حق ميراث المرأة في قانون الأحوال الشخصية النافذ وتطبيقات القضاء العراقي

سالم روضان الموسوي...مقدمة و تمهيد : كان نظام ميراث النساء قبل ظهور الإسلام مجحفا بحق المرأة، ولم يقتصر الأمر على العرب وإنما في الأقوام الأخرى والتي تعتنق ديانات أخرى، فكان يتميز نظام الميراث عند اليهود بحرمان الإناث من الميراث ، سواء كانت أماً أو أختاً أو ابنة أو غير ذلك إلا عند فقد الذكور ، فلا ترث البنت مثلاً إلا في حال انعدام الابن ، أما عند الرومان كانت المرأة تساوي الرجل فيما تأخذه من التركة مهما كانت درجتها ، والزوجة ، فلم تكن ترث من زوجها المتوفى ، فالزوجية عندهم لم تكن سبباً من أسباب الإرث ، حتى لا ينتقل الميراث إلى أسرة أخرى ، إذ كان الميراث عندهم يقوم على استبقاء الثروة في العائلات وحفظها من التفتت ، ولو ماتت الأم فميراثها الذي ورثته من أبيها يعود إلى أخوتها ، ولا يرثها أبناؤها ولو ترك الميت أولاداً ذكوراً وإناثاً ، وعند الكلدانيين والسريانيين والفينيقيين والآشوريين اليونانيين وغيرهم ممن سكن الشرق بعد الطوفان الذي كانت أحداثه جارية قبل ميلاد المسيح عليه السلام فقد كان الميراث عندهم يقوم على إحلال الابن الأكبر محل أبيه ، فإن لم يكن موجوداً فأرشد الذكور ، ثم الأخوة ثم الأعمام .... وهكذا إلى أن يدخل الأصهار وسائر العشيرة ويتميز نظام الميراث عندهم فضلاً عما ذكرنا بحرمان النساء والأطفال من الميراث [1] ، كذلك كان الميراث عند الجاهلية وقبل الإسلام يقتصر على توريث الأولاد الذكور الكبار فقط ولا يورث النساء على وجه الإطلاق ولا الذكور حتى يبلغوا سنا معينة وكانت النساء حالها حال المال الموروث تباع وتورث وكأنها ساعة حتى بزغ الإسلام بنوره على البشرية فشرع نظام الميراث بما يحقق العدل والإنصاف للجميع صغاراً وكبارا ، إناثاً وذكورا، وتأسس ذلك النظام على ثلاث مبادئ أساسية وكما يلي :.

1- اعتبر الميراث حق لازم للورثة وهو تمليك وتملك وحدد بعض الأشخاص ممن جعلهم ورثه وحدد لهم الأنصبة في نص القرآن الكريم، وهم أصحاب الفروض، وتؤول التركة إلى الورثة جبرا دون رضاهم أو قبولهم وعلى وفق الآية الكريمة (لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا)[2] أي انه أمر واجب وتلزم ومطروح من حتمية إلزامه. وفي لاية الكريمة (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيماً)[3] أي أمرا وحكما من الله عز وجل .

2- ويمثل نظام الميراث توزيع للثروة، ففي هذا النظام وزع الثروة بين الورثة وقسمها ولم يحصرها بيد احدهم مثلما كان معمول به قبل الإسلام وأعطى كل وريث نصيبه الذي قدره في القرآن الكريم .

3- إنصاف الضعفاء ومنهم المرأة التي كانت المخلوق الأضعف في المنظومة الاجتماعية السائدة قبل الإسلام، فحدد لها فروضا في القرآن الكريم وجعلها في بعض الأحيان بنصيب اكبر من الذكر في حال اجتماع الزوجة مع الأولاد و الأجداد أو البنت الواحدة مع الأجداد .[4]

ثم تطور النظام في ما يتعلق بالحالات التي لم يرد فيها نص يقيني الحكم والدلالة، وظهرت الآراء والفتاوى التي كان بعضها يشكل ردة فعل على ما أتى به الإسلام من نظام متقدم في حفظ حقوق المرأة، وغلب الفكر الذكوري الجاهلي على بعض العلماء فأفتوا بما يقلل من حظوظ النساء في الميراث، مثلما قللوا من حظوظها وحقوقها في المجالات الأخرى، السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية وغيرها، ثم انعكس ذلك الاتجاه على التشريعات النافذة في البلدان العربية واقتبست تلك الأفكار والفتاوى وجعلها بنصوص قانونية نافذة وملزمة، مما أدى إلى نقص في الحقوق التي منحها الإسلام للمراة، حتى إن المشرع الوطني في الدول العربية والإسلامية جعل هذه النصوص القانونية مقرونة باسم الشريعة الإسلامية، وكأنه سعى إلى الإيماء بان هذه النصوص مقدسة تستمد قدسيتها من قدسية الشريعة الإسلامية، وفي هذه الدراسة الميسرة حول حقوق المرأة في التشريعات النافذة جعلت من قانون الأحوال الشخصية النافذ نموذجا لها ولكونه واسع الأحكام ومتعدد الصور تجاه المرأة ولمحدودية حجم الدراسة وعدم الإمكانية في حصر كل ما موجود في القانون، حيث تشتمل أحكامه على حقوق الزوجة والبنت والأم والأقارب من النساء، كذلك يشتمل على أحكام المهر والنفقة والميراث، وهذه من السعة لا يمكن حصرها في دراسة مقتضبة، لذلك سأقصر البحث على قانون الأحوال الشخصية النافذ رقم 188 لسنة 1999 المعدل . وبما إن غاية الدراسة العمل على تطوير الأحكام القانونية فيه، لأنه يشكل خطوة متقدمة في مجال تثبيت حقوق المرأة في ظل المرحلة التاريخية التي صدر فيها ودراسة أحكامه ونصوصه، لا تشكل مؤشر نقص فيه يدعوا إلى إلغائه، وإنما علامة صحة نحو تطور أحكامه، بما ينسجم مع التحولات التي حصلت في البلاد ومع العديد من المواثيق الدولية التي تعنى بشؤون المرأة . وستكون خطة البحث بمبحثين الأول حول الميراث وتعريفه وأحكامه في الشريعة والقانون وبمطالب على وفق حاجة الدراسة، والمبحث الثاني يتناول حقوق المرأة في الميراث في القانون النافذ مع المقارنة بما ورد في الشريعة الإسلامية وبمطالب عدة منسجمة مع الوصف الذي تكون عليه المرأة حينما تكون أم، زوجة، بنت، أو أخت، كذلك فيما يتعلق بالوصية الواجبة التي فرضت لأولاد الابن المتوفى قبل أبيه، والنقد الموجه إلى عدم شمول الزوجة به .ثم خاتمة أوجز فيها ما جاء في الدراسة وبعض التوصيات معززة ببعض تطبيقات القضاء العراقي .

وأتمنى أن تكون تلك الدراسة مدخل للنهوض بالواقع التشريعي لحقوق المرأة بما يسهم في نهوض المجتمع العراقي والارتقاء به نحو مصاف الدول المتحضرة في الإنسانية .

والله ولي التوفيق

المبحث الأول 

الميراث

من اجل أن يكون المعنى تجاه موضوع البحث واضح لابد من التعرف على مصطلح الميراث وكذلك مصدره الشرعي والقانوني وأركانه وموضوعه لذلك سأعرض له على المطالب التالية: ـ

المطلب الأول 

تعريف الميراث 

الميراث مصطلح له دلالة لغوية وأخرى اصطلاحية وللتعرف على معنى المفردة سأتناوله بالفروع التالية :ـ

الفرع الأول 

التعريف اللغوي 

الميراث في اللغة العربية مشتق من الفعل الثلاثي ( ورث ) يرث إرثا وميراثا ، ورثت فلانا مالا ، أرثه ورثا وورثا ، إذا مات مورثك فصار ميراثه لك . وورثه ماله ومجده ، وورثه عنه ورثا ورثة ووراثة وإراثة . وأورثه أبوه إيراثا حسنا . وأورثه الشيء أبوه ، وهم ورثة فلان . وورثه توريثا ، أي أدخله في ماله على ورثته ، أو جعله من ورثته. ويقال : ورث في ماله : أدخل فيه من ليس من أهل الوراثة . وفي التهذيب يقال ورث فلان قريبه وورث أباه[5]، وقال الله تعالى ( وورث سليمان داود)[6]، وقال تعالى (وكنا نحن الوارثين )[7]، ومعنى الميراث في اللغة ( انتقال الشيء من شخص إلى شخص ، أو من قوم إلى قوم، وهو أعم من أن يكون بالمال أو بالعلم أو بالمجد والشرف) ، وتعتبر صفة الوارث: صفة من صفات الله عز وجل، وهو الباقي الدائم الذي يَرِثُ الخلائقَ، ويبقى بعد فنائهم، والله عز وجل، يرث الأَرض ومَن عليها، على وفق الآية الكريمة( وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ)[8] وهو خير الوارثين أَي يبقى بعد فناء الكل، ويَفْنى مَن سواه فيرجع ما كان مِلْكَ العِباد إِليه وحده لا شريك له[9]. ومنه قول النبي الكريم (ص) (( العلماء ورثة الأنبياء و إن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا ، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر))

الفرع الثاني

التعريف الاصطلاحي 

المعنى الاصطلاحي لكلمة الميراث له عدة معاني وان كانت بمجملها تتعلق بتنظيم حال تركة المتوفى بعد وفاته ومن تلك المعاني ما يأتي :

1. يسمى علم الميراث بأنه العلم الذي يعنى بالقواعد الفقهية والضوابط الشرعية الحسابية التي يعرف بها نصيب كل فرد كل وارث من التركة ، ومنها حالات الحجب والمنع والرد والعول والتعصيب وغير ذلك .

2. الميراث يطلق على المال الموروث وهو ما يرادف التراث بمعنى الأصل والبقية.

3. الميراث هو الوراثة أو الإرث بمعنى كون الشخص يستحق نصيبه في تركة المتوفى.

4. الميراث هو خلافة الحي في مال الميت حقيقة أو حكما بسبب القرابة أو الزوجية[10] . 

5. الميراث هو علم الفرائض وهو علم يعنى بأصول الفقه والحساب وتحدد بموجبه حق كل وارث نصيبه المقدر من تركه مورثه على الوجه الذي بينه القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة أو بإجماع المسلمين[11] 

المطلب الثاني

أركان الميراث وأسبابه وشروطه

يشتمل الميراث على ثلاثة أركان أساسية، المورث (المتوفى) الإرث (التركة) الورثة (الأولاد والإخوة وسواهم) وأسباب الميراث التي تكون أما سببية أو نسبية وشروطه وسيتم عرضها باختصار وعلى وفق الفروع التالية: 

الفرع الأول

أركان الميراث 

للميراث ثلاثة أركان هي المورث والإرث والورثة . ولكل ركن من هذه الأركان حضور لا يكتمل إلا بوجود الركن الآخر، إذ لا يوجد ارث بلا مورث وميراث بلا ارث وعلى وفق ما يلي :

أولا : المورث : وهو المتوفى وهو كل شخص توفى بعد حياة ، وهو من عدمت حياته بعد وجودها، إذ لكل إنسان بداية حياة ونهاية وهو ما يطلق عليه في القانون الشخصية الطبيعية ويتم تحديد شخصية الإنسان التي تسمى الشخصية الطبيعية للإنسان فإنها تبدأ عند ولادته حيا وتنتهي بموته على وفق أحكام المادة (34) من القانون المدني رقم 40 لسنة 1951 المعدل[12]، وتنتهي بموته حقيقة أو حكما. فالحقيقة هو الذي تقبض روحه ويبقى جسده ويدفن من قبل أهله و ذويه أو أي جهة أخرى، أما المتوفى حكما هو الغائب[13] أو المفقود[14] عن أهله وتنقطع أخباره لمدد معينه اختلفت فيها فقهاء المذاهب الإسلامية لكن القانون العراقي أشار إليها في قانون رعاية القاصرين رقم (87) لسنة المعدل1980 ففي المادة (92) بين متى تنتهي الغيبة[15]، كما أشار في المادة (93) من ذات القانون إلى المدد التي يتم التي تنقضي على الفقدان أو الغياب لغرض اعتباره مفقود[16]، حصل اختلاف في تفسير نصوص هذه المواد من قبل القضاء العراقي في تطبيقاته ففي ظل الأحداث التي مر بها العراق نجد إن المشرع العراقي اعتبر الفقدان لمدة سنتين سبب كافي لإعلان وفاة المفقود ومحكمة التمييز الاتحادية كان له رأي آخر[17]، إذ جعل عدد سنوات الفقدان إلى أربع سنوات.

ومما تقدم فان هذا الركن لابد من وجوده وهو حصول وفاة لأحد الأشخاص حتى تبدأ سلسلة الإجراءات الأخرى في نظام الميراث .

ثانيا :الوارث هو كل شخص حي يرتبط بالمتوفى سببا أو نسبا بعد المتوفى وان لم يأخذ نصيبا من الميراث لمانع من موانع الإرث[18]، وكما أشرت في أعلاه إن كل شخص تكون له شخصية طبيعية منذ لحظة ولادته، فإذا ما ولد شخص لرجل توفى بعد ولادته بلحظة واحدة ثم توفى هذا المولود أصبح وريثا لتحقق حال حياة الولد قبل وفاة أبيه وان توفى بعده بلحظة واحدة، لان القاعدة الفقهية القانونية تشير إلى أن الحي يرث الميت ولا يرث الميت الحي[19]، والمقصود بالقرابة السببية أو النسبية هو إن السبب حينما تكون هناك زوجة فإنها وريثة بسبب الزواج وعندما تنقطع هذه الرابطة السببية إثناء حياة الوارث سواء كان رجلا أو امرأة فان الإرث لا يتحقق، أما النسبية فهم الأبناء وان نزلوا والآباء والأجداد وان علوا وذوي القربى من الإخوة والأخوات والأعمام والعمات وكل ذي صلة رحم .وعلى وفق درجاته وطبقاتهم في الحجب[20] .

ثالثا : الموروث هو المال والحقوق العائدة للمتوفى الذي تركه بعد وفاته ويشمل العقار والمنقول والمنافع التي تؤول إلى الوارث وتسمى أحيانا ميراث أو ارث أو تركة[21] .


الفرع الثاني

أسباب الإرث 

أشرت فيما تقدم إن المورث هو احد الأشخاص الذين يرتبطون بالمتوفى، إما نسبا أو سببا أو عن طريق الولاء الذي كان سائدا في ما مضى من الزمان والذي يكاد يكون منعدم في الوقت الحاضر . أما المشرع العراقي فانه اقتصر على أن تكون أسباب الإرث سببين فقط وهما القرابة والنسب وعلى وفق نص البند (ب) من المادة (86) من قانون الأحوال الشخصية النافذ[22] وسأعرض لهم على وفق ما يلي : 

أولا: الميراث عن طريق النسب أو ما يسمى القرابة : وهي القرابة الصحيحة التي سببها الولادة أو رابطة النسب التي تربط المتوفى بأصوله وفروعه وأقربائه وذوي الأرحام ويدخل ضمن هؤلاء هو المقر له بالنسب، وتعتبر هذه الرابطة من أقوى الأسباب، وتختلف حصة كل واحد من هؤلاء حسب درجة قرابته من المتوفى[23] 

ثانيا :النكاح الصحيح : ويقصد به العقد الصحيح الذي ينظم على وفق الاحكام القانونية والشرعية[24] سواء حصول الدخول أم لم يحصل وبمجرد تمام عقد النكاح أو ما يسمى عقد الزواج فان أي من الزوجين يرث الآخر اذا ما توفى قبله، كما إن التوارث بين الزوجين يبقى قائم في حال بقاء الرابطة الزوجية حكما وليس حقيقةً ، كذلك في حال وقوع الطلاق عندما يكون الزوج مريض مرض الموت[25]، ويعتبر هذا السبب وسيلة في جعل احد الأشخاص وريثا للآخر دون أن يكون من سلالته أو من أولاده مثل الزواج إذ قيام هذه الرابطة يكفي لتحقق التوارث بين الزوجين ولأهمية هذه الرابطة في قيام التوارث، فلا بد أن تكون بعقد زواج صحيح مستوفي لشروطه الشرعية والقانونية، حيث إن بعض العلاقات غير الشرعية حتى وان أثمر عنها أولاد فإنها لا تكون سببا للتوارث بين الزوجين[26] وتعتبر هذه الرابطة سبا للتوارث حتى وان طلق الزوج زوجته في بعض أنواع الطلاق في الطلاق الرجعي تستحق الزوجة الميراث وكأنما الزوجية قائمة طالما كانت في فترة مدتها الشرعية . أما إذا طلق الزوج زوجته أثناء فترة عدتها في طلاق بائن بينونة كبرى وهو في مرض المورث فان ذلك الطلاق لا يرتب اثر تجاه الزوجة المطلقة على وفق ما جاء بآراء الفقهاء المسلمين، أما في القانون العراقي فان قانون الأحوال الشخصية لم يعتد بذلك الطلاق أصلا إذ اعتبر طلاق مريض مرض الموت غير واقع أصلا وفق ما جاء في نص الفقرة (2) من المادة (35) من قانون الأحوال الشخصية النافذ رقم 188 لسنة 1959 المعدل .وجعل منها وريث ترث كما لو كانت الزوجية قائمة وعلى وفق حصصها وأنصبتها الشرعية سواء بالربع إذا لم يكن للزوج فرع وارث أو بالثمن إذا كان لديه فرع. 

الفرع الثالث 

شروط الميراث 

لا يتحقق الميراث والتوارث إلا بعد توفر عدة شروط وهي كما يلي :

1. موت المورث حكما أو حقيقة ، وعلى وفق ما أشرت إليه سلفا.

2. تحقق حياة الوارث بعد وفاة المورث ، حيث إن الميراث وكما أسلفت هو خلافة لميت في ماله، فلا بد إذا أن يكون الوارث حيا بعد موت المورث أو وقت موته على اقل تقدير.

3. العلم بسبب الميراث :إذ لابد من معرفة سبب التوارث هل من قرابة أو زوجية حيث إن كل واحد يختلف عن الآخر من حيث الحكم وهو ما أشارت إليه المادة (86) من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل .

4. انتفاء المانع من الإرث ، لان الموانع إذا ما توفرت ينعدم التوارث ، مثل قيام الوريث بقتل مورثه أو اختلاف الدين ، وفي ذلك نعود إلى الشريعة الإسلامية في تحديد موانع الإرث لعد ذكرها في قانون الأحوال الشخصية[27]


المبحث الثاني

حق المرأة في الميراث

تأخذ المرأة من الميراث أنصبة مختلفة حسب توصيفها ومركزها القانوني، فهي إما أم ، زوجة، بنت، أخت، جدة، عمة، خالة أو من ذوي القربى الآخرين، وفي كل حالة ترث حصة تختلف عن الأخرى، وسأعرض لها على وفق الترتيب الذي ورد في قانون الأحوال الشخصية العراقي النافذ رقم 188 لسنة 1959 دون التطرق إلى الأحكام الشرعية لفقه المذاهب الإسلامية، إلا بالقدر اللازم لاغناء هذه الدراسة، لان الخوض فيها يحتاج إلى سعة في كتابته لا تستوعبها هذه الدراسة وعلى وفق ما يلي :

المطلب الأول

حق ألام في الميراث

تستحق الأم الميراث من ولدها المتوفى قبلها بعدة انصبه حسب وجود ورثة آخرين واجتماعهم معها ، وتعتبر من أصحاب الفروض، الذين نص القرآن الكريم على توريثهم في الآية 11 من سورة النساء (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ )، فان حقها في الإرث يختلف عندما تكون مع الأب وكذلك عندما تكون بمفردها وحينما يكون بعض أولادها من أخوة أو أشقاء للمتوفى لذلك سأتناول الحالات في الفروع التالية :.

الفرع الأول 

الأم مع الأب 

الأم هي التي يرتفع نسب المتوفى إليها بالبنوة دون واسطة، فعندما يتوفى الابن ويترك من ورثته الأب والأم وأخوة وأخوات مع الأجداد و وقد يكون هناك أشخاص آخرين، فان إلام والأب يحجبون بقية الورثة وينفردون بالميراث على وفق ما ورد في نص المادة (89) من قانون الأحوال الشخصية النافذ[28] والمستمدة من أحكام الآية القرآنية (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ)[29]، إلا أن النسب تختلف بين الأب والأم ، حيث اختلف الأمر بالنسبة للمذاهب ويكون هذا الاختلاف ملزم للقضاء العراقي عند التطبيق، إذ لم يحدد النص النافذ ما يشير إلى حصة الأم على وجه التحديد وإنما ترك الأمر إلى فقه المذاهب الإسلامية على وفق ما أشارت إليه المادة (90) من قانون الأحوال الشخصية[30]، والعودة إلى ما كان معمول به قبل نفاذه، وهو الرجوع إلى مذهب المتوفى، وميراثها في يتجسد في الصور التالية :

1. إذا لم يكن للمتوفى غير أمه فإنها ترث منه الثلث فرضا بموجب ما مقرر لها في القرآن والباقي يرد عليها إذا كان المتوفى على وفق أحكام المذهب الجعفري[31]، أما إذا كان المتوفى على المذهب الحنفي فان نصيب الأم يكون ثلث التركة فقط عند عدم وجود احد من الوارثين[32] .

2. إذا كان مع الأم من الورثة الأب فقط وليس للمتوفى أبناء أو أخوة فأنها ترث الثلث والثلثين للأب[33]، على وفق أحكام المذاهب الإسلامية 

3. إذا كان مع الأم من الورثة الأب فقط ويوجد للمتوفى أخوة فان الصورة تكون في فرضين: 

‌أ- ترث السدس عند وجود أكثر من أخوة اثنان للمتوفى مع وجود الأب.

‌ب- ترث ثلثي تركة المتوفى عند عدم وجود اقل من أخوة اثنان ذكور وذلك عند الجعفرية فقط[34]، وتأخذ السدس على وفق أحكام المذهب الحنفي



الفرع الثاني

الأم مع الإخوة والأخوات

اذا ما توفى شخص وترك ام وأخوة وأخوات فان لحصة الورثة تقسم بين هؤلاء بشكل مختلف تبعا لمذهب الابن المتوفى إذ تأخذ الأم في الفقه الحنفي ثلث سهام التركه والبقية توزع على الأخوة والأخوات أما عند الجعفرية فان الأم تأخذ كل التركة لأنه تحجب بقية الورثة كونها تشكل طبقة اقرب إلى المتوفى من أخوته أو أشقائه[35] .وهذا أمر ملزم للقضاء العراقي 



الفرع الثالث

الأم مع الزوجة والأولاد

إذا توفى شخص وترك أم مع زوجة وأولاد أو مع احدهم فإنها تستحق السدس، إما إذا كانت الأم مع الأب واحد الزوجين، فان ميراثها هو الثلث، لكن اختلف الأمر في مفهوم الثلث بين المذاهب عند عدم وجود أبناء للمتوفى، حيث أن الجعفرية يعطون ثلث التركة للام عند وجود زوج أو زوجة للمتوفى وأب ، أما عند الأحناف فان الأم تأخذ ثلث الباقي بعد الأب واحد الزوجين وكل فريق له مبرراته الشرعية[36].

المطلب الثاني 

حق البنت في الميراث 

إن حق البنت في ميراث أبيها مختلف حسب وجود ورثة آخرين معها وسأعرض لها على وفق ما يلي

الفرع الأول

ميراث البنت منفرد أو مع أصحاب الفروض الأخرى

اختلفت المذاهب الإسلامية في توريث البنت عندما تكون منفردة وليس معها أي من إخوانها، فعند الجعفرية تأخذ كل التركة وعند الحنفية نأخذ النصف، إلا إن المشرع العراقي وفي خطوة مهمة تعتبر متقدمة جدا قياسا لما عليه في قوانين الدول العربية المحيطة بالعراق، إذ اعتبر البنت كالابن عندما تنفرد بالتركة وتحجب بقية الورثة عدا أصحاب الفروض وعلى وفق قانون التعديل الثاني رقم (21) لسنة 1978 قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 ، عندما أضاف الفقرة رقم (2) إلى نص المادة (91)

الفرع الثاني

حق البنت مع الإخوة 

للبنت صورتين من الإرث عندما تكون مع أخوة ذكور ففي الأولى تأخذ نصف حصة الأخ الذكر وهو ما متفق عليه عند كل المذاهب الإسلامية والدليل الشرعي لذلك هو نص الآية الكريمة (ُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ)[38] وهذا ما اخذ المشرع العراقي في نص الفقرة (1) من المادة (89) من قانون الأحوال الشخصية[39] ، وفي الصورة الثانية إذا كانت الوريثات أكثر من بنت فان الأمر اختلف عند المذاهب الإسلامية بين أن يورثن كل التركة وبين بعضها لكن المشرع العراقي حسم الأمر بان جعل التركة توزع بينهن بالتساوي على وفق نص الفقرة (2) من المادة (91) من قانون الأحوال الشخصية المعدل المشار إليها في أعلاه.

المطلب الخامس 

حق الزوجة 

ترث الزوجة باسهم مختلفة تبعا لوجود أصحاب الفروض الأخرى ، فهي ترث ثمن التركة عندما يكون للمتوفى فرع وارث أي له أولاد سواء كانوا ذكور أو أحياء عند وفاته وتأخذ الربع عندما لا يكون للمتوفى فرع وارث وهو متفق عليه عند المذاهب الإسلامية ويستدل على شرعيته من نص الآية الكريمة (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ)[40]، واعتد المشرع العراقي ذلك في نص الفقرة (1) من المادة (91) من قانون الأحوال الشخصية[41]، وهذا الفرض سواء كانت مع ورثة آخرين أو منفردة فإنها لا ترث أكثر مما ذكر في أعلاه ، لكن يوجد استثناء اقره المشرع العراقي بان أعطى للزوجة والزوج كل التركة عندما يتوفى احدهم ويترك دار سكن واحدة وزوجة أو زوج فقط، وبموجب آلية اقرها في نص قرار مجلس قيادة الثورة المنحل[42] رقم (1170) في 29/10/1977، إذ كانت الزوجة تأخذ الربع ويذهب الباقي إلى المالية العامة للدولة على اعتبار إن الدولة وريث لمن وارث له.

المطلب السادس

ميراث المرأة من ذوي الأرحام

بعد أن ذكرنا في المطالب السابقة حالات ميراث المرأة عندما تكون صاحبة فرض اقره القرآن الكريم وعلى وفق ما أشرت إليه ، لكن توجد حالات اختلف فيها فقهاء المسلمين ولم يعالجها النص القانوني النافذ ، وهذا اعكس على حقوق المرأة، لأنها أصبحت رهينة الاجتهاد، فترى قرار قضائي يحكم باتجاه تعضيد حق المرأة، وفي قرار آخر ينقص حقها ولحالة واحدة، وفي تطبيقات القضاء العراقي حالات تصدى لها في تفسير النص باتجاه تعضيد حقوق المرأة وسأعرض لحالتين صدرت فيها أحكام قضائية من القضاء العراقي وعلى وفق ما يلي: ـ

‌أ- عندما يتوفى شخص ويترك أبناء وبنات أخ أو أخت، فان القانون العراقي لم يتطرق إلى تلك الحالة، وإنما تركها إلى ما كان معمول به قبل نفاذ قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل ، بمعنى الرجوع إلى الأحكام الفقهية للمذاهب ، وفي إحدى الحالات توفى رجل وترك ابن أخت وبنت أخ فقط، فصدر القسام الشرعي الذي ورث الذكر (ابن الأخت) سهمين والأنثى (بنت الأخ) سهم واحد على قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين وتم الاعتراض على ذلك القسام أمام أحدى المحاكم التي كنت أتولى القضاء فيها ، فأصدرت قرار يقضي بمنح البنت ضعف الذكر على وفق مسوغات قانونية وشرعية استنبطتها المحكمة من خلال آراء فقهاء المسلمين والأخذ بالتفسير المتطور تجاه إنصاف المرأة، الذي يشكل أهم المبادئ التي نادت بها الشريعة الإسلامية السمحاء[43].

‌ب- وفي حالة وفاة امرأة تركت من بين ورثتها عمة وأبناء عم وهم على المذهب الحنفي ، فان فقه المذهب المذكور يأخذ بنظام العصبات بمعنى ان الذكر يعتبر عصبة حيث تعرف كلمة عصبة الرجل في اللغة هم بنوه وأقاربه ومأخوذة من عصب القوم بفلان عصبا إذا أحاطوا به ، وتنقسم العصبة إلى قسمين الأول عصبة نسبية وهي ما كانت من جهة القرابة الحقيقية مثل الابن والأب أي بنت الابن ترث، لأنها ترتبط بالمتوفى عن طريق الابن والثاني عصبة سببية وهي ما كانت من جهة القرابة الحكمية الآتية من العتق وهذا النوع من العصبات اندثر ولم يبقى منه إلا ما موجود في كتب التراث[44] فإذا اجتمع مع أنثى ذكر فانها اما ترث معه بالتعصيب اذا كانت تدلي الى المتوفى بذكر مباشر او انها تحجب لكونها ليست بعصبة ، هذا على مستوى الفقه الاسلامي اما المشرع العراقي فانه ذكر نصا المادة (89) على الوارثون وجعلهم في مراتب ففي المرتبة الاولى الابوان والأولاد وان نزلوا وفي الثانية الجد والجدات والأخوة والأخوات وأولاد الأخوة والأخوات والثالثة الأعمام والعمات والأخوال والخالات وذوي الأرحام . وكان يفهم من هذا النص أن المذكورين في المرتبة الأولى يحجبون منهم في الثانية وهكذا لكن محكمة التمييز وبعض شراح قانون الأحوال الشخصية فسروا النص بطريق مختلف واعتبروا إن المادة (90) من ذات القانون أعادت العمل بما كان عليه قبل نفاذ قانون الأحوال الشخصية وفي مبررات ساقها من اعتنق هذه الفكرة وصدرت قرارات من الهيئة العامة في محكمة التمييز التي تعتبر أعلى جهة قضائية في العراق تؤيد ذلك المسعى وان كان هناك قرار أو قرارين اتجها نحو الأخذ بفكرة المرتبة الأولى تحجب ما يليها لكن تم الرجوع عن تلك القرارات ، ومن تطبيقات القضاء الحديثة قرار لمحكمة الأحوال الشخصية في حي الشعب التي أتولى القضاء فيها في الوقت الحاضر، حيث أصدرت قرار بان اعتمدت على مسوغات قانونية في تفسير نص القانون باتجاه أنصاف المرأة من حيث إعطائها حقوقها كاملة غير منقوصة ، وملخص القضية بان توفت امرأة وتركت عمة وأولاد عم وهم على المذهب الحنفي فان فقه المذهب الحنفي لا يورث العمة لوجود العصبات الذكور أبناء العم، إلا إن نص القانون إذا فسر باتجاه اعتبار أخذه بنظام الطبقات أو المراتب فإنها سترث وتحجب البقية حتى وان كانوا عصبة وهذا القرار أثار ضجة في الأوساط القانونية والفقهية وهو الآن محل نظر وتدقيق من قبل الهيئة الموسعة في محكمة التمييز الاتحادية، واعتقد إن الأجواء السائدة في محكمة التمييز تميل إلى نقضه والعودة إلى ما استقر عليه العمل باعتماد العمل على وفق المذهب الذي تدين به المتوفاة وحجب العمة من الإرث كونها ليست عصبة وأرفق نص القرار طي الدراسة لتعميم الفائدة[45] .
المطلب السادس
ملاحظات حول القانون
في هذا المطلب سأعرض بعض الملاحظات تجاه النصوص القانونية المتعلقة بميراث المرأة التي تقف حائل دون نيل المرأة لحقوقها في الإرث بشكل كامل وفي فرعين الأول في ما يتعلق بالزوجة التي يتوفى زوجها قبل أبيه ويتركها مع أولادها وليس لها تركة ووالد زوجها موسر، والثاني حول نص المادة 89 من قانون الاحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل والغموض الذي يكتنفها مما فتح الباب نحو الاجتهاد الذي انقص من حقوق المرأة وكما يلي : ـ

الفرع الأول

المرأة والوصية الواجبة

في هذه الفرضية فإن الزوجة التي يتوفى زوجها قبل والده ثم يتوفى ذلك الوالد، لا ترث شيء على اعتبار إنها ليست من ورثة والدا زوجها المتوفى قبل أبيه وان الرابطة منقطعة بينهم، والقاعدة الفقهية والقانونية إن الحي يرث الميت فقط ، وهذه القاعدة لا تورث حتى الأحفاد، إذا كان أبيهم متوفى قبل جدهم ، وهو مذهب جميع أهل الفقه في المذاهب الإسلامية، ووجد المشرع العراقي مثل بعض القوانين العربية اخذ بمبدأ الوصية الواجبة لهؤلاء الأحفاد وهو رأي يتيم لفقه المذهب الظاهري دون بقية المذاهب ، فأخذ به المشرع العرقي وهو مسعى محمود لصيانة حقوق الأحفاد من ضرر لحق بهم جراء قدر السماء ليس لهم فيه يد، وعلى وفق نص المادة (74) من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل[46]. وبذلك حفظ حقوق هؤلاء الأحفاد سواء كانوا ذكور أم إناث وبمقدار حصة أبيهم المتوفى قبل والده لكن على أن لا يتجاوز حدود الثلث، أما والدة هؤلاء الأحفاد لا تستحق من هذه الوصية شيء ، وعند الوقوف على مسوغات تشريع هذه المادة هو لإنصاف الأحفاد ، والسند الشرعي لفقهاء المذهب الظاهري في التأسيس لها هو نص الآية الكريمة(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ)[47]، كما إن بعض الفقهاء الشريعة الإسلامية عرفوا الوصية الواجبة، بأنها الوصية التي تفرض للوالدين و الأقربين الذين لا يرثون لمانع أو لحاجب[48]، ومفسري تلك الآية لم يحددوا بان الأقربين هم الأحفاد فقط، بل ورد في تفاسير الطبري وابن كثير والقرطبي ، إن الأقرباء الذين لم يرثوا هم الأقربون المشار إليهم في نص الآية الكريمة، وإنما تأويل النصوص القرآنية وتفسيرها هو الذي حصر ذلك بالأحفاد ، والسؤال الذي ينهض لماذا تحرم أم الأحفاد من الشمول بهذا الحكم الوارد في المادة (74) من قانون الأحوال الشخصية ، وهي زوجة الابن المتوفى قبل أبيه، وهي ترث من زوجها ابن الجد المتوفى ، خصوصا إذا ما امتنعت عن الزواج وبقيت على رعاية أولادها وليس لها معيل أو مورد مالي ، وارى إن ذلك يشكل تمييز سلبي تجاه المرأة في هذا الوجه من أوجه استحقاقها في الإرث ، ولا يشكل خللا شرعيا لان المشرع العراقي اخذ به لكونه تلمس المصلحة العامة وكذلك في حال ميراث البنت الواحد والأخت الشقيقة وعدد مرات الطلاق وغيرها مما جاء في نص القانون المذكور ، وهذا المسعى لا يعد مخالفة للأحكام الشرعية على وفق ما يرى البعض لان هذه الأحكام من المسكوت عنها في القران والسنة، واختلف فيها فقهاء المسلمين مما يتيح لولي الأمر المتمثل بالمشرع الذي يصدر القوانين المنظمة للحياة العامة في البلاد أن يختار ما يراه مناسب لمتطلبات الحياة وظروف تطورها، وفي رأي للمحكمة الدستورية العليا في مصر بقرارها المرقم 201 لسنة 2002 عند تصديها للطعن بعدم دستورية قانون الخلع المصري رقم 1 لسنة 2000 وكان الطاعن يرى انه يخالف الأحكام الشرعية ، ورد الطعن وكان من بين هذه الحيثيات التي بررت بها دستوريته هو سلطة ولي الأمر في أن يختار ما يراه مناسب من الأحكام الفقهية وعلى وفق ما يلي ( لا يجوز لنص تشريعي أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها فهذه الأحكام وحدها هي التي لا يجوز الاجتهاد فيها إذ تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً. ومن غير المتصور بالتالي أن يتغير مفهومها تبعاً لتغير الزمان والمكان. وعلى خلاف هذا، تأتى الأحكام الظنية سواء في ثبوتها أم دلالتها أم فيهما معاً. فهذه الأحكام هي التي تنحصر فيها دائرة الاجتهاد، ولا تمتد إلى سواها، حيث تتغير بتغير الزمان والمكان لضمان مرونتها وحيويتها، وعلى أن يكون هذا الاجتهاد واقعاً في إطار الأصول الكلية للشريعة الإسلامية بما لا يجاوزها، متوخياً تحقيق المقاصد العامة للشريعة بما يقوم عليه من صون الدين والنفس والعقل والعرض والمال. ولئن جاز القول بأن الاجتهاد في الأحكام الظنية حق لأهل الاجتهاد فأولى أن يكون هذا الحق ثابتاً لولى الأمر يستعين عليه في كل مسألة بخصوصها، وبما يناسبها بأهل النظر في الشؤون العامة. وأية قاعدة قانونية تصدر في هذا الإطار لا تحمل في ذاتها ما يعصمها من العدول عنها وإبدالها بقاعدة جديدة لا تصادم حكماً شرعياً قطعياً، وتكون في مضمونها أرفق بالعباد، وأحفل بشئونهم، وأكفل لمصالحهم) ، ومن ذلك العرض نأمل أن يلتفت المشرع العراقي ليكون صاحب السبق في إنصاف المرأة ، وإدخالها مع المشمولين في أحكام الوصية الواجبة بمقدار حصتها الأرثية في حصة زوجها بما لا يتجاوز الثلث من تركة والد الزوج المتوفى. 

الفرع الثاني
إشكالية نص المادة 89 من قانون الأحوال الشخصية 
عندما صدر قانون الأحوال الشخصية عام 1959 كان محطة متقدمة في طرق النهوض بواقع المرأة والأسرة واعتمد القانون على التفسير المتطور للشريعة الإسلامية واخذ من مجموع المذاهب التي تنسجم وروح العصر ، إلا أن عدم النص على ما ورد فيه تجاه حصة المرأة في الإرث، فتح الباب نحو الاجتهاد القضائي بالرجوع إلى فقه المذاهب التي كان العمل سائدا بها قبل نفاذه ورجع القضاء بهذا التطور إلى الوراء بدلا من التقدم نحو الأمام، ففي بعض القرارات التي صدرت اعتبر القانون بأنه قد اخذ بمبدأ الطبقات بمعنى إن الورثة من الطبقة الأقرب إلى المتوفى يحجبون البقية ممن هم في الطبقة الأدنى، بدون التفريق بين أعضاء هذه الطبقة سواء كانوا ذكور أم إناث ، ثم رجع القضاء عن هذا المبدأ باعتماد ما كان سائد في فقه المذاهب ، بان تقسم تركة المتوفى على وفق المذهب الذي يعتنقه ، فإذا كان على المذهب الجعفري يتم العمل بمبدأ الطبقات، أما إذا كان على المذهب الحنفي فان التركة تقسم على وفق لمبدأ العصبات الذي يمنع المرأة أحيانا من الإرث، حتى وان كانت تتساوى مع الوريث الأخر الذكر في طبقة واحده ، وبطبيعة الحال كل فقه له من المسوغات الشرعية التي يعتقد بصحتها، وهذا التباين ناجم عن القراءات المختلفة للقضاء فكل قاضي يفسر النص باتجاه ينسجم ومخزونه المعرفي وفي قرار لمحكمة الأحوال الشخصية الذي ذكر في الهامش 45 من هذه الدراسة أشارت إلى مفهوم التفسير للنصوص القانونية وذلك على وفق ما ورد في نص القرار ( ومن خلال الرجوع إلى أحكام القانون النافذ تجد المحكمة إن المادة (89) من قانون الأحوال الشخصية النافذ ، جاء في صدرها ما يلي (الوارثون بالقرابة وكيفية توريثهم ) ومن ثم حددت هؤلاء الوارثون وجاء في البند (3) من تلك المادة (الأعمام والعمات والأخوال والخالات وذوي الأرحام ) وهؤلاء من المرتبة الثالثة في تسلسل المادة (89) وهم الذين ينتمون إلى جد المتوفاة وهم الأعمام والعمات والخالات على الإطلاق، ويستدل من هذا القول إن المشرع العراقي كان يقصد وضع النص بصيغته الحالية وانه قد اختار الكلمات بعناية مقصودة وليست عارضة، حيث أشار إلى ترتيب الأقارب بمراتب وكل مرتبة حدد فيها مجموعة منهم ، وجعل المذكورين في المرتبة الأولى هم الأقوى من المرتبة الأخرى وهكذا وجعل كل من ذكر في المرتبة وارث مع الأخر وعلى وفق الأقوى والأقرب هو الذي يرث المتوفى ومن ملاحظة المواد القانونية التي تنظم المواريث في الباب التاسع المواد (86-91) كان المشرع واضح القصد في وضعه لمفردة القرابة وليس العصبات، ويرى المختصون في تفسير النصوص بان صيغة النص يقصد بها التعبير بالألفاظ عن الصور الذهنية وهي المعاني، فاللفظ هو القالب الذي يتجسد فيه المعنى المراد إيصاله .وحيث إن القاعدة القانونية من صفاتها العموم فان اللفظ في النصوص القانونية تكون عامة لجميع الأفراد . كما يرى بعض الفقهاء (ما من عام إلا وقد خص)[49] والمراد بذلك قصر العام على بعض ما تناوله اللفظ المعبر عن إرادة المشرع) ، وهذا الأمر أدى إلى التمييز بين النساء المسلمات من مذهب إلى آخر . وهو ما يتعارض مع المبدأ الدستوري بالمساواة بين المواطنين الوارد ذكره في نص المادة (14) من الدستور النافذ[50].


التوصيات

بعد ختام هذه الدراسة وجدت من الضروري أن أرفق معها بتوصيات تجاه المعالجة للنصوص النافذة التي يعتريها النقص في البنيان الهيكلي أو نحو إضافة الأحكام القانونية لها وعلى وفق ما يلي : ـ

1. أن تتم إعادة دراسة قانون الأحوال الشخصية النافذ بشكل عام وقضايا الإرث بشكل خاص وبيان النقص الذي اعترى فقراته من خلال التطبيق على مدى الأعوام التي كان فيها محلا للتطبيق

2. العمل على توحيد الأحكام القانونية المتعلقة بإرث المرأة وجعلها منطبقة على الجميع دون تمييز بين امرأة وأخرى من أهل الدين الواحد

3. العمل على تعديل نص المادة (74) من قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل وجعلها تشمل زوجة الابن المتوفى بالوصية الواجبة أسوة بالأحفاد ، لوجود المسوغ الشرعي لذلك , وعلى وفق ما ذكر في مطلب الملاحظات على القانون في أعلاه. 


الخاتمة

في خاتمة هذه الدراسة أوجز ما ورد فيها ، حيث مقدمة وتمهيد أجملتها ببيان البعد التاريخي لمفهوم الإرث وخطة البحث ، ثم في مبحث مستقل تضمن تعريف الميراث في اللغة والاصطلاح وسنده الشرعي والقانوني، كذلك أهم الشروط والأركان، والأسباب، التي يجب أن تتوفر لغرض وجود الميراث سواء بالنسبة للمورث أو الوريث أو الموروث ، وكان القصد من ذلك أن يكون المدخل لمعرفة حقوق المرأة وهل تكون من الورثة، ثم قدمت عرض لأغلب الصور التي تضمنها قانون الأحوال الشخصية النافذ مع بعض التشريعات الأخرى ، لميراث المرأة وبتفصيل موجز بقدر حاجة البحث وسعته، ووجدت إن بعض النصوص التي تتعلق بميراث المرأة قاصرة عن منحها كامل حقوقها التي أقرتها الشريعة الإسلامية السمحاء، القانون النافذ مازال يعكس وجهة نظر إفتائية كانت سائدة في فترة ما قبل صدوره، وان الفكر الذكوري ما زال مهيمن على النصوص حتى في تفسيرها ، واقصد بالهيمنة الذكورية ، هو الهيمنة الفكرية وليس النوع أو الجندر ، لأني وجدت من خلال تطبيق النصوص القانونية أثناء العمل في القضاء ، إن بعض النساء يعتنقن أفكار ذكورية تقلل من فرص المرأة في نيل كامل حقوقها ، وتتكلم هذه السيدات باسم المرأة مما يوحي إلى الآخرين إن المرأة هي من تقبل هذا النظام وانه الأمثل لها ولا تعاني من نقص ، ويرددن بان هذا التمايز هو وظيفي وليس نوعي ، بمعنى إن المرأة تأخذ نصيبها من الإرث بمقدار وظيفتها في الحياة، التي يقصرنها على المكوث في البيت، وكأننا في القرون الوسطى ، ولسنا في عصر وصول المرأة إلى القمر وتقدمها العلمي والميداني وولوجها كل مواقع الحياة التي كانت حصرا على الرجل، ولغرض الوصول إلى أفكار عملية تعزز من الوجهة النظرية طرحت بعض الأفكار التي أجملتها في توصيات ثلاث حول تعديل القانون النافذ باتجاه تعزيز دور المرأة من خلال منحها كامل حقوقها، لان التطور والتقدم في المجتمع لا يكون بوجود عنصر غير مكتمل، لان المجتمع لا ينهض إلا بالرجل و المرأة ، فان كانت لا تملك كامل حقوقها، فإنها لا تعطي ما يتناسب وحجمها الحقيقي في المجتمع ، والغاية من هذه الدراسة هي التذكير بما يعتري النصوص القانونية المتعلقة بهذه الجزئية من حقوق المرأة، ومن ثم فتح الباب نحو المعالجة العلمية للتعديل والإضافة، وأسال الله تعالى أن يوفق الجميع في مسعاهم نحو التقدم والتطور.

والله ولي التوفيق

الحوار المتمدن