المذاهب الإسلامية بين التفكير والتكفير

رعد أطياف

معلوم إن المذاهب الإسلامية لا تعترف بتاريخية النص القرآني، أي أن النص الديني المقدس فوق أحداث التاريخ، ولا يمسّه التغيير، (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة.. ) . ومن هنا نفهم تعالي النص القرآني عن مجريات الحركة التاريخية، ولا يكون متأثراً بسنّة التغيير. والمذاهب الإسلامية لديها إجماع بخصوص هذا الشأن، وهو من الخطوط الحمراء، ومن المستحيل التفكير فيه. إلّا أن هذه الاستحالة تنحصر في " المذهب الحق "، وما عداه يدخل في قعر التاريخ. والمقصد من هذا : أن المذاهب وأن اتفقت على المقدمة أعلاه، إلّا أنها لا تتفق على تمامية أحدها الآخر، فإذا صحت مقولة " المذهب الحق " على السنة، لا يجوز تعميمها على الشيعة!. وكما هو واضح مقدار التناقض. فإذا كان النص الديني خارج المشروطية التاريخية، على أي معيارٍ مذهبيٍ سوف نعتمد ؟. وإن كان الجواب : إن المذاهب الإسلامية تمتلك الاتفاق على ذلك، أي أنها تعترف أجمعها بهذا المعيار، وإذا كانت متفقة على عدم سقوط النص الديني في التاريخ، فلماذا لا يتفق المذهبيون على صحة أحدهما الآخر ؟. إن هذا التخبط والالتباس راجع إلى ذهنية " المذهب الحق " التي ترى مشروعية " الحق المطلق " لها، ولا تراه في غيرها من باقي المذاهب. والأمر لا ينحصر في اختلافات الأفهام، بقدر ما هي نزاعات عميقة تتصل بجذور سياسية، لم تكن السلطة الحاكمة غائبة عنها . يصل الأمر بتكفير طائفة كاملة من اجل الحيازة المطلقة للحقيقة الدينية. ولو تتبعنا مجمل الخطوط العريضة التي تتفق عليها المذاهب الإسلامية، في الفقه وأصول الفقه، وأصول الدين، سنجد المتفق عليه أكثر بكثير من المختلف عليه. لكن حينما يصل الأمر حول المشروعية الإلهية، سينبري دعاة التكفير والقتل إلى رفع لواء الحقيقة، متجاهلين تاريخ المذاهب الأخرى وعطائها المستمر في تعميق الفكر الديني. ولإغراض جدلية بحتة، يعمد الشيعة - على سبيل المثال - للاستدلال ببعض الأحاديث المتواترة، المتواجدة في كتب السنة، لكنّهم يقتصرون على الأحاديث التي تثبت أحقية الإمامة، وماعدا ذلك تسقط حجية التواتر عند المذهب الآخر!.

أي تناقض نحن فيه ؟ . كيف لدعاة الحق، وسدنة الحقيقة الإلهية، وفقهاء الحقوق، أن يُكَفّرُ بعضهم بعضاً ؟، وإذا سلّم الجميع إن السنة النبوية كُتِبَتْ بعد فترة طويلة من وفاة النبي، ترى أي وحيٍ نزل على هؤلاء لتأبيد الحقيقة الإلهية وحصرها في طرف معين دون سواه ؟ . أليس الأجدر بهؤلاء الشروع بتفكيك النصوص والأحاديث التي تتسم بطابعها التقديسي والحماسي، على حساب الجانب العلمي التحليلي ؟ . ألم يجعل المسلمون ما يوجد الآن من كتب الحديث بمنزلة الكتاب المقدّس، ومما يدل على استقالة العقل الإسلامي، والتبرع به مجاناً إلى فقهاء السلطة ؟ أليس التفكير أطهر من التكفير؟.

بغداد اليوم