لماذا الخلط بين تعديلات الحكيم وقانون الشمري"الجعفري"

نصير المهدي

عطفا على المنشور السابق المتعلق بالتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 59 ولبيان بعض الحقائق التاريخية المهمة التي تخلق الكثير من الالتباسات عند القراء خاصة هؤلاء الذين لم تحصل لهم فرصة المتابعة لهذا الأمر وتطوراته . 
وفي البدء هناك اليوم خلط ربما مقصود أو عفوي بين التعديلات المقترحة التي تقدمت بها كتلة المواطن الحكيمية وبين قانون الأحوال الشخصية الجعفري الذي تقدم به حسن الشمري وزير العدل السابق من جهة حزب الفضيلة وفقا لتوجيهات محمد اليعقوبي مرجع الحزب وذلك القانون المقترح قد سقط عمليا ولم تتمكن الجهة تلك من تمريره خاصة وأن المقترح قد لقي صدا من المرجعيات الأربعة المعترف بها إزاء " مرجع " غير معترف به الا من قبل أتباعه والتعديلات المقترحة الجارية لا تجاري ذلك القانون أو على الأقل في المطروح حتى الآن إن لم يقم " النواب " بمفاجأة المجتمع بصيغ أخرى أو إضافات أثناء المناقشة والإقرار .
بعيدا عن التجاذبات السياسية أو محاولات تسجيل النقاط على حساب المرأة العراقية من خلال المزايدات فإن هناك رأيا معتبرا ومحقا يخشى على أبسط حقوق المرأة التي يمكن أن تهضمها التأويلات التي يوردها الوقفان الشيعي والسني حيث ترد تعديلات القانون الرأي النهائي والقطعي لهما في البت في أي أمر خلافي وخاصة مثلا بأن هناك أمورا من الأحوال الشخصية فيها منازعات تحتاج الى حسم كما هو حال الطلاق والميراث .
سأضرب مثلين لمدى الغبن الذي يمكن أن يلحق بالمرأة أحدهما متعلق بالزواج والآخر بالميراث وكلاهما لا يستند الى أي قاعدة قرآنية بل هما من إنتاج العقل الفقهي الذي يتوارث الاحكام دون أن يعيد النظر فيها أو البحث عما يدحضها الأول ووفقا للمذهبين السني بمختلف تفريعاته والشيعي يمكن للولي " الأب أو الجد " أن يزوج ابنته لمن يشاء حتى لو كانت رضيعة في المهد وإن اشترط بعض الفقهاء موافقة الزوجة من باب التجميل والا ففي الحالة المنوه عنها هنا يمكن استحصال الموافقة لاحقا أي بعد وقوع الواقعة عندما تكبر الطفلة وتجد نفسها زوجة رغم أنفها ويقال في هذه الحالة بأن من حقها طلب الطلاق والتفريق ولكن أي زوجة تطلب الطلاق في ظل القيم الاجتماعية الظالمة السائدة وهذا يعني أن الإرث الفقهي يحكم الحياة ولم تتم إعادة النظر فيه مراعاة لتطوراتها ومع أن المدرسة الشيعية تدعي لنفسها الإجتهاد فإنها في واقع الحال مقلدة يكمل فيها الخلف ما بدأه السلف . 
الأمر الآخر هو الميراث فهناك رواية شيعية معتبرة رغم مخالفتها الصريحة للقرآن الكريم وتقول بأن المرأة لا ترث الأرض والعقار وقد ذهب بعضهم الى تعويضها بما يناسب قيمة الأرض أو العقار وقال آخرون بتعويضها عن العقار دون الأرض ومن المعروف بأن الإناث دون الذكور يتعرضن لغمط الحقوق الإرثية في حالة غياب وارث ذكر حيث يشارك الأعمام في الميراث والأمر هو الآخر لا أصل قرآنيا له إنما هو بدعة سياسية في سياق الصراع بين العباسيين والعلويين على السلطة . 
وفي الاثناء عند التطبيق قد تبرز أمور كثيرة أخرى خاصة مع تعدد الآراء الفقهية وسيقع المجتمع في فوضى وغبن إن استبعدنا جانب الفساد الضارب الجذور في الأعماق الذي قد يكون وسيلة وأداة إضافية للاجحاف والغبن ومصادرة الحقوق . 
ما يجري اليوم في الجدال حول الأحوال الشخصية يقوم على خطأ إعتبار القانون رقم 188 لعام 59 هو مسطرة القياس ويجري تصنيم القانون وإعلاء شأنه رغم أنه في الأساس لم يكن ثورة في التشريع وفيه تناقضات كثيرة فضلا عن ذلك أن القانون نفسه تعرض الى ثمانية عشر تعديلا تناول ما لا يقل عن ثلاثين مادة والقانون اليوم ليس هو القانون الأصلي بل وحتى مسألة السن التي تثير جدالا واسعا جرى التحايل عليها بتعديل قانوني أباح للقاضي التزويج في سن الخامسة عشرة ولكن العصبيات الحزبية والسياسية تخلط الأوراق وتحول دون طريقة أخرى واقعية وموضوعية تفكر في إيجاد الحلول المناسبة لمعضلة إجتماعية . 
ومن نافل القول بأن القانون وهو من صنع البشر ليس معصوما من الخطأ ولا هو فوق النقد أصلا والمعتبر الواجب هو الدفاع عن حقوق الإنسان لا عن تصنيم القانون مع أن القانون الأصلي جرى النفخ فيه كثيرا في زمان صدوره وبعده ذلك أن طرفا سياسيا عده من إنجازاته بوجود ممثلته في الحكومة وهي وزيرة البلديات الطبيبة نزيهة الدليمي بينما أعدته لجنة في وزارة العدل ووقعت عليه الحكومة بكامل أعضائها كما هو المتعارف عليه في إصدار القوانين قبل عام 79 وقد أحتفي بالقانون المذكور يومها من خلال التظاهرات التي جابت العراق وشعارها " بس هالشهر ماكو مهر .. والمومن " رجل الدين " سيس بالنهر " وقد فسر الشعار في حينها على أنه دعوة للإباحية بينما كان القصد هو كف يد رجل الدين بموجب القانون عن التدخل في الشؤون الاجتماعية وعلى أية حال فذلك التهويل السياسي أضر بالقانون إجتماعيا وسهل مهمة المحرضين ضده .
وبخلاف الشائع اليوم من أساطير في جملة الأساطير السياسية السائدة عن تلك الحقبة فالقانون لم يشكل ثورة في التشريع أو في الحقوق وإنما كان خطوة متقدمة على صعيد تقنين الحقوق في هذا الصعيد وهو أول قانون للأحوال الشخصية في العراق رغم أن دولا أخرى قد سبقت العراق في هذا المضمار ففي مصر تم تشريع قانون للأحوال الشخصية منذ عام 25 وفي سوريا منذ عام 53 أما في العراق فكانت تتم معالجة الأمور القانونية إما عن طريق القانون المدني أو وفقا للمذهب الشخصي للمسلم ولليهود والمسيحيين محاكمهم الخاصة في مثل هذه الشؤون وكانت المحكمة الشرعية هي التي تحكم في قضايا الأحوال الشخصية من زواج وطلاق ووصية وميراث وغيرها وتحال الأمور الخلافية الى محكمتين مختصتين هما محكمة التمييز السني ومحكمة التمييز الجعفري وبالطبع وفقا للإختلافات المذهبية أي أن للتعديلات المطروحة حاليا أصل في تاريخ التشريعات العراقية .