تداخل السياسي بالقرابي.. سعودياً: قراءة أنثروبولوجية في تحولات السلطة

د.هاشم داود

التغيرات السريعة التي تشهدها المملكة العربية السعودية اليوم تسمح بطرح أسئلة ليس فقط ذات طبيعة سياسية ومجتمعية داخلية، بل واخرى خاصة بالقرابة وتداخلها بالسلطة في قمة الهرم، ايضا اسئلة لها صداها اقليميا ودوليا. 

سأقيد نفسي (بحكم اختصاصي) بالبعد الداخلي، بل حتى القرابي لما يحصل في قمة الدولة السعودية :

أولا:  مع تعيين سلمان بن عبد العزيز ملكا على السعودية أعيدت هيمنة ما تبقى من المجموعة التي تعرف بالسديرية وسط العائلة المالكة (وهو مسمى يطلق على سبعة من أبناء الملك عبدالعزيز آل سعود من زوجته حصة السديري)، والغريب ان صعود احد آخر السديرية للحكم، سلمان بن عبد العزيز، شكل في ذات الوقت بداية أفولها، فنحن اليوم ندخل مرحلة حكم الجيل الثاني من آل سعود بعد الملك المؤسس عبد العزيز، وهي المرة الاولى التي تنتقل فيها السلطة للاحفاد. قبل هيمنة محمد بن سلمان الواضحة على الحكم، تداول السلطة كان يستجيب لمنظومة عرفية دقيقة، ونادرة عالميا:  انتقالها من الأخ الأكبر سنا الى الأصغر منه وصولا للشقيق الاخير، ولكن، من بين ٣٥ ابنا للملك المؤسس، حكم السعودية منذ منتصف الخمسينات حتى اليوم ستة ملوك فقط من الابناء (سعود، فيصل، خالد، فهد، عبد الله، واليوم سلمان). تنازل العديد من الامراء عن حقه بالملوكية، وآخرون ماتوا قبل وصول دورهم. ازاء هذه التناقضات، ادخل الملك فهد بعض التغييرات على منظومة العائلة المالكة، ثم اعقبه الملك عبد الله بإضافة شرط قبول العائلة المالكة بأهليّة الملك.

ثانيا: عصبية السبعة السديرية اذن كانت مفيدة مع الجيل الاول (فهد، سلطان، نايف، سلمان، الخ)، لتحل محلها اليوم اشكالية سياسية جديدة، وهي التجايل: إذ تم قبول محمد بن نايف وليا للعهد بدلا عن الامير مقرن بن عبد العزيز، نظرا لهيمنته المتوارثة عن ابيه على جهاز الامن الداخلي، ولشبكة علاقاته الزبائنية الواسعة داخل المجتمع، ولصورته المقبولة عند المستشاريات الغربية وأيضا لاصول والده السديرية. كل ذلك لعب دورا مهما عند الملك سلمان لتنحية ولي العهد الاصلي الأمير مقرن بن عبد العزيز. وما إن ثبّت الملك سلطته حتى أدخل ابنه الأصغر (وليس الاكبر) وليا ثانيا للعهد ضمن تخطيط مسبق لتهميش دور ولي العهد الاول (محمد بن نايف) وليحل محله بعد شهور. هذا ما اسميه نهاية الاسطورة السديرية مع النهاية السياسية للجيل الاول.

ثالثا: للنظام السعودي مجموعة توازنات : أهمها سياسية -  دينية (آل سعود - مع ارث محمد بن عبد الوهاب)، سلطات المناطق والمقاطعات (الحجاز، نجد، الشرقية، نجران، الخ)، الجيش والحرس الوطني، الاقتصاد. مع صعود محمد بن سلمان، نرى لأول مرة منذ الملك المؤسس ظهور مركزية دولة واضحة ورغبة بالسيطرة التامة على كل مرافق المجتمع، من اقتصاد، مصارف، الأجهزة الأمنية والعسكرية، والاعلام، ولكن هذه المرة عبر حكم الأحفاد. لم يحصل هذا التغيير بطريقة سلسة وانسيابية، بل عبر مقاربة انقلابية غيرت من نمط الحوكمة السعودية التي نعرفها حتى اليوم.


رابعا: من يدرس تركيبة هكذا أنظمة يدرك بأنه من الصعب ضبط ايقاع آلية انتقال الحكم من الجيل الاول (اولاد الملك عبد العزيز) الى الجيل الثاني، (الاحفاد، وهذا ما نراه اليوم جليا مع محمد بن سلمان). رغم الخصوصية الشديدة للنموذج السعودي، يمكن مقارنة بعض أوجه تداوله للسلطة مع أنظمة أخرى في المنطقة والعالم : كنت قد درست آلية تداول السلطة داخل بيت المجيد (صدام)، ثم بيت الاسد (الاخوين باسل - بشار ضد رفعت الاسد)، وفي الاردن مع تفضيل الابن على حساب شقيق الملك حسين، وفي ليبيا مع تقديم سيف اسلام القذافي على أشقائه، ومصر بدء اعداد الرئيس السابق حسني مبارك لابنه جمال، وحتى في اقليم كردستان، الخ.  نجد ذلك في إيران كذلك، مع تصاعد سلطة سيد مجتبي، ابن المرشد سيد خامنئي (ربما يختفي نفوذه مع زوال سلطة الاب، الا إذا كُرس ذلك عبر الدولة). العنصر المشترك بين كل انماط الحكم هذه : الملكي، الثيوقراطي، الجمهوري : هو توريث الابن على حساب الاخوة وأبناء العم (الانظمة الملكية)، وعلى حساب الرفاق (في جمهوريات البعث او في الجماهيرية او حتى في ظل نظام مبارك)، او في الانظمة الثيوقراطية، حيث يتجبر الابن حتى على الرموز الدينية كما هو الحال في ايران.

خامسا: بطبيعة الحال، لا يمكن اختزال كامل التحولات الجارية في المجتمع السعودي بالتوازنات القرابية على رأس السلطة. لذا، من المهم عدم التقليل من وقع التحولات العميقة التي عرفها المجتمع في العقود الثلاثة او الاربعة الأخيرة : ريع نفطي خرافي كرس من هيمنة السلطة القرابية في قمة الدولة من جهة، وزاد من سعة النسيج المديني الذي بات يشكل اليوم قرابة الـ٨٠ بالمئة من المجتمع السعودي، من جهة اخرى، دور ومكانة الشباب (أكثر من ٦٠ بالمئة من السعوديين هم ما دون سن الثلاثين، الخ)، انتشار التعليم، خاصة وسط النساء (نسبة النساء الحاملات لشهادة الدكتوراه في السعودية اكثر من الرجال)، الخ. 

سادسا: هناك أخطار عديدة تواجه الملك القادم : أزمة اقتصادية مع عجز كبير في ميزان المدفوعات، تبعات الحرب في اليمن والنزاعات الاقليمية المتورطة فيها السعودية، تهديدات الحركات الارهابية للمملكة، صراعها المكلف مع ايران، الخ. ولكن الخطر السياسي والأمني المباشر يتركز اكثر داخل العائلة المالكة ذاتها (وهذا ما يفسر سعة وصدمة التنحيات والاعتقالات). أذكّر بأن الملك فيصل قد قتل من قبل احد الامراء في مسجد البلاط (صحيح ان ام القاتل من قبائل حائل التي حاربها الملك المؤسس في العشرينات، ولكنه ينتمي للعائلة المالكة من جهة الاب). قد نرى في الايام والاشهر القادمة شيئا من البارونويا الامنية حوالي شخصية محمد بن سلمان. في الغالب، ستستخدم هذه الاجراءات لترسيخ دعائم السلطة الجديدة !

إن ما يحصل اليوم في السعودية هو أمر مهم، تتداخل فيه إشكاليات عدة : اثروبولوجية، جيو- ستراتيجية، اقتصادية، دينية، تغييرات تمس حتى فضاءات المقدس والخطاب الديني.

إشكالية الانتقال الجيلي للسلطة في المملكة العرابية السعودية كانت دائما احدى القضايا التي تؤرق ليس فقط الديوان الملكي، بل أيضا المستشاريات العالمية، خاصة الامريكية، لما لهذه الدولة من أهمية قصوى. حتى الامس القريب، كان الخيار الغربي مع الامير محمد بن نايف (لموقفه الذي يقدمونه «حازما» ضد القاعدة والإرهاب بشكل عام). ولكن، التطورات السياسية المتسارعة داخل الاسرة الحاكمة، وتحولاتها الموضوعية والذاتية، ومصاعب المملكة الاقتصادية والاجتماعية، سرعت من حدة الصراع السياسي الذي بدأ يضرب قلب العائلة المالكة. لكن العملية السياسية وتفاعلاتها ما زالت مستمرة، وكل شيء وارد (بما فيه تغيير حاد وعنيف للمسار السياسي لمحمد بن سلمان).

أمام التغييرات المتسارعة، يبدو أن المجتمع السعودي بقي حتى اللحظة اما على الحياد، او مكتفيا بمراقبة لعبة صراع اقطاب العائلة المالكة التي تشبه بلعبة تلاطم الفخار! شيء واحد بات مؤكدا، بأنه لم يعد بمقدور النظام السياسي والمجتمعي السعودي، في المنظور المتوسط، الاستمرار اكثر (نسبة عطالة مرتفعة بين الشباب، تفشي المخدرات، زيادة التطرف من جهة ورفض الدين حتى وصول الالحاد من جهة اخرى، الخ).
الأكثر أهمية، من الناحية النظرية والسياسية :
١-   إننا امام استحقاق جيلي ليس فقط في السعودية، بل في اغلب بلدان الخليج تقريبا : محمد بن زايد في الامارات (وهو رئيس "المحدثين")، الامير تميم بن حمد آل ثاني في الدوحة، واليوم الامير محمد بن سلمان في الرياض. 
٢-  تعمل التغييرات السياسية هذه على الجمع بين تقوية جبروت الدولة (الدولاتية) المشرعنة لمركزية سياسية، مصحوبة بتسلطية شديدة، من جهة، وتشجيع اقتصاد السوق والخصخصة الواسعة المصحوبة برغبة التقليل من أهمية الريع النفطي في الاقتصاد الوطن، من جهة ثانية.أي الجمع بين تسلطية سياسية وليبرالية اقتصادية. 
٣-  قوّى الاقتصاد الريعي في المجتمعات الخليجية من دعائم ما اسماه الانثروبولوجي الفرنسي مارسل موس "بنظام الهبة" و"الهبة المضادة"، فالعائلة الحاكمة في السعودية تعيش تناقضا عميقا : اعتمادها المطلق على الريع النفطي من ناحية (نفط يرونه هبة من الله)، ومن ناحية اخرى مطالبتهم للعامة بالبيعة والولاء مقابل توزيع جزء من هذا الريع – الهبة عليهم (وهذه الهبة المضادة). 
٤-  تعقيدات المجتمعات الحديثة واقتصاد الحر اجبر حتى السعودية على طرح اسئلة اساسية خاصة بآليات الانتقال : منها، كيف يتحول مجتمع رعية وولاءات ما دون الدولة الى مجتمع افراد (اركز هنا على مفهوم الفرد)، كيف يتحول اقتصاد الهبة الى اقتصاد سوق ؟ 
٥-  مراهنة النخبة السياسية الصاعدة في السعودية يركز اساسا على الجمع بين ليبرالية اقتصادية من جهة، ومركزية سياسية من جهة أخرى. لذا حديثهم عن خصخصة واسعة للاقتصاد تطول حتى القطاع النفطي، مع تحرير بعض الفضاءات الإصلاحية داخل المجتمع كالسماح للنساء بقيادة السيارات، والتركيز اكثر على سَعوَدَة العمل، ربما يتبعها اعطاء الطوائف المذهبية الاخرى مساحة اكبر من حرية ممارسة طقوسهم (مع احتفاظ الدولة بهيمنة الطريقة الوهابية).
٦-  التحولات نحو اقتصاد السوق وخصخصة جزء من القطاعات الاستراتيجية لا تعني بالضرورة ديمقراطية سياسية، ولكنها خطوة نحو إقرار التعددية المادية لإعادة انتاج الاقتصاد المحلي، في ظل نظام سياسي يجمع التسلطية من جهة (وربما حتى القمعية)، واقتصاد السوق من جهة اخرى.
د. هشام داود: باحث في الانثروبولوجيا السياسية في المركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية
العالم الجديد