ثقافة العصر من منظور العولمة

علي محمد اليوسف

على رأس  المسائل تأتي اليوم في عصر العولمة اشكالية الثقافة وعناصرها الجديدة، واصبح مفهوم الثقافة واسع التداول، في الفكر المعاصر، كما ان دلالته اغتنت واتسعت إلى حد انها اضحت بمنزلة قاسم مشترك، يؤلف بين عناصر عديدة يصعب التكهن مسبقاً بوجود علاقة ما تجمعها، لكثرة ما هي بادية للعيان الاختلافات بينها، فهي تشمل اليوم تصورات عن الكون والحياة والانسان، سلوكيات بشرية، موضوعات مادية، مهارات وتقنيات، طقوساً ورموزاً دينية، مؤسسات وعادات اجتماعية، علوماً واداباً وفنوناً، مواقف واستراتيجيات اجتماعية سياسية، واشكالية الثقافة اليوم، في الفكر الفلسفي المعاصر، تشمل مفاهيم جديدة مستحدثة وثيقة الصلة بها منها، الهوية الثقافية، المثاقفة، السياسات الثقافية، الصراع والحوار بين الثقافات (1).

واللافت للاهتمام اليوم بحسب الاستاذ عبد الرزاق الدواي، ان مفهوم الثقافة ينحو تدريجياً لاحتلال مكان مفهوم آخر هو الايديولوجيا، الذي ظل مهيمناً على ساحة الفكر السياسي والفلسفي لفترات طويلة تجاوزت القرن، وبدأت كفة مفهوم الثقافة باشتمالاتها تميل لازاحة الايديولوجيا وهيمنتها السياسية والفكرية.

وعن المثاقفة اليوم لم تعد وسائل الاتصالات الحديثة تستدعي بالضرورة ان يكون الاتصال بين الثقافات في عالم اليوم مباشراً بالمعنى المألوف للكلمة، فالمثاقفة اصبحت ظاهرة اجتماعية واقعية وتاريخية غير ثابتة، متحركة متغيرة، والحق ان الثقافات المستقرة استقراراً نهائياً هي تلك الثقافات التي ماتت وانقرضت منذ زمن بعيد، ان كل ثقافة تتسم بدرجة معينة من الحيوية والحركية، وهي بالتأكيد محل تغير تدريجي بطيئ مستمر، يليها ظهور طفرات متلاحقة في مناحي الحياة المختلفة للشعوب، وواهم من لا يزال ينمي الاعتقاد في امكان وضع حواجز استراتيجية وسياسية قادرة اليوم على الصمود طويلاً امام سرعة انتقال المعرفة والمعلومات والافكار والقيم والمكتسبات الانسانية الراهنة (2).

بالموازاة مع اهتمام الفكر المعاصر باشكالية الثقافة، تعاظم الاهتمام باشكالية الهوية الثقافية التي تغذي خصوصيتها المميزة مشاعر الارتباط العاطفي المثالي بالارض، وبالذاكرة الجماعية، وبالتاريخ والحنين المتجدد إلى الماضي، والى الاوطان عموماً، وكذلك التأثيرات التي تخلقها ايديولوجيات التحرر الوطني في مراحل مقاومة الاستعمار والاحتلال، هذه العناصر اسهمت بقدر وافر في تكوين المضمون الحديث لمفهوم الهوية الثقافية في عصر العولمة، اضف لها نهاية الاستعمار وسقوط العديد من الانظمة الشمولية، واصبحت الهوية الثقافية اليوم ليست معطى ثابتاً، ولا مقولة مطلقة خارج الزمان والمكان، بل هي انجاز وعملية تشييد وبناء مستمر، واذا كانت الهوية الثقافية الحية تتناقل عبر الاجيال، فهي في جزء مهم منها اليوم مشروع مستقبلي متفتح دائماً على القابلية للتجدد واكتساب سمات جديدة (3).

ومن اشكالية الهوية ينبثق مفهوم جديد للثقافة لاول مرة في مسار تطوره الدلالي، مرتبطاً بقيم ومبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان واصبحت ثقافة حقوق الانسان لها حضور متميز بين المثقفين والسياسيين سواء في الفكر العربي أو في مجال الفكر العربي المعاصر، واهم مرتكز اعتمده مفهوم حقوق الانسان هو الاعلان العالمي للتنوع الثقافي الصادر عام 2001، وهو اعلان مهم قيل عنه، ابأن صدوره ضرورة انه يؤسس لفكر اخلاقي جدي، وان اهميته بالنسبة إلى مستقبل البشرية تعادل تلك التي حظي بها من قبل الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948، والتنوع الثقافي ظاهرة اجتماعية تاريخية واقعية تعبر عن طبيعة الحياة مثلها في ذلك مثل التنوع البيولوجي على الارض دائمة بدوام وجود البشر على كوكب الارض، كما ان هذا التنوع يعتبر تراثاً مشتركاً للبشرية عامة (4).

ومن المسائل التي اشغلت العالم نهايات القرن العشرين هي: صدام الحضارات، وحرب الثقافات، ونهاية التاريخ، وظاهرة الارهاب، وجميعها مفاهيم فكرية فلسفية تشاؤمية، لكن لا تعدم وسائل تنفيذها على الارض وفي الواقع بارادة مسبقة، أو دونما ارادة مسبقة، كحتمية تاريخية، اخذت بدايات القرن الحادي والعشرين موضع التنفيذ وتوزعت جغرافياً العالم قاطبة، بالخصوص جغرافيا الوطن العربي، ولا تزال طروحات تعايش الحضارات وضرورات التنوع الثقافي تلقى معيقات لا يستهان بها، وفي مقدمتها بروز تناقضات المرجعيات الثقافية الموروثة للشعوب في انطلاقتها بالتحاور، وهل يبدو التحاور النظري في الملتقيات الثقافية والمؤتمرات الدولية، كافياً لدرء ما هو حيز التنفيذ والتطبيق الواقعي على الارض، لعل نصيب الدول العربية الاسلامية من غلبة التنفيذ المعرقل لحوار الحضارات وتعايش الثقافات والاديان، لها حصة الاسد والاسبقية التي تتحكم به الايديولوجيات السياسية التي تقوم على إرادات متقاطعة، لا ينفع وغير مجد الحديث عن تحاور حضارات والارض تشتعل بالحرائق والقتلى وتهديم البنى التحتية لشعوب غاية امنيتها اصبحت الخلاص من العنف والارهاب بكافة اشكاله ومصادره وتنوعاته، في حرب اجندات سياسية لا تفكر ادنى درجات التفكير في مستقبل الشعوب التي سيحكم مستقبل التعايش ام الاحتراب الدائم.

ومن شواغل الفلسفة المفروضة قسراً على المجتمع الدولي مع وجود الحاسوب والانترنت هو التواصل بين المجتمعات (Communication) وقد تناول هذا المفهوم كلود ليفي ستراوس (1906-2009) وطبقه على مجال الانثروبولوجيا وعلوم الاعلام والتواصل واللسانيات، الا ان القفزة أو الطفرة النوعية جاءت على يد الفيلسوف جورجين هبرماس، فهو صاحب توظيف (الفضاء العمومي للنقاش) في حوار الشعوب وتبادل المعارف وتحقيق التواصل وكتابهُ (الفضاء العمومي: اركيولوجيا الاشهار باعتباره بعداً مكوناً للمجتمع البرجوازي حقق مع صدور طبعته الالمانية 1962، سبع عشرة طبعة)(5).

ثم ناقش بتحليل واقعي مفهوم (المجتمعات الافتراضية) واهميتها في مستقبل البشرية التي حققت نتائج ترابطية تبادلية ما يهمنا منها ما تحقق من ثورات الربيع العربي.

ومن المفاهيم الفلسفية العالقة المعاصرة هي نظرية العدالة التي يعتبر جون راولز (1921-2002) الفيلسوف المبرز، واطروحات هذا الفيلسوف وان كان منطلقها المجتمع الامريكي بمشاكله المعقدّة، الا انها شملت مجتمعات بشرية تعاني من الظلم والتمييز والتهميش واللامساواة، وكتابه الشهير في هذا المجال (نظرية العدالة)(6).

هذا الكتاب بحسب ما يذهب له الاستاذ عبد الرزاق الدواي يعد حدثا في تاريخ الفلسفة السياسية والاجتماعية الاخلاقية، والكتاب يؤسس لمرجعية جديدة لمفهوم العدالة المعاصرة، معتمداً على ميراثٍ عصري هو نظرية العقد الاجتماعي، كما وردت عند هوبز, جون لوك، وروسو، وفي الوقت ذاته مواصلاً لاساسيات المنظومة الاخلاقية عند الفيلسوف الالماني ايمانويل كانط.ويمكن اجمال هذه النظرية في ما يلي:

- مبدأ الحرية المساواة والتكافؤ بالفرص، والتقليل قدر الامكان من مظاهر اللامساواة عن طريق التوزيع المنصف للخيرات الاقتصادية والحقوق الاجتماعية.

- مبدأ الحرية الذي يقضي بضرورة تمتع جميع المواطنين بالحريات المدنية الاساسية.

- مبدا مشروعية حق الاختلاف.

وتعتبر هذه المبادئ لبنات نظرية اساسية لمشروع مجتمع سياسي عادل، يقوم على التعاون المنصف بين افراده وعلى نظام ديمقراطي مؤسس على قواعد مقبولة من طرف الجميع، مشروع يبدو في نهاية المطاف مزيجاً من الواقعية والطوباوية الجديدة.

ومن القضايا الجديرة بالذكر من اراء لهذا الفيلسوف هو انه يسمح في عالم اليوم بوجود دول (مارقة) خارقة للقوانين، ومنتهكة لحقوق الانسان، ومعرضة السلام العالمي للخطر، فأن راولز يبيح استخدام التدخل العسكري المسلح ويعتبره مشروعاً (7).وقد نفذت طبعات لهذا المفهوم باجتياح اراضي وسيادة عدة دول لعل ابرزها كان اجتياح العراق 2003.

وحول مفهوم العدالة الاجتماعية في الفلسفة السياسية المعاصرة نجد المفكر أماريتا صن، عضو هيئة تدريس جامعة هارفرد من اصل هندي وله اسهامات فلسفية عديدة حول ظواهر الفقر والمجاعة والبطالة في العالم نال على اثرها جائزة نوبل، وحول العدالة الاجتماعية يعتبر كتابه (فكرة العدالة) الصادر عام 2002، التفتيش عن مبادئ وقواعد عامة، تكون دعامة اقامة مؤسسات عادلة في عالم يكون نموذجياً ويؤكد امارتيا صن انه لايكفي اجهاد الفكر من اجل وصف مجتمعات فاضلة تتسم بعدالة مثالية، كما هو عليه الحال في اغلب نظريات العدالة الرائجة اليوم في الفلسفة السياسية المعاصرة، وبحسب رأيه قبل التفكير في اشكالية العدالة في حد ذاتها، وقبل التفكير في العناصر والمؤسسات التي يمكن ان تتحقق فيها على صعيد مجتمعات عالم اليوم، يجب البدء في فحص المواقف العينية الواقعية التي نجد فيها حالياً مظاهر الظلم الاجتماعي المختلفة، معنى ذلك ان تشخيص الظلم هو نقطة البداية في أي نقاش نقدي حول العدالة، وفي هذا الطرح يستقي عن رواد الفكر الاجتماعي الانكليزي وعند كارل ماركس.

ان عالم اليوم- حسب امارتيا- تحكمه ظاهرة العولمة، والسنوات القليلة التي مضت حتى الان من عمر الظاهرة كافية للكشف عن ان لهذه الظاهرة وجهاً آخر يبعث على القلق حقاً، فكثير من الشعوب الفقيرة في عالم اليوم ان لم نقل جلها تجد صعوبة كبيرة في الاقتناع بفكرة ان العولمة تفيدها، وانها تستبعد منها فعلاً ولا يمكن غض النظر تماماً عن كون الفقر والبطالة وعدم المساواة داخل المجتمعات، وفيما بينها تتفاقم بسرعة، ويواكب التوزيع غير العادل للعولمة، فضلاً عن وجود تفاوت كبير في امتلاك واستخدام التكنولوجيات الجديدة على المستوى العالمي، ما يخلق شرخاً رقمياً عالمياً اصبحت له وجوه متعددة، فليس عدلاً في نظره ان يموت الاف الناس في العالم من الجوع والفاقة والامراض، ولا ينظر على انها تشكل جريمة كبرى في حق الانسانية، في حين يولي الاهتمام المبالغ فيه لاحداث اخرى ثانوية واقل اهمية (8).

ومن المسائل المثيرة التي تشغل الافكار البيئية المعاصرة ما يعرف اليوم بـ (العدالة المناخية) ان ظواهر الازمة البيئية التي يعانيها العالم منذ سنوات اضحت جلية للعيان لكثرة تسارع وتيرة حدوثها، كما غدت من الموضوعات المستحوذة على اهتمام وسائل الاعلام المختلفة على مدار السنة، وبمقدورنا ان نبرز من تلك الظواهر بصفة خاصة، التلويث المتعدد الاشكال للبيئة، ارضاً وجواً وبحراً وساكنة، حدوث تغيرات مناخية غير مسبوقة، مثل الاحتباس الحراري والارتفاع المتزايد في معدل درجات الحرارة، والجفاف والتصحر، وتسارع ذوبأن الثلوج في القطبين الشمالي والجنوبي، وبالتالي ارتفاع مستوى المحيطات وتسارع وتيرة حدوث الاعاصير والفيضانات، وحدوث موجات برد وعواصف ثلجية استثنائية والتمادي في استغلال الموارد الطبيعية غير المتجددة واستنزافها، وتفاقم ازمة شحة الموارد المائية بشكل خطير، ومواصلة اتلاف وابادة الغابات واتساع مساحة الاراضي غير الصالحة للزراعة وارتفاع انقراض نسبة كثيرة من الانواع الحية، والتنامي الملحوظ لظاهرة الهجرة البيئية، ويمكن ان نضيف إلى ذلك كله الكوارث الصناعية والنووية التي تقع بين فترة واخرى (9).

وهناك حالياً مجموعة من المنظمات المستقلة الناشطة في ميدان الدفاع عن العدالة المناخية منها مؤسسة العدالة البيئية، وهي منظمة بيئية دولية يوجد مقرها في لندن بالمملكة المتحدة، وهناك ايضاً منظمة العدالة المناخية وقد تم تأسيسها خلال انعقاد مؤتمر الامم المتحدة حول التغيرات المناخية في مدينة بالي بأندونوسيا في نهاية عام 2007 ومن مبادئها انها تؤمن ان ليس بالامكان الفصل في عالمنا المعاصر بين الرهانات المناخية والرهانات الاجتماعية، وان الحل الجذري للازمة البيئية الراهنة يقتضي الخروج من نظام الانتاج الرأسمالي في شكله الحالي (10).

 

  علي محمد اليوسف/ الموصل

 ....................

(1) د. عبد الرزاق الدواي، مصدر سابق، عالم الفكر، مج 41، ص 176.

(2) مصدر سابق، بتصرف، ص 177

(3) د. عبد الرزاق الدواي، مصدر سابق، ص 178.-

(4) د. عبد الرزاق الدواي، بتصرف، ص 179، نقلاً عن:

 Armand Mattelart, paris, 2005.

(5) عبد الرزاق الدواي، مصدر سابق.

(6) عبد الرزاق الدواي، مصدر سابق، ص 183.

(7) د. عبد الرزاق الدواي، بتصرف، مصدر سابق، ص 184.

(8) د. عبد الرزاق الدواي، مصدر سابق، ص 186، نقلاً عن مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، دبي، 2010.

(9) د. عبد الرزاق الدواي، مصدر سابق، ص 188.

(10) د. عبد الرزاق الدواي، 

صحيفة المثقف