«مملكة الهاوية»: إعادة تشكيل الخريطة الجينية للسعودية

فؤاد إبراهيم

رغم ضروب اللامألوف واللاعقلاني، بل اللاأخلاقي، فإنه عهدٌ يتّسم بالوضوح الشديد لمن يرقب أداءه غير المركّب، الذي يعكس بدقة عالية منسوب الوعي البائس لدى الفريق الذي يدير الحكم السعودي حالياً. قد يبدو مفاجئاً وصادماً في أحيان كثيرة ما يفعله الحاكم الفعلي في المملكة، محمد بن سلمان، الذي بات يعرف في الغرب بـ MBS وشعبياً بـ«الدب الداشر»، من تغييرات متعاقبة بطابع «فانتازوي» طبعت عهد الملك سلمان منذ الساعات الأولى لتسلّمه مقاليد الحكم في 23 كانون الثاني 2015

من يرقب رزم الأوامر الملكية السعودية التي غالباً ما تصدر في ساعة متأخرة من الليل أو في الساعات الأولى من الفجر، كان يلحظ مستوى التوتر المرتفع الذي يعيشه العهد الجديد جراء الإعفاءات والتعيينات المتوالية. ففي غضون عامين، استبدل معظم الوزراء، وفي بعض الحالات، استبدل الوزراء لأكثر من مرة، وهناك من نقلوا الى أكثر من وزارة، من بينهم عادل الفقيه الذي كان أميناً لمحافظة جدة عام 2010 (السنة التي شهدت أكبر كارثة سيول في تاريخ هذه المدينة، كما شهدت سقوط أكثر من 110 ضحايا، إضافة الى الخسائر المادية الفادحة).

مع ذلك، تقلّب الفقيه في مناصب وزارية مذّاك في عهد الملك عبدالله وشطر من عهد الملك سلمان، فتولى وزارة العمل، والصحة، والاقتصاد والتخطيط، وبعد مرور سبع سنوات على توزيره أصبح اليوم من بين الموقوفين بتهمة الفساد! الفقيه ليس حالة معزولة بطبيعة الحال، فالحملة الواسعة النطاق التي شنّها ابن سلمان ضد أمراء، ووزراء، ونواب وزراء، وتجار، ومالكي مؤسسات إعلامية... إضافة إلى وضع اليد على ثروات أباطرة المال في العائلة المالكة، وعلى وجه الخصوص: رئيس «هيئة البيعة» مشعل بن عبد العزيز، وولي العهد ووزير الدفاع الأسبق سلطان بن عبد العزيز، ونائب وزير الدفاع الأسبق عبد الرحمن بن عبد العزيز، ووزير المال في عهد الملك سعود طلال بن عبد العزيز، تبعث برسالة واحدة أن الفساد يضرب أطنابه في جسد الدولة من الرأس حتى أخمص القدم.
هي ليست قصة فساد طارئة، ولا ناجمة عن دهم مباغت، ولا هي أيضاً ثمرة استفاقة متأخرة لضمير شاعر بالندم على التفريط في الثروة الوطنية، وحرمان الشعب حقوقه المشروعة. فما حدث عشية الثالث من تشرين الثاني كان الفصل الأخير من خطة التتويج التي بدأ الملك سلمان حبكها في حياة عبدالله، وتم تنفيذ بنودها لحظة إعلان موته باستبعاد النصف الأول من فريقه المؤلف من مستشاره الخاص خالد التويجري، وأبنائه: أمير مكة مشعل بن عبدالله، وأمير الرياض تركي بن عبدالله، وتنصيب ابنه وزيراً للدفاع. فهو بذلك يكون قد وضع قدميه على الطريق الموصلة إلى العرش، ثم توالت الأوامر الملكية الممهدة لوصول آمن إلى الملك.
في 29 نيسان 2015، أطيح ولي العهد الأمير مقرن بن عبد العزيز، واستبدل بالأمير محمد بن نايف، وزير الداخلية، وأعفي وزير الخارجية سعود الفيصل، بدواعي المرض واستبدل بالسفير السعودي في واشنطن سابقاً عادل الجبير.


أراد ابن سلمان أن تكون
المعركة في حياة والده
لتحقيق أفضل النتائج

وهنا نشهد أول عملية تغيير بنيوية في المملكة بإلغاء 12 مجلساً وهيئة؛ من بينها «مجلس الأمن الوطني» الذي تمّ تأسيسه في عهد عبدالله وتولى رئاسته الأمير بندر بن سلطان، والأخير فقد مناصبه جميعاً، إلى جانب هيئات أخرى، وبتنا أمام نظام المجلسين: «مجلس الشؤون السياسية والأمنية» برئاسة ابن نايف، و«مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية» برئاسة ابن سلمان، الذي أصبح ولي ولي العهد ووزير الدفاع، ورئيس مجلس «أرامكو».
اختزال السلطة التنفيذية في مجلسين، وبقدر ما تسبب في إرباك الأداء الحكومي، فإنهما عطّلا دور مجلس الوزراء المعني بمناقشة الملفات التي باتت في عهدة كل منهما. ومن الناحية العملية، وهب النفوذ المتعاظم لابن سلمان من خلال المراكمة المنهجية لصلاحيات غير مسبوقة مشفوعاً بخاصية القرابة، أي بكونه ابن الملك، قدرة استثنائية على الإمساك بزمام المبادرة في إجراء التغييرات التي يشاء في خطط الدولة، وبرامجها الاقتصادية والعسكرية، وحتى سياستها الخارجية.
لم يكن محض نزوع نوستالجوي نحو استحضار سيرة الملك المؤسس، عبد العزيز، حين يراد مطابقة خصائص شخصية الجد والحفيد، برغم الفارق الفلكي بينهما في الدهاء، والخصائص الكاريزمية، والحنكة كخصائص يتمتّع بها الجد ويفتقر الحفيد إلى الحد الأدنى منها، ولكن المطابقة تقتصر على النزعة الفردانية في إدارة شؤون الحكم.
وإذا كانت تلك النزعة مفهومة أو بالأحرى قابلة للتفسير على نحو يجعلها مبرّرة، على الأقل في مرحلة التأسيس، في وقت يسعى فيه المؤسس إلى استيلاد عصبية مسؤولة عن وحدة السلطة المركزية وتماسكها، إذ لم يكن عبد العزيز يعتنق فلسفة سياسية تقوم على مبدأ العقد الاجتماعي، وليس بالرجل الذي يؤمن بمبدأ التوافق بين المكوّنات السكانية، فقد تربّى على نمط قبلي في السلطة مندغماً بالأرض فحسب، ولذلك كان ينظر الى الدولة باعتبارها النطاق الجغرافي الذي فتحه عنوة، وليس الإقليم الذي يتحقق فيه التوافق بين الفئات السكانية المتنوّعة.
في الوهلة الأولى، يمكن المجادلة بأن ما يفعله محمد بن سلمان ينزع إلى إعادة تشكيل الخريطة الجينية للدولة السعودية، وعليه، فهو يرسي تاريخاً جديداً لدولة جديدة مؤسسة على قطيعة مع الماضي، وعملية بتر لجذورها التاريخية والأيديولوجية. وبكلمات أخرى: هي عملية تخريب واسعة النطاق لشبكات علائقية راسخة ومؤسسة على تبادل منافع، وولاءات، وتراتبيات موغلة في المكان والزمان والإنسان. فهي مملكة تؤسس لديكتاتورية فردانية على النسق القديم، ويعاد فيها إنتاج حكومات عصر الانتداب، منسوجاً على ديكتاتورية تستند الى حماية مباشرة من قوة أجنبية. وفي أحسن الأحوال، نحن أمام نسخة متخلّفة من ديكتاتوريات أميركا اللاتينية أو حتى القارة الأفريقية، في وقت يستقبل فيه نادي الديموقراطية المزيد من الدول، رغم العجز الديموقراطي في السنوات الأخيرة نتيجة صعود التيارات الشعبوية في البيئات الحاضنة للديموقراطية.
وعامّة، لا يمكن عزل ما حدث في الثالث من تشرين الثاني عن خطّة التحوّل الوطني، وتالياً «رؤية السعودية 2030» وإن تواطأ الإعلام السعودي على تصويرها بكونها «صناعة وطنية». فمن الحصافة بمكان النظر إلى ما وراء ما يدبّر، والمصبّات النهائية لنهر الأموال الذي يتدفق من مياه الخليج إلى الأطلسي. فالأموال التي تحصد اليوم في الداخل سوف تجد طريقها إلى السوق الرأسمالية، الأميركية على وجه الخصوص.
إن اضطرام نار القلق حول المصير السياسي، يدفع ابن سلمان نحو زيادة وتيرة التدابير الهادفة إلى تأمين مركز السلطة والحفاظ عليها بعدما نجح في ضمان الوصول إليها. ولذلك، فهو في حالة تأهب دائم لدرء الأخطار الكامنة على مستقبله السياسي، وإن تطلب عملاً جراحياً جزئياً أو شاملاً.
دون ريب، هو يغيّر في الشكل الهوياتي للدولة بما لا يمّس جوهرها، ولذلك يريد انتقالاً تقنياً في آليات عمل الدولة بما يعزز سلطته، ولكن لا يعني ذلك مطلقاً تطويراً لبناها السياسية. عملياً، هو لا يحيد قيد أنملة عن سيرة التحديث في المملكة، التي بدأت في مطلع السبعينيات حين عزلت الحداثة السياسية عن التحديث في بعده الأداتي التقني. فهو يريد ليبرالية منزوعة الدسم، أي ليبرالية اجتماعية في شكلها البدائي الذي يزيد في تشويه كائنية وكيانية المرأة بالسماح لها بقيادة السيارة ودخولها الملاعب، وكذلك للشباب بفتح دور السينما، وتنظيم الحفلات الغنائية، وبناء مدينة نيوم كأحد تطبيقات الخيال العلمي في مشاريع السياحة في البحر الأحمر.


ما حدث يهدد وحدة
العائلة المالكة وينذر بضياع
ملك آل سعود


في المقابل، يشي تراكم السلطات وتركيزها في يد ابن سلمان بنزعة احتكارية فريدة للحكم الفردي المطلق (Autocracy) حيث يدير البلاد بلا قيود قانونية، ولا دستور، ولا إرادة شعبية. فالمنظومة المؤسساتية التي أطاحها والده في 29 نيسان 2015 يعاد تركيبها، لكن في سياق تفويض مطلق، وسلطة قيصرية تفضي إلى اختزال الدولة في شخص ابنه.
إن المعارك التي يخوضها ابن سلمان منذ توليه العهد على صلة مباشرة بمرحلة ما بعد والده، فحملة الاعتقال الجماعي للأمراء مصمّمة لمرحلة لاحقة، الهدف من ورائها حسم صراع مستقبلي على السلطة، وقد أرادها أن تكون في حياة والده لتحقيق أفضل النتائج ودرء العواقب الوخيمة. بكلمات أخرى: هو يريد الوصول إلى العرش بصورة هادئة ودون أخطار ولا تحدّيات، ويريد القضاء على خصومه ومنافسيه تحت رعاية والده وحمايته.
من أجل فهم أفضل لما حدث في الثالث من تشرين الثاني، لا بد من معطيات تمهيدية: في البرقية السريّة الصادرة عن السفارة الأميركية في الرياض الرقم: 07RIYADH296، بتاريخ 2 أيار 2006، بعنوان «ولي العهد يدعم الملك في نزاعات العائلة»، وتصنيف: المستشار السياسي ديفيد. هـ. راندل، سرد شامل لملف الفساد في العائلة المالكة، والتدابير الصارمة التي وضعها عبدالله من أجل محاربة الفساد، مبتدئاً بتقليص مخصصات الأمراء. ما يلفت في التقرير أن من عارض وتحدّى تلك التدابير هما: نايف، وزير الداخلية الأسبق، وأمير الرياض سابقاً، سلمان، الملك الحالي. وتدخّل الأمير سلطان، ولي العهد الأسبق، ووبّخ أخويه، وأبلغ إخوته: «إن تحدي الملك «خط أحمر» لا ينبغي تجاوزه». وأضاف: «إذا تحدينا عبدالله، فإلى أين ستكون النهاية». ومنا هنا يمكن الاطلاع على الوثيقة الأصلية: https://wikileaks.org/plusd/cables/07RIYADH296_a.html
في تفاصيل الوثيقة، تكمن حقائق بالغة الأهمية والخطورة، فمن جهة، تكشف عن تفشي الفساد في العائلة المالكة وفي أجهزة الدولة السعودية عموماً. ومن جهة أخرى، المعارضان لسياسة الملك عبدالله في مكافحة الفساد هما: نايف وسلمان، الملك الحالي الذي يتزعم حملة مكافحة الفساد. من جهة ثالثة، لفتت الوثيقة إلى ما نبّه إليه سلطان من مخاطر المجابهة الداخلية، أي داخل العائلة المالكة، على مستقبل الحكم السعودي.
في ضوء ما سبق، إن الحملة المتواصلة على ثروات الأمراء والوزراء والتجار ليست بريئة، وليست السلطة التنفيذية بالجهة المسؤولة عن ملاحقة الفاسدين. ببساطة: إن الغالبية العظمى من الموقوفين جاءت من تلك السلطة، وفي النتيجة فإنه صراع على السلطة وليس فيها.
على مستوى الدلالات، فإن الحملة الأخيرة على الأمراء عابرة للأجنحة واكتساحية، بما يشي بتقويض إحدى ركيزتي الدولة السعودية التاريخية: آل سعود. وقد سبق ذلك بحملة مماثلة ولكن في الوسط الديني السلفي، على خلفية الحرب المعلنة ضد جماعة «الإخوان المسلمين» في الخليج. وهذا يملي تشكيلاً لتحالفات جديدة من خارج القوى التقليدية، أي العائلة المالكة، والمجتمع الديني.
في الدلالات أيضاً، أن الحملة أسقطت «تابوهات» سياسية وأيديولوجية. نتذكر في وقت سابق، تحديداً في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، أي في عهد الملك فهد، صدر أمر ملكي يعاقب كل من يوجّه نقداً إلى الشخصيات العمومية والمسؤولين في المؤسسات الحكومية. وهناك فتوى صادرة عن المفتي العام الشيخ عبد العزيز آل الشيخ في خطبة الجمعة في 27 كانون الأول 2014 بعدم جواز «التحدّث عن عيوب الأمراء والعلماء» لأن «الفساد ما بين الولاة والعامة يفجع الناس في أمر دنياهم... الخ». اليوم، مع اعتقال أمراء كبار بتهمة غسيل أموال أو رشى وغيرها يصبح لـ«هيئة كبار العلماء» كلام آخر، وفق بيانها الصادر في 4 تشرين الثاني، وأن «محاربة الفساد لا تقل أهمية عن محاربة الإرهاب».
هنا لسنا أمام مجرد إساءة استغلال للسلطة، بل نحن أمام عملية توصيم لأمراء كبار أمضوا عقوداً في السلطة. وهذا يعني أننا أمام تجربة فساد موغلة في القدم، وأمام طبقة فاسدة حكمت الدولة لعقود. وهذا يعني أيضاً، وقبل أي شيء آخر، أن الملك الذي دخل دورة السلطة منذ مطلع الستينيات أي حين توليه إمارة الرياض، ومروراً بتوليه وزارة الدفاع، ثم ولاية العهد وصولاً إلى تولي العرش ليس سوى شريك رئيسي في دوامة الفساد.
خلاصة القول: إننا أمام أكبر عملية نصب في تاريخ هذا البلد باسم الحرب على الفساد. والأخطر في التداعيات، الذي حذّر منه الأمير سلطان، هو وحدة العائلة المالكة التي تعرّضت لزلزال عنيف في حملة الاعتقالات الأخيرة، والمنذرة بضياع ملك آل سعود.
لناحية الحملة المتواصلة ضد الأمراء والوزراء والتجّار، نحن أمام هذه الحقائق:
ــ لا فرصة للتراجع إلى الوراء، فالحملة ماضية، ولا إفراج قريباً عن المعتقلين.
ــ لا عودة عن قرار وضع اليد على الأموال والممتلكات، لأن الهدف من الحملة هو تعزيز سلطة وتقويض مصادر تهديدها.
ــ إن الحملة في تواصلها سوف تفضي إلى اختلال فادح في موازين القوى الداخلية.
ــ إضعاف الجميع وصناعة قوة جديدة شمولية مركزية. بعبارة أخرى: تركيز الفساد في شخص ابن سلمان بعدما كان موزّعاً بين عدد كبير من الأمراء.
ــ دعم خارجي أميركي سياسي وأمني لملء الفراغ الشاسع في الدولة.
ختاماً: كان الملك عبد العزيز يصف الدولة العثمانية في أواخر أيامها بـ«الدولة الراحلة»، فيا ترى لو كان حياً ماذا كان ليقول عن الدولة التي يدير دفة حكمها الغلمان؟

 

بين ابن سلمان والملك المؤسس

أغلب الظن أن محمد بن سلمان لا تبدو له السياسة موضوع اشتغال علمي، بقدر ما هي أداة فعل على الأرض، وإن لم يصدر عن تصوّر كوني بهذا القدر من التعقيد، رغم أن عبد العزيز كان يتقن حبائل مكيافيلي، وقد عرض عليه كتاب «الأمير» لقراءته، فقال نحن نطبق ذلك على الأرض. وكرونولوجية ترقي ابن سلمان السياسي تجعل منه شخصية مثيرة للاهتمام، ولكن ذلك كله مرتبط بالروافع التي تضافرت في لحظة تاريخية وسهّلت عملية إنضاج شروط انتقال السلطة وراثياً من الجيل الأول إلى الثاني. على نحو السرعة، فإن تلك الروافع هي:
ــ وجود سلمان كآخر ملك بلا شريك من أعضاء الجيل الأول جعله صانع القرار الوحيد في الدولة، مسنوداً بنظام أساسي للحكم (صدر في آذار 1992) يخوّله إجراء ما يشاء من تغييرات من دون حسيب أو رقيب.
ــ وهْن المنافسين: الضعف الشديد الذي يعانيه إخوة سلمان يجعله في وضع مريح، فالأمير أحمد، شقيق سلمان وهما آخر من تبقى من السديريين السبعة، يفتقر إلى الشجاعة، والمبادرة، وحسن التدبير. أما الأمير مقرن بن عبد العزيز، فقد أعفي من منصبه ولياً للعهد، إذ استسلم لعقدة «النسب لناحية الأم»، فلم يصدر عنه ما يشي برفض، رغم أن الأمر الملكي الصادر في عهد الملك عبدالله والقاضي بتعيينه في منصب ولي ولي العهد، تضمّن فقرة أشبه بـ«برنامج حماية» لمنع سلمان من التصرف قولاً أو عملاً في الأمر. مع ذلك، تجاوز سلمان الأمر الملكي، وأعفى مقرن، وعيّن ابن نايف ولياً للعهد وابنه محمد ولياً لولي العهد. أما بقية إخوته، مثل مشعل وطلال وعبد الرحمن وبندر وغيرهم، فكانوا «أحلاس بيوتهم»، فلم يغيّروا ما عليه سلمان من قول أو فعل. في النتائج، أشعَرَ هذا الوهن الشديد في بقية أعضاء الجيل الأول الملك سلمان بالاطمئنان الى ما كان يدبّره في الخفاء مع ابنه وفريقه السياسي.
ــ إدارة أميركية جديدة مدفوعة إلى حد الجنون بالصفقات الكبرى مع شيوخ النفط، مقابل مستلزمات الحماية. في القصص المروية عن طبيعة الصفقات التي جرى التداول بشأنها، سواء في زيارة محمد بن سلمان لواشنطن ولقاء ترامب في 17 آذار 2017، أو إبان زيارة الأخير للرياض يومي 20 و21 أيار 2017، ثمة أثمان فلكية دفعها ابن سلمان لتوفير الغطاء الأميركي كي يصل إلى العرش بأمان. في حقيقة الأمر، إن قوانين الوراثة التقليدية في العائلة المالكة لم تكن قادرة وحدها على تأمين الوصول السلس إلى العرش، في غياب المظلة الأميركية التي بدت على قدر كبير من الأهمية وكثافة الحضور في «مجزرة الأمراء».

الأخبار