عقيدة بثوب آخر

رعد أطياف

الذهنية العقائدية لا تنحصر في شخص المتدين، ومن الإجحاف حصر التفكير العقائدي في هذه الفئة دون غيرها، ذلك إن العقيدة لا تتجسد على شكل نصوص دينية فقط، وإنما على شكل أيدلوجيا صلبة، ترى الآخر بعيونها حصراً؛ أي بمقولاتها وثوابتها، فمن هنا يغدو الآخر شيطان رجيم . من الصعب الفكاك من هذه الحالة بسهولة، ذلك إن الذهن يعشق الألفة والاعتياد والمحاكاة!، فهو نتاج عادات وتقاليد وسلوكيات، وشبكة علاقات معقّدة جداً، إذ يصعب الإفلات من قبضة الأحكام الجاهزة، لأن الهوية الشخصية تشبه إلى حد كبير النظارات الملوّنة، نرى الظواهر من خلالها وما تعكسه ألوانها. ليست العقيدة الدينية والحزبية تحجبنا عن رؤية الأشياء كما هي فحسب، وإنما يكمن الخطر الآخر في هذه الشبكة المعقّدة التي تشكّل هوياتنا الشخصية، ضمن معايير مجحفة وبعيدة عن أي منطق. حتى لو تجرّدنا من الهويات الكبرى التي نرى من خلالها الآخرين، تبقى هوياتنا الشخصية التي نلتفّ عليها كما الشرنقة. صحيح إن المتدين يتصرف بذهنية عقائدية صرفة اعتماداً على نصه المقدس، ويهمل القراءة المعاصرة للنص، ولا يجدد مفاهيمه اعتماداً على حركة التاريخ، ويقع في خانة التكرار والتدوير. لكن غير المتدين يقع في هذا المحذور من خلال التعامل مع المفاهيم كنصوص مقدسة خارج أفق التاريخ!، ويعطّل مفعولها النقدي والتحليلي . وبذلك يقع الاثنان في نفس المحذور، وهو التعالي عن الواقع. قد تتحول العَلمانية عقيدة، أو " المدنية" عقيدة، والليبرالية عقيدة.. خلاصة الأمر، تتحول هذه المفاهيم التاريخية إلى هويات صلبة، ونتعامل معها كما لو أن هناك سلفي نائم في أعماقنا، سرعان ما يستيقظ ويستخدم هذه المفاهيم كأشكال تعبيرية، ويتعامل معها كآليات جامدة وصلبة دون أن يحاكمها ويحللها . فمن هنا شهدنا شعرات خلاصية غريبة عجيبة من قبيل" العلمانية هي الحل "!. نتعاطى مع المفاهيم كنصوص مقدسة لا يمكن التلاعب بها، أو المساس بقدسيتها . لقد حوّلنا الديمقراطية إلى نتيجة تفتقر لمقدماتها، وحوّلنا مفهوم المجتمع المدني إلى منظمات مجتمع مدني؟!، علماً إن هذه الأخيرة تعد آخر نتاج المجتمعات الغربية المتقدمة. نقفز على النتائج حتى لو كانت في اللحظة الحاضرة صعبة المنال في سياقنا الثقافي، من قبيل حقوق المرأة الفضفاضة، دون النظر إلى إمكانيات الواقع ، والاكتفاء مؤقتا بحقوق العمل والتعليم .

بعضنا يطالب بليبرالية دفعة واحدة بذريعة وجود أفراد يؤمنون بالليبرالية، والموضوع لا يتوقف على أفراد، لأن الأفراد متوفرون حتى في الصومال!. بيئتنا لا تشجع على هذه المفاهيم، فضلاً عن افتقارها إلى مؤسسات تنضّج هذه الثقافة. لا توجد طبقة وسطى، لا يوجد أكاديميون أحرار، لا يوجد مواطن بالمعنى الحرفي للكلمة، لا يوجد شعب واضح المعالم . وإنما نحن عبارة عن رعايا وأبناء أوفياء لسياقنا الثقافي القائم على المذهب والقبيلة، ومتى ما ظهرت مؤسسات تعليمية رصينة، ونخبة مفكرة يظهر وجودها للعلن، عند ذاك يمكن القول إننا لسنا عقائديون، فالمثل يقول : ثبّت العرش ثم انقش.

بغداد اليوم 

Tags