حول انقلاب صالح على الحوثيين " ما الغريب في ما حدث؟

نصير المهدي

وما الغريب فيما يجري في اليمن علي عبد الله صالح حقق أهدافه وأغراضه وبدلا من التعامل معه كرئيس مخلوع ينضم الى نادري المدانين جماهيريا بعد ما سمي بالربيع العربي عاد طرفا رئيسيا في اليمن وهو في الأساس يمتلك القوة العسكرية فالجيش معه والحرس الجمهوري الذي يقوده ابنه في جيبه والبرلمان اليمني ذو أغلبية من حزبه والرجل تاريخيا على صلة وثيقة بأميركا وعلاقة متينة بالسعودية وهو أول رئيس يمني وقع على اتفاقية اعترفت بتابعية أراض يمنية تاريخية أستولت عليها السعودية في جيزان ونجران بالقوة والاحتلال الى السعودية وهو حليف لنظام صدام سواء في حربه مع إيران أو في مجلس التعاون العربي أو في الاصطفاف معه أثناء أزمة الكويت ثم صارت اليمن مأوى لكل هارب بعد سقوط نظام آل المجيد ومنطلق لنشاطهم وعلى رأسهم عزة الدوري قبل انتقاله الى أربيل وهذه سيرة علي عبد الله صالح فكيف صار بين عشية وضحاها شريكا للحوثيين الذين يحملون عنوان " حركة أنصار الله " .
وكخلفية تاريخية فإن مملكة آل سعود تنظر دائما بعين التوجس لأي حركة حولها وتخشى مصيرا بنهاية حكم العائلة السعودية خاصة وأنها تستند الى عقيدة دينية تقول بأن السلطة لمن غلب بالسيف وإن طاعة ولي الأمر الواجبة على كل الرعايا اليوم تصبح بدون قيمة حينما يتمكن طرف آخر من إزاحة العائلة عن الحكم ويصبح الانقياد لإمرته واجبا دينيا وفرض عين على كل مسلم في حدود ولاية السلطان ولهذا كانت العائلة الحاكمة تنتفض رعبا إزاء أي جديد حتى لو كان بعيدا فكيف حينما يصبح على حدودها كما حصل في عصر جمال عبد الناصر وحينما أطاحت حركة لضباط الجيش بالسلطة الملكية القائمة يومذاك في اليمن ثم وجود وحدات كبيرة من الجيش المصري لحماية الثورة اليمنية من التدخل السعودي وحركة القبائل اليمنية التي تدعمها واليوم يتكرر المشهد الخطير الداهم على حدود اليمن الجنوبية بسيطرة الحوثيين على مفاصل السلطة في الجارة الجنوبية .
في السياق أيضا كانت مملكة آل سعود التي قامت بالغزو والتوسع على طريقة داعش تماما تريد توسيع الغنيمة الى اليمن نفسها ولكنها تعرضت للصد وكان عبد العزيز آل سعود يخشى التوغل في داخل اليمن فيتعرض الى هزيمة تاريخية واليمن بالمناسبة هي البلد الوحيد الذي لم يتعرض بكامله الى إحتلال قوة أجنبية سواء في ظل الدولة العثمانية أو بعد ذلك عندما تقاسم الاستعمار الفرنسي والبريطاني المنطقة بل كانت تتم السيطرة على أجزاء منها وتبقى دولة اليمن صامدة وقد نتج عن الحرب بين آل سعود وجيشهم المسمى بالأخوان " ليسوا الاخوان المسلمين " أن استولت السعودية على مناطق يمنية واسعة هي جازان وعسير ونجران ولم تكن حرب السعودية على اليمن بعيدة عن التحريض البريطاني أيضا حينما كانت اليمن تسعى الى تحرير جنوبها من ربقة الاحتلال البريطاني وترفض توقيع معاهدة مع بريطانيا وهذه الأرض اليمنية ظلت على الدوام جرح غائر في الكرامة الوطنية اليمنية وكانت العلاقة بين مملكة آل سعود وبين مختلف حكومات اليمن علاقة متوترة والضغط الشعبي اليمني كان دائما أكثر اندفاعا من موقف الحكومات حتى التي تناهض مملكة آل سعود وتحافظ على المسافة البعيدة معها .
كان يحلو لعلي عبد الله صالح أن يسمي نفسه اللاعب على رؤوس الأفاعي والمعنى المتقلب في مواقفه وخاصة مع الجار السعودي فقد كانت العلاقة تصل الى ذروة الوفاق بحيث يستغل صالح قوة حكمه فيكون أول رئيس يمني يعترف لمملكة آل سعود بالحدود القائمة معها مع أن هذه القضية بالنسبة لليمنيين من أقدس قضاياهم السياسية وهو في المقابل يصعد التوترات الإعلامية مع المملكة حتى يظنه المراقب العدو رقم واحد لها وربما لإرضاء توجه شعبي عام لا يعكس حقيقة العلاقة مع السعوديين بحيث أنه حينما تعرض الى محاولة إغتيال لجأ الى السعودية للعلاج والإقامة المؤقتة حتى شفائه . 
تذهب بعض الآراء الى اعتبار الرئيس اليمني السابق أخطر وأذكى اللاعبين في اليمن بحيث شبك جميع من حوله سواء في داخل اليمن أو خارجها في ملحمة كبرى وصار الإيراني يناطح السعودي والحوثي يتحالف مع حرس علي عبد الله صالح الخاص وبدلا من الانشغال بترتيبات ما بعد انهيار نظامه لصالح الأخوان المسلمين الذين تحولوا في المنطقة الى خطر داهم يهدد مملكة آل سعود سرعان ما طار نظام الأخوان وسيطر تحالف من " أنصار الله " و " أنصار عبد الله " ولكن ذكاء الرئيس اليمني المفترض لا يمكن أن يعني غباء الأطراف الأخرى التي تقاسمت الأدوار في اليمن كما إن حركته الأخيرة ليست مفاجئة فالاصطدام بين طرفي التحالف اليمني متوقعا وينتظر اللحظة المناسبة .
والأزمة بين الحليفين اليمنيين ظهرت الى العلن منذ ثلاثة أشهر حينما اتهم الحوثيون حليفهم صالح بمد الجسور سرا مع مملكة آل سعود والتحالف الذي تقوده في عدوانها على اليمن وإن كانت قد تصاعدت الى حد الخطاب الأخير لعلي عبد الله صالح الذي دعا فيه السعوديين الى فتح صفحة جديدة فإن الأوضاع ستتجه حتما الى الاصطدام المباشر مما يجهل مهمة الحوثيين الذين يقودون البلاد تحت مسمى اللجنة الثورية العليا عسيرة جدا وعلى الأقل يمنح المزيد من الشرعية للسعودية في عدوانها المتواصل خاصة وأن في جيبها حكومة الشقة المفروشة في الرياض التي يقودها عبد ربه هادي وهي التي تحظى بالاعتراف الرسمي عربيا ودوليا كممثل لليمن فضلا عن الثقل العسكري لنائبه علي محسن صالح الأحمر ولقب الأحمر هنا نسبة الى مدينة الأحمر وليس لقبائل آل الأحمر زعماء قبائل حاشد ذوي العلاقة المتينة مع مملكة آل سعود وقد تحالفوا مع الأخوان المسلمين أثناء التظاهرات المعادية لصالح وأخيرا الرئيس اليمني السابق الذي يدين له الجيش بالولاء خاصة الحرس الجمهوري الذي تم تشكيله على الطريقة العراقية في عهد صدام فصار جيشا خاصا قائما بذاته يقوده الأخ غير الشقيق لصالح علي صالح الأحمر ثم ابنه أحمد الذي كان يسعى لتوريثه الحكم فضلا عن قيادته للحزب الأكبر في اليمن : المؤتمر الشعبي . 
علي عبد الله صالح راعي الأغنام الذي لم يستطع الالتحاق بالمدرسة فدرس في كتاتيب القرآن وتطوع في الجيش برتبة عريف ولكنه شق طريقه الى المناصب الحساسة ثم تولى الرئاسة بعد إغتيال رئيسين يمنيين " إبراهيم الحمدي وأحمد حسين الغشمي " وأصبح الحاكم العربي صاحب أطول مدة في الحكم بعد معمر القذافي وقد صنف نظامه كنموذج للأنظمة الكليبتوقراطية وكانت اليمن في ظل حكم علي عبد الله صالح في قائمة الدول التي تتميز بمستوى عال من الفساد بحسب التقارير السنوية لمنظمة الشفافية العالمية وخاصة بوجود عائلته التي تقاسمت أهم المناصب الرسمية العسكرية والأمنية وأدارت معها مرافق الدولة الاقتصادية وسيطرت على كل مجالات التجارة الداخلية والخارجية . 
ماذا عن الطرف الآخر في هذا التحالف الذي أعلن علي عبد الله صالح انهياره أعني حركة أنصار الله الحوثية نترك الحديث عنه الى جزء قادم .