المقاومة الثقافية :تجربة شخصية

رنا بشارة

ما بين الذاكرة والذكرى، تترسّخ قناعاتٌ وتتبلور أفكار، ليصبح الشخصيُّ سياسيًّا والسياسيُّ شخصيًّا. فـ"الثاني من نوفمبر" لا يحيل، في ذاكرتي، على وعدِ بلفور المشؤوم وحده، بل على اسم شارعٍ في مدينة حيفا المحتلّة، سكنتُه أوائلَ التسعينيّات من القرن الماضي، حين كنتُ طالبةً.

ففي أيّار ١٩٩١، وعبر شرفتي المطلّة على البحر من أعالي جبل الكرمل، رحتُ أستذكر، في حسرةٍ، ذكرى نكبتنا. كنتُ قد نمتُ الليلةَ الفائتةَ على صفّاراتِ إنذارٍ، حدادًا على قتلى الاحتلال. فقرّرتُ في الصباح أن أستلّ خرقةً سوداء، أعلّقُها على شرفتي المطّلةِ على باقي العمارات المقابلة، الموشومةِ بعلم الاحتلال الإسرائيليّ.

تذكّرتُ كلامَ جدّتي، ثمّ كلامَ والدي، عمّا حلّ بشعبي في النكبة من تهجيرٍ وتشرّد. وعلى وقع أصوات البواخر الراسية، التي كانت ستحتفي تلك الليلة بذكرى "استقلالهم"/نكبتنا، علت أصواتٌ تسألني عن هدفي من رفع العلم الأسود. فأجبتُهم بما أؤمن به، ثمّ أقفلتُ نافذتي ودخلتُ لأكمل دراستي.

هنا قامت القيامة: إذ جرت محاولةٌ لاقتحام بيتنا، وتعرّضتُ للتهديد، واستدعتني الشرطةُ إلى التحقيق، بعد أن طالب الجيرانُ بترحيلنا من العمارة، بل بطردنا إلى البلاد العربيّة أيضًا.

أيّامٌ صعبةٌ مرّت عليَّ وعلى زميلاتي في السكن. قُطعت الكهرباءُ عنّا، ورُميت النفاياتُ أمام بيتنا. ثمّ خُيِّرنا بين إزالة العلم، أو الاعتقال بحجّة التحريض. رفضتُ إنزال العلم بطلب من الشرطيّ. وبعد نقاشٍ طويلٍ أزاله بالقوّة.

كانت تلك التجربة مقدّمةً لتجاربَ عديدةٍ أخرى خضعتُ لها، صقلتْ شخصيّتي السياسيّة والفنيّة، ودمغتْ ذاكرتي بدمغة التحدّي... إلى الأبد.

 

(تمر الكرامة لِرنا بشارة)

***

حين أكتب عن مقاطعة "إسرائيل" ثقافيًّا، أشعر بالغضب والاستفزاز بسببِ ما أراه اليومَ من استهانةٍ بهذا الشأن المهمّ والحافظِ لكرامتنا الوطنيّة. وأستذكرُ محطّاتٍ مررتُ بها قبل أن أبلغَ قناعاتي الحاليّة، التي أسيرُ على هديها في مواجهة الاحتلال.

فأنا لا أجد أيَّ فارقٍ بين أن يشتري مستهلكٌ فلسطينيٌّ بضاعةً إسرائيليّةً، وأن يعرضَ فنّانٌ فلسطينيّ لوحاتِه في صالة عرضٍ إسرائيليّة أو يقبلَ جائزةَ تكريميّةً من الإسرائيليين. الفعلان يصبّان في خانةِ التطبيع مع الاحتلال، ويعطيان هذا المحتلَّ شرعيّةَ استكمال جرائمه وانتهاكاته.

قبل أكثر من عشر سنوات صدرتْ صحيفةٌ إسرائيليّة بعنوان عريض: "انكسر الحرمُ العربيّ على إسرائيل." كان ذلك على إثر عرض أعمال الفنّانة الفلسطينيّة العظيمة منى حاطوم في متحف إسرائيل، واتّضح أنّ المتحف حصل عليها بطريقةٍ غير مباشرة لكي يروِّج أنّ المقاطعة قد توقّفتْ. عنوانُ الجريدة، غيرُ البريء، أضاء عندي الضوءَ الأحمر، وجعلني أتيقّن من نوايا القائمين عليه، وكيفيّةِ تجييشهم كلَّ الأدوات من أجل تشريع "إسرائيل" ككيان عاديّ يعيش بسلامٍ وأمانٍ في المنطقة! وتدلّ هذه الحادثة أيضًا على عمق أزمة الكيان الصهيونيّ، ومدى رغبته في كسر الحصار عليه بأيّ ثمن. وهذا ما أثبتته تجربتي الشخصيّةُ على ما سأبيّن.

ففي العام ١٩٩٨ (الذكرى الخمسين للنكبة) تلقّيتُ مكالمةً هاتفيّةً من مدير متحف إسرائيل يدعوني فيها إلى المشاركة في معرضٍ بعنوان: "الشرق في الفنّ الإسرائيليّ ــــ في الذكرى الخمسين لقيام دولة إسرائيل." شعرتُ بالغضب والاشمئزاز من جديد، إذ كيف يجرؤ المديرُ على دعوتي إلى المشاركة في ذكرى نكبة شعبي؟ ولماذا إصرارُه على مشاركتي، وتأكيدُه أنّه "سيمحني" حريّةَ عرض ما أشاء؟!

كان ردّي واضحًا. أجبتُه، من دون تلعثم، بأنّني متفاجئة من وقاحته: إذ كيف يطلب مني أن أحتفي بنكبة شعبي؟ وسألتُه عمّا حصل كي يعترف الإسرائيليون، فجأةً، بأننا أصحابُ فنّ وحضارة، علمًا أنّهم لم يكونوا يعترفون بوجودنا أصلًا حين زعموا أنّهم "عائدون" إلى "ارضٍ بلا شعب..."؟ ولماذا غفلوا فجأةً عن السنوات الخمسين التي مضت وهم "يطوّروننا"/يطهّروننا عرقيًّا؟ ألكي يظهروا أمام العالم بمظهرٍ حضاريّ تعدّديّ؟ تلعثم المدير، وأنهيتُ المكالمة.

بعد أيّام عاود الاتصالَ، وجاءت إجابتي تكتيكيّةً هذه المرّة: "أشاركُ في حالةٍ واحدة فقط: أن تغلّفوا المتحفَ الإسرائيليّ بالعلم الفلسطينيّ!"

جاء رفضُه سريعًا. قلتُ إنني كنتُ أعلم أنّه سيرفض، وأنّ هذا دليلٌ على كذبة إيمانهم بحريّة التعبير. أنهى الحديثَ ولم يكرّر طلبَه.

بهذا الموقف شعرتُ أنّني حقّقتُ ولو انتصارًا معنويًّا صغيرًا على مؤسّسةٍ قامت من أساسها على محو وجودي: بدءًا من تدمير 531 قرية ومدينة فلسطينيّة، مرورًا بالمجازر وعمليّات التطهير العرقيّ التي ارتكبتها، وليس انتهاءً بنهب مكتباتنا ومراكز أبحاثنا وإرثنا الحضاريّ والثقافيّ ونسبتِه إليها.

***

كلُّ ما سبق ذكرُه يمهِّد لي الحديثَ عن طريقة تعاملي اليوم مع ما يدور حولي؛ فمواقفُ الإنسان الحاليّة لا تأتي من فراغ، بل هي نتيجةٌ لتراكم التجارب والمواقف.

إنّ مقاطعتي الثقافيّة والتجاريّة للكيان الصهيونيّ هي مقاطعة جوهريّة ومبدئيّة. ولغتي الفنيّة تصبّ في هذه الخانة؛ إنّها "مقاومتي الخاصّة. "وكيف لي أن أتواطأ مع عدوّي، فأخذلَ شعبي، وأنا شاهدةٌ حيّةٌ على عذابه، وأعيش اللحظات، وأوثِّقها لتبقى للتاريخ شاهدًا على جرائم "إسرائيل"؟

من إيماني هذا بالمقاطعة، أنتجتُ عملًا فنّيًّا يحثّ الناسَ عليها: حبّةَ تمرٍ "إسرائيليّة،" محشوّةً برصاصة! وكان ذلك تعبيرًا بسيطًا، يقع في خانةِ ما أسماه البعضُ "السهلَ الممتنع،" ويصل إلى العقل البصريّ قبل العقل الباطنيّ، كي يُبلغ رسالةً سياسيّةً هادفةً، تجعل المُشاهدَ يفكّر مرتين قبل أن يشتري بضاعةً إسرائيليّة. فهو، بشرائه هذه البضاعة، سيتبرّع بثمن رصاصةٍ يقتلها بها الاحتلالُ، فيصبح الشاري بذلك عبدًا للاحتلال مرتين. فالاجدر بالمشتري، إذن، أن يحسمَ أمرَه اليوم قبل فوات الأوان !

***

منذ العام ٢٠١٥ وأنا أتنقل بين احتلالين كلّما تنقّلتُ بين الجليل والقدس والضفّة الغربيّة: الأول احتلالٌ مبطَّن معلَّب؛ والثاني احتلالٌ مباشر وقتلٌ وتعذيبٌ وهدم.

هذا الواقع الجديد دفعني إلى اتّخاذ منحًى آخرَ في التعبير كفنّانة، وكإنسان يعيش يوميًّا الاحتلالَ المباشر وغيرَ المباشر. فعزّزتُ انخراطي في مقاومة ذات شكل جديد، وكثّفتُ من مشاركتي في التظاهرات ضدّ الاحتلال الصهيونيّ والجرائم الصهيونيّة عبر التاريخ. وجيّرتُ فنّي في هذا الاتجاه، فأنشأتُ أعمالًا فنيّةً كبيرة، كالنصب التذكاريّ لشهداء صبرا وشاتيلا في باريس. وخرجتُ بأسلوب جديد في النضال، وبطريقة الفنّ الأدائيّ في المظاهرات الشعبيّة، كـ"كوفيّة الأسرى" المكوّنة من كلبشات الأسرى المنسوجة على جسدي كثوب.

                                     (النصب التذكاريّ لشهداء صبرا وشاتيلا في باريس، لِرنا بشارة.)

لم يعد العرضُ في الصالات والمتاحف في أعلى سلّم أولويّاتي؛ فقد شعرتُ بضرورة وجودِ فنّي بين الناس، لا أن أحصرَه بشريحة معيّنة ترتاد المتاحفَ وصالاتِ العرض ــــ وهذه ليست متوافرةً تحت الاحتلال أصلًا.

لكنْ، في هذا الوضع الجديد ازدادت صعوباتُ العيش. فالتزامي بالمقاطعة كلّفني دفعَ الثمن مضاعفًا. فأنا لم أكتفِ برفض التعامل مع المتاحف وصالات العرض الصهيونيّة ومصادر تمويلها، بل رفضتُ أيضًا التعاملَ مع كثير من المتاحف وصالات العرض الفلسطينيّة المموَّلة من منظّماتٍ غير حكوميّة (NGOs) لأسباب مبدئيّة وسياسيّة لا مجال لذكرها الآن. الخيارات قليلة إذن، لكنّني سأستمرّ على الرغم من الصعاب، وسأوصل رسالتي من دون تردّد حتى نيل الحريّة.

ثمّ إنّ الاحتلال يلاحقنا خارج فلسطين أيضًا. ففي العام ٢٠٠٧ جرت محاولةٌ لمنع معرضي الشخصيّ في جاليري خوليو جونزاليس في مدينه أركاي الفرنسيّة. ومع أنّ المعرض افتُتح بحراسةٍ مشدّدة (من دون علمي)، فقد هاجمتْني في اليوم التالي عضوٌ في منظّمة صهيونيّة فاشيّة (تُدعى "الكريف")، واتّهمتني بالتحريض على دولة إسرائيل. واكتمل هذا الهجومُ بمقال تحريضيّ في صحفهم الباريسيّة، وعلى مواقعهم الإلكترونيّة، وفي صحيفة معاريف الإسرائيليّة.

***

إنّ المقاطعة، بكلّ أنواعها وأشكالها، خيار شخصيّ في الدرجة الأولى، وأعتبرُها كالسدّ المنيع الذي أتحكّم به، فلماذا لا أستغلّه لكي يكون أداةً فعّالةً في وجه الاحتلال ــــ والمثالُ الجنوبأفريقي أكبرُ دليل؟

والمقاطعة في رأيي تنطبق أيضًا على الغلطة التاريخيّة التي ارتكبها جزءٌ من شعبنا في الداخل الفلسطينيّ حين دخل البرلمانَ الإسرائيليّ. فحين يُصدر هذا البرلمانُ القوانينَ ليغطّي على الجرائم، فإنّه يستغلّ وجودَ أعضاء عربٍ فيه كي يشجِّع دولتَه على الاستمرار في جريمته من دون رادع... بل بغطاءٍ ديمقراطيّ أيضًا!

 

فكيف لي أن أمنحَ، وبكلّ أريحيّة، الاحتلالَ الصهيونيَّ الطمأنينةَ كي يستكملَ مشروعَه الاستعماريّ الاستيطانيّ العرقيّ؟ كيف أصادق على جريمته المستمرّة من دون أن يشعر ولو بالذنب؟!

وبالعودة إلى ضرورة المقاطعة الثقافيّة والفنيّة أسأل: كيف أشرعن، وبمشاركتي المباشرة (!)، المشهدَ "الثقافيّ" للعدوّ وهو لا يعترف بوجودي على هذه الأرض؟ المحتلّ يستهدف الأطفالَ، ويعتقلهم بالمئات، ويعذّبهم، ويحتجز جثامينَ الشهداء في ثلّاجاته أشهرًا وسنين، ويهدم البيوتَ على رؤوس قاطنيها، ويحاكم شاعرةً شابّةً (دارين طاطور) بسبب قصيدة، ويحاصر قطاعَ غزّة ١١ عامًا، ويشنّ ثلاثَ حروب عليه. فكيف لفنّانين يعرفون هذه الحقائقَ أن يوافقوا على عرض أعمالهم في مسجدٍ في بئر السبع حوّله الاحتلالُ إلى صالة عرض وحرم السكّانَ الأصليين حقَّهم في الصلاة فيه؟! والأمثلة كثيرة، والقائمة تطول.

المقاطعة مبدأ لا يساوَم عليه، ولا أحد يستطيع أن يسلبكَ إيّاه؛ فأنت سيّد الموقف والقرار. في ظلّ الاحتلال خياراتك محدودة، فحاولْ أن تستغل كلّ فرصة لتحاربه... هذا إذا كنت تتوق إلى التحرر..

الآداب