بين الدولة ومرحلة "ما قبل الدولة والغيتوهات الطائفية" فرق شاسع

علاء اللامي

حول موضوع تعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي، أعيد هنا نشر تعقيبين على صديقين دمجتهما في نص واحد مع إضافات توضيحية صغيرة: أعتقد أن الإسلاميين الشيعة وبعض حلفائهم من الإسلاميين السنة هم الذين بادروا في مقترحهم لتعديل قانون الأحوال الشخصية لافتعال مشكلة غير موجودة أو هي صغيرة جدا وغير ملحوظة. فقانون الأحوال الشخصية 188 لسنة 1959 المعدل يطبق منذ عدة عقود ولم يشهد تطبيقه أي اختلالات أو مشاكل كبيرة لأنه أخذ بأفضل الموجود في المذاهب الإسلامية، وبشكل متناغم ومنسجم، ولكن القانون يحتاج إلى تطوير باتجاه تنويري وتقدمي يضمن المزيد من حقوق المرأة والطفل والرجل ...إلخ.
غير أن الإسلاميين الذين تهيمن أحزابهم على الحكم يريدون استغلال هذه الهيمنة لفرض رؤيتهم المذهبية حصرا على هذا القانون والعودة به الى الخلف. ولإسكات المعترضين والمدافعين عن القانون النافذ المذكور يلجأون إلى ابتزاز الجميع بحكاية (نحن أحرار في أن ننظم شؤوننا الحياتية ومنها الأحوال الشخصية وفق دينننا ومذهبنا فلماذا يرفض العلمانيون ذلك؟). هذه الحيلة قديمة وقد استغلتها الأوساط الرجعية في أغلب المجتمعات التي شهدت حراكا لقوننة قانون احوال شخصية تقدمي وتنويري أو تعديل ماهو قائم باتجاه تنويري. والأمثلة كثيرة وطويلة... هذه الحيلة تريد ان تقفز على حقيقة أن الجميع في المجتمع المعني يعيشون في دولة وليس في مرحلة "ما قبل الدولة" وهذه الدولة لها سيادة حصرية على مواطنيها وهي أداة اندماج مجتمعي تزداد أهميتها في المجتمعات المفككة وغير المندمجة مجتمعيا بسبب تنوعها الطائفي والقومي الذي يريد القوميون والدينيون تحويله الى سبب لإنشاء غيتواتهم ودويلاتهم الطائفية فإذا فشلوا في ذلك حاولوا دس شرائعهم وفتاويهم المذهبية في القانون العام للدولة ليهيمنوا طائفيا على الجميع. في العراق اليوم دولة قائمة على أسس المحاصصة الطائفية والإثنية جاء بها غزو أجنبي ويديرها حلفاء هذا الغزو والغزاة وغالبيتهم من الاسلاميين. وهذه الدولة تعتبر من حيث شكلها لبرالية تأخذ بالانتخابات، ولكن اللبرالية ليست الانتخابات فقط بل دولة كاملة وسلطات ثلاث منفصلة و بنية فوقية متقدمة و دستور ديمقراطي وليس مكوناتي كدستور بريمر وتفترض وجود مراقبة وحريات عامة وفردية وحرية تعبير متطور ومساواة بين الجنسين وضمان حقوق جميع المواطنين ومنع التمييز بينهم ... ولكن دعاة "تطييف" الأحوال الشخصية يريدون أسلمة الدولة بالتدريج "على الطريقة الشيعية مع دعم قليل من ممثلي السنة عبر ممثلي الإخوان المسلمين وحجتهم المكررة هي" نحن احرار في ان ننظم أحوالنا الشخصية كما يقول مذهبنا الطائفي"! هذه الحجة تفترض أن هؤلاء يعيشون في دولة لا يعترفون بها، أو هي مفروضة عليهم ومحتلة لبلادهم، أو أنهم يعترفون بها لأنهم يهيمنون عليها بالقوة ولكنهم يريدون إضفاء صبغتهم المذهبية الطائفية على قوانينها وأحوالها الشخصية ونمط الحياة العام للناس فيها، وبالتالي يعودون بالمجتمع العراقي الى مرحلة "ما قبل الدولة" والغيتوات الطائفية في حين أن المشكلة في العراق في الأحوال الشخصية وخلال عقود مرت كانت صغيرة بل تكاد تكون غير موجودة فقانون الأحوال الشخصية 188 لسنة 1959 لا يتصادم مع المذاهب الاسلامية بل أخذ أفضل ما فيها و يحاول التناغم والانسجام معها بما يؤدي الى اندماج مجتمعي حقيقي بين العراقيين ولكن هذا يغيظ الطائفيين والساعين لبناء الدويلات أو الأقاليم المذهبية و يسحب من تحت أقدامهم بساط المتاجرة بالدين وإنقاذ الملايين من العراقيين وبخاصة النساء والأطفال وابناء الأقليات الدينية من اضطهادهم ونصبهم "السياسديني".