لماذا يجب رفض المشاركة باستفتاءات الانترنيت؟

صائب خليل
وصلتني في المدة الأخيرة الكثير من الدعوات من أصدقاء للمشاركة في "استفتاء" على آر تي الروسية فيما إذا كنت أوافق على تصنيف الجامعة العربية لـ "حزب الله" كتنظيم إرهابي أم لا. وقد اجبت بأني لا أشارك بمثل هذه "الاستفتاءات" ونصحت من دعاني ان لا يشارك هو أيضاً. 
وكان الأمر ذاته قد تكرر في استفتاء سابق قبل حوالي أسبوع تحت دعوى ان كوكل بصدد اختيار بين اسمي "فلسطين" و "إسرائيل" لتستعملها في خرائطها، وكان ردي مشابها ونافيا بشكل قاطع.. لماذا؟ 
 .
ببساطة لأن شركة كوكل ليست حيادية بل في اقصى التطرف في وقوفها في الخندق الإسرائيلي، وهي بالضد من الحق الفلسطيني وإعلام اليسار، ولن تعطي نتائج لصالح فلسيطين مهما كان التصويت لصالحها، وهي تستطيع التحكم بالأمر بكل حرية. وينطبق هذا، لأسباب مختلفة قليلا على الاستفتاء الآخر، فالإنترنت بشكل عام مكان مسيطر عليه بشكل شبه تام ولا يصح الثقة به بأية درجة كانت لمثل هذا الأمور، ولا الأمل به وبنتائجه إطلاقا. وحتى حين تنتج بعض التصويتات عن نتائج تبدو نافية لما نقول هنا، ومضادة للخندق الإسرائيلي – الأميركي، فهي قليلة ويكون الغرض منها كسب بعض الثقة من أجل الاستفادة منها لغش نتائج أكثر أهمية مستقبلا. 
.
في آب 2013 قمت بمبادرة ضد المد الطائفي فكتبت " حملة تواقيع - السنة يعلنون تبرؤهم ممن يرتكب العنف الطائفي".(1) ووضعتها على موقع "آفاز" المعروف لجمع التواقيع تحت عنوان "السنة يطالبون الوقف السني إعلان تبرؤهم ممن يرتكب العنف الطائفي".(2)
كانت النتائج منخفضة بشكل غير معقول ولا يمكن تصديقه لمثل هذه الحملة. وانتبهت أكثر من مرة أن الأرقام على الموقع تصعد رقماً ثم تهبط رقماً! وتصورت أن هناك خللاً في النت أو أن البعض يوقع ثم يسحب توقيعه، رغم أني شككت بأن في الأمر لعبة، فهي ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها مقالاتي على النت إلى التخريب.
عرضت مشكلة قلة الأصوات على صديقي لطيف علو وطلبت مساعدته، وكانت الحملة تمثلا تحدياً مع مجموعة من القراء والكتاب على موقع "عراق القانون" (الذي فهمنا لاحقاً أنه موقع إسرائيلي آخر)، فقال لطيف أنه يستطيع وحده جمع أكثر من هذا الرقم بكثير، لكن الرقم لم يزدد إلا بضعة أصوات فقط! فسألته أن يتصل بمن راسلهم ففعل وعاد يقول لي أن عدد الذين تكلم معهم فقط وأكدوا له القيام بالتوقيع شخصياً إضافة إلى تحويلهم الإيميل لكل معارفهم، كان أكثر من عدد التواقيع التي أضيفت إلى الاستفتاء!
أخبرني أنه لا حيلة لنا في الأمر، وقال: "النت من أجهزتهم وهم المسيطرين عليها وعلينا أن نقبل بواقع الأمر!". فكرت أن أكتب للناس شارحاً الموضوع، لكني توقعت أن الجانب المقابل سيفسره على أنه محاولة تهرب من الاعتراف بالهزيمة. 
.
وقد كشفت عمليات تزوير لنتائج الإستفتاءات التي تقام على النت، بواسطة وكالة تجسس بريطانية تدعى (GCHQ) و فرعها (Threat Research Intelligence Group (JTRIG),) والتي طورت أدوات برمجية لحقن النت بمعلومات خاطئة، وتقوم بتزوير نتائج الاستفتاءات وتضخيم ارقام زيارات الصفحات التي تريدها وتمنع عرض تعليقات "غير مناسبة" على اليوتيوب وتراقب وتحذف محتويات الفيدو التي تريد حذفها! وقد غطى الناشط "سنودن" في الويكيليكس تلك الإمكانيات بالتفصيل.(3)
.
أخيراً ربما يطرح المرء سؤالا منطقياً: لماذا لا نشارك على كل حال؟ ببساطة لأن منظر نتائج تلك الاستفتاءات سيكون مخيب للآمال، ومحبط. ولعل هذا هو السبب الحقيقي وراء اجرائها. فلا كوكل يريد ان يعرف رأي الناس باسم فلسطين ولا اعتقد ان آر تي مهتم كثيرا باستفتائه. ولو كان حقا يهمه الأمر لما اجراها بهذه الطريقة التي يعرف المشرفون على الموقع انها بعيدة جداً عن الثقة. 
.
لكن ما الذي يستفيد هؤلاء من "الإحباط" الذي يسببونه لنا؟ 
إضافة إلى أن الإحباط بحد ذاته يدفع نحو اليأس والامتناع عن اية مبادرة، وهو ما نراه يزداد انتشاراً بيننا، فأن إعطائهم الانطباع لنا بأننا "قلة" له أثر مهم في كيفية تعاملنا في معركة حقوقنا الشرسة. فمن يحس بأنه ضمن اقلية، يشعر بالضعف والخوف ويكون أكثر استعداداً للقبول بالتنازلات، بل كثرما يشعر بأنه ربما يكون على خطأ! وقد برهنت تجارب نفسية عديدة هذه الحقيقة منذ منتصف القرن الماضي في اميركا، وضمن الدراسات التي يبدو أنها كانت من أول التجارب الهادفة إلى معرفة ردود أفعال الناس بغية السيطرة عليها. 
.
لذلك فإننا حين نقبل بمثل هذا "الحكم المتحيز" فإننا نسلم الكثير من طاقتنا النفسية ومن روح المبادرة والصراع، إلى جهة غير مؤتمنة، ولاشك انكم تعلمون أن هذه الروح مستهدفة تماما، فمن الضروري قمعها لخلق الانسان المستسلم الذي يتنازل عن حقوقه وانسانيته بدون صراع. 
.
أتمنى أن أكون قد اقنعتكم بإهمال مثل هذه الاستفتاءات مستقبلا، بل والتحذير منها إن وصلتكم إعلاناتها. أما إن أردنا ان نكتب بصمتنا على التاريخ والخرائط، فالطريق معروف، لكنه بالتأكيد أصعب بكثير من نقرة ماوس على الشاشة.
.
 (1) حملة تواقيع - السنة يعلنون تبرؤهم ممن يرتكب العنف الطائفي 
http://www.alnoor.se/article.asp?id=214091 
(2) السنة يطالبون الوقف السني إعلان تبرؤهم ممن يرتكب العنف الطائفي
https://secure.avaaz.org/en/petition/Sunna_denounce_sectarian_terrorism_and_violence
(3) Hacking Online Polls and Other Ways British Spies Seek to Control the Internet - The Intercept
https://firstlook.org/theintercept/2014/07/14/manipulating-online-polls-ways-british-spies-seek-control-internet/