانين تخترق "المساحة المحرمة" بالفعل، مثل "الربا" الذي لا يوجد ما هو أوضح من تحريمه شرعاً، والذي تمارسه البنوك في النظام الرأسمالي الذي تتبعه بلادهم، ودون أن يجرؤ أي منهم على الاعتراض عليه يوماً. وهو ما يكشف لنا عدم مصداقية اهتمامهم بشرع الله، وأن ذلك الحماس لشرعنة زواج القاصرات ليس له أية علاقة بالتقوى بل بدوافع أخرى.