الشيخ رشيد رضا: «إن صوت الشعب هو صوت الله»

محمد بلوط

يوم كان الشيخ القلموني نصيراً للبلاشفة

لا أحد يعرف ما الذي دها صاحب «المنار» رشيد رضا كي ينتصر للبلشفية، وعبرها لجوزيف روزنتال، اليهودي الروسي الاسكندراني، وداعي البلشفية في مصر. لم يكن لأحد أن يتنبأ عام ١٩٢٠ أن الشيخ الإصلاحي، وتلميذ شيخ الأزهر محمد عبده، سيناطح أول الأزهريين المفتي محمد بخيت لإدانته البلاشفة وأكتوبر، ويفتح «المنار»، أشهر منابر الإصلاح الإسلامي في مطلع القرن الماضي، مخصصاً صفحات للدفاع عنها في وجه الظالمين.
ويروي المؤرخ الفلسطيني الراحل حنا بطاطو، في مؤلفه «الحزب الشيوعي العراقي»، أن مخابرات رئاسة الأركان البريطانية في مصر، عبر الضابط بيمان، هي التي أوحت للشيخ بخيت بفتواه. وذلك بعدما تعاظمت «نقابات العمال» و«الحزب الاشتراكي المصري» التي أطلقها الصائغ الاسكندراني روزنتال وصحبه، من يونانيين ويهود روس وشوام مهاجرين، إضافة إلى «جماعة الدراسات الاجتماعية»، والنادي الخاص بشيوعيي الاسكندرية. فتلك المدينة، لولا روزنتال والآخرين، لم تكن لتدخل في عداد بواكير العدوى البلشفية في مصر، لاقتصارها على تجار ومفكرين يونانيين في الثغر المصري.

لم يكن الجحيم بلشفياً بعد في الشرق العربي، وما كان الإسلام العربي أفيوناً ينهى عن الثورة في سيرة الماركسية العربية الأولى. الشيخ رضا الذي كان يتأهب ليصير سلفياً، كما يورد بطاطو، كان محامي البلشفية الوافدة. انتقد الفتوى الأزهرية في مطالعاته لجلسائه على ما أورده تقرير «العميل يوسف» لعامل الرملة البريطاني، من أنه «لم يكن أحد ليعرف عن البلشفية هذا القدر الذي نعرفه، قبل فتوى الشيخ بخيت».
لم تكن مواقف رشيد رضا خروجاً عن مألوف ما بعد الحرب العالمية الأولى في مصر، وما عاناه أهلها.
تلميذ محمد عبده
يناطح أول الأزهريين المفتي محمد بخيت لإدانته البلاشفة

يقول تقرير قائد الشرطة في القاهرة إلى أركان القوات البريطانية: «هناك ميل عام يقول إن البلاشفة سيأتون إلى مصر لأخذها، وسيكون حسناً لمصر أن يفعلوا ذلك. عندها إذا ما احتاج إنسان فقير إلى المال، فإنه سيأخذه من الغني، ويبدو أن أخبار نجاح أو انتصارات البلاشفة كانت تثير موجة من الفرح والسعادة بين كل الطبقات المصرية التي دانت فتوى المفتي الأكبر ضد البلشفية، إذ تعتبر المنتمين إلى هذه القضية محاربين من أجل الحرية».
ولم ينتظر البلاشفة الروس روزنتال، أصلاً، لتصدير الثورة إلى مصر، والعالم العربي. يقول حنا بطاطو إن ممثلين عن حزب الوفد فاوضوا البلاشفة في باريس على دعمهم بالسلاح والمال. ويروي تقرير للمخابرات اليريطانية، ناقلاً عن حافظ عفيفي موفد زغلول إلى البلاشفة: «لم نلتزم إدخال البلشفية كاملة إلى مصر، ولم يسألنا البلاشفة الروس والمجريون أن نفعل. ببساطة، وعد البلاشفة سعد زغلول بمساعدته على طرد الإنكليز من مصر، لأن أي إضعاف للإنكليز في أي جزء من العالم، فيه منفعة للسوفيات».
وبعد ثمانين عاماً ونيّف على وفاة الشيخ القلموني اللبناني في مصر، تسائل «الأخبار» الشيخ رشيد رضا عبر نصوص له حررها آنذاك في «مناره» عام ١٩٢٠، وفي مناخ ما سبق.
«الأخبار»: ما هو موقف الشيخ الجليل مما أفتى به كبير الأزهريين الشيخ محمد بخيت في البلشفية، حين قال إنها محرمة في الإسلام وفي كل دين، لأنها عبارة عن «الإباحة المطلقة للدماء والأموال والأعراض»؟

الشيخ رشيد رضا: «إن الذي من مجموع ما اطلعنا عليه في البلشفية أنها عين الاشتراكية، والمقصود منها إزالة سلطان أرباب الأموال الطامعين، وأعوانهم من الحكام المناصرين لهم، والذين وضعوا قوانينهم المادية على قواعد هضم حقوق العمال في بلادهم، واستعمار بلاد المستضعفين من غيرهم. وإن المراد منها هو أن يكون الحكم الحقيقي في كل شعب للأكثرية من أهله، وهم العمال في الصناعة والزراعة، بعد إسقاط سلطة أرباب الثراء والكبراء المشايعين لهم. وهذا ما فعلوه في روسيا دولة القياصرة الظالمة».
«الأخبار»: ما هو موقف الشرع الإسلامي من البلاشفة؟
رشيد رضا: «إن المسلمين يتمنون نجاح الاشتراكيين نجاحاً يزول معه استعباد الشعوب ــ وكلهم من العمال ــ وإن كانوا ينكرون عليهم كما ينكرون على غيرهم ما يخالف الشرع. على أنهم غير مطالبين عندنا بفروع الشريعة، ما داموا غير مسلمين، وأود أن أستشهد هنا بمقال في صحيفة «سوريا المتحدة» التي تصدر في المكسيك، وتقول: إن صوت الشعب هو صوت الله، أعني أن الأكثرية متى أرادت الحصول على حاجة ضرورية لها، أخذتها عنوة واقتداراً، لأن الأكثرية هي الحقيقة، والحقيقة هي القوة التي لا تقاوم».
«الأخبار»: من هم الاشتراكيون يا شيخنا؟
رشيد رضا: «لا يعجب القارئ إذا قلنا له إن ٩٩ في المئة من سكان الكرة الأرضية هم من الاشتراكيين أو البلشفيكيين. هؤلاء هم الشعب الذي تقول الأمثال هم صوت الله. وهذا الشعب هو الذي يقلب الحكام ويسقط الملوك. نعم لا يستطاع إنشاء حكومات شعبية إلا أن تتبعثر ثروة الأغنياء، وذلك لمقاومتهم ومناوأتهم لمطالب الشعب العادلة، فيضطر هذا إلى أخذها بالقوة والإرغام، فيتضرر الأغنياء في كل أقطاب المسكونة، لكن الشعب ينتفع بذلك، بل إن طمعهم بإبقاء سيطرتهم المطلقة ينتج لهم هذه النتيجة».