اليمن: صالح والعدوان السعودي وتهمة التعاون مع إيران/3

نصير المهدي

ما امتدت يد آل سعود الى مكان ما في هذا العالم الإسلامي الا وكانت تحمل حقيبة المال والفتنة واليمن التي عاشت قرونا وهذا تاريخها يشهد لم تعرف حربا طائفية في ظل حاكم شيعي زيدي ومحكومين سنة شوافع والأمر حقا لم تنفرد به اليمن فهناك بلدان أكبر وأكثر تعقيدا من اليمن وقد ضربت مثلا في مناسبات سابقة بمصر واحة الاعتدال في المنطقة العربية والباكستان التي تعد واحدة من أكبر البلاد الإسلامية التي تقطنها غالبية سنية مطلقة وتحكمها لفترات طويلة عائلة شيعية والنسبة بين المذهبين في الباكستان لا تقاس كمثيلتها في اليمن . 
علي عبد الله صالح كان يطمح في معالجة مشاكل اليمن الإقتصادية بالعون المالي السعودي والخليجي بل امتد طموحه الى الدعوة لضم اليمن الى مجلس التعاون الخليجي وقد غذت مملكة آل سعود وأخواتها الخليجيات مثل هذا الطموح وأشاعت في ذهنه وهم امكانية تحقيقه ففتح اليمن على مصراعيها للنفوذ السعودي ولم تكن اليمن خالية منه فعلى الأقل قبائل عديدة كانت تربطها علاقة وثيقة بالسعودية وشيوخ قبائل على مستوى من الأهمية والتأثير كعبد الله الأحمر الذي كان يترأس المجلس القبلي المعروف بمجلس الشورى والذي حله الرئيس الأسبق ابراهيم الحمدي وغيره من زعماء القبائل الذين ضيقت عليهم سلطة الحمدي الخناق وقطعت عنهم ما كانوا يتلقونه من دعم الدولة المالي فاستغلت السعودية الأمر لتبسط نفوذها أكثر وأكثر وقد كان نفوذا سياسيا لا يتوقف على شرط التوافق المذهبي حتى الثمانينات عندما بدأت السعودية نشاطا آخر وهو تصدير المذهب الوهابي الحنبلي وما يرتبط به من تكفير وبالطبع فالهدف الطبيعي لحملات التكفير هم الزيدية مع أنهم يختلفون عن الشيعة الإمامية خاصة في مسألة الإمامة والخلافة وإن كانوا يتفقون معهم في النص الا أن رأيهم أقرب الى المعتزلة في إمامة المفضول بوجود الأفضل ولهذا يقرون خلافة أبي بكر وعمر بخلاف الشيعة الامامية وهذه الذريعة التي تتخذها الوهابية للتأليب على الشيعة والتحريض ضدهم . 
بدر الدين الحوثي من أكابر علماء الزيدية تنبه الى خطورة هذا النشاط السعودي وأهدافه فشكل في المقابل حزبا سياسيا للتصدي للنفوذ الوهابي أسماه حزب الحق اليمني وقد تطور الحزب الى حركة تدعى " الشباب المؤمن " وصار أتباع الشيخ بدر الدين الحوثي يعرفون بالحوثيين نسبة اليه ومقره في صعدة المنيعة والحصينة وصعدة هي المقر التاريخي للدعوة الزيدية في اليمن وفيها بدأ يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي من نسل الحسن بن علي عليهما السلام دعوته الدينية وكان يلقب بالهادي ويعرف الزيدية في اليمن بالهادوية نسبة اليه أيضا ومع أن الزيدية تاريخيا قد شهدت انشقاقات وولادة فرق منها الا أنها جميعا قد انقرضت ولم يبق لها أثر سوى في كتب التاريخ وأذكر هذا الأمر لأن الدعاية الوهابية كثيرا ما تصم الحركة الزيدية المناهضة للوهابية في اليمن بأنها من أتباع الجارودية وغيرها من الفرق الزيدية المنقرضة ذلك أن الجارودية كانوا يكفرون أبا بكر وعمر لاغتصابهما الخلافة من الامام علي عليه السلام وبهذه الحجة تريد الوهابية أن تعزز التحريض ضد المذهب الزيدي وتكفيره كبقية الشيعة والطريف أن لبدر الدين الحوثي كتابين نقديين أحدهما عنوانه " من هم الرافضة " والآخر " من هم الوهابية " في إدانة وتفنيد الأساس العقائدي لكلا الطرفين .
يضاف الى هذا الاستهداف الوهابي السعودي ظلم متراكم عبر سنوات طويلة تعرضت له شريحة من المجتمع على يد الحكومات المتعاقبة وطبيعة نظام علي عبد الله صالح العائلي والفساد الذي صار يتصاعد عبر سنوات الحكم هذان الأمران كانا وراء صعود ما عرف بالحوثية نسبة الى الشيخ الحوثي كما أسلفنا والعلاقة بين الحركة الجديدة التي استقطبت أوساطا واسعة من اليمنيين كانت تتأثر بالتغيرات التي تطرأ على علاقات النظام في اليمن فعلاقة جيدة مع السعودية تعني تشديدا للقمع في داخل البلاد وفتح الباب أمام بعثات التبشير الوهابية وخلاف مع مملكة آل سعود تسمح في المقابل لحركة الحوثي بأن تزيد من نشاطها الدعائي والإعلامي في مواجهة حركة التكفير الوهابية الوافدة الى اليمن .
لم تكن تهمة العلاقة مع إيران قد دخلت على الخط بعد وإنما كان نظام صالح يواجه معارضيه بالاتهامات الثلاثة الأكثر حساسية في الخطاب اليمني والى يومنا هذا بعد مقتله : العداء للجمهورية والعمل على إعادة الملكية والامامة والعداء للوحدة والعمل على إعادة الانفصال وموالاة مملكة آل سعود والتفريط بالحقوق التاريخية لليمن وقد انطلقت الحوثية في المقابل من قضايا مطلبية واتهامات للحكومة بالإهمال والتهميش وعدم الوفاء بوعودها بصدد الخدمات وغيرها وفسح المجال أمام النفوذ السعودي الوهابي في اليمن .
في العام الرابع من الالفية الثالثة كان نظام علي عبد الله صالح قد أعلن تحالفا مع أميركا في الحرب على الإرهاب ومع تزايد نشاط الحوثيين السياسي والتحريضي ضد نظامه بدأ خطة لضربهم والتهمة الجاهزة هي التآمر على الجمهورية بينما دخل العامل السياسي في شعارات الحوثيين واتهام النظام بالعمالة لأميركا وتوسعت دائرة الشعارات من المطلبية الى السياسية حتى أن صالح زار صعدة لاستعراض قوته بمناسبة العيد فواجهته الهتافات : الموت لأميركا والموت لإسرائيل وهذا هو المدخل الأول لاتهامات الحكومة للحوثي بتكوين مليشيات وتخزين أسلحة لإعادة الملكية بالتعاون مع إيران الأمر الذي دفع صالح الى تجريد حملة عسكرية على حسين بدر الدين الحوثي القائد الميداني والناشط الدعائي استمرت ثلاثة أشهر وانتهت بمقتل حسين الحوثي واعتقال والده الشيخ بدر الدين الحوثي وقد كانت تلك الواقعة هي الأولى من ستة حروب بين النظام في صنعاء والحوثيين وقد قضى صالح قبل أن يتمكن من الاعداد لحربه السابعة .
يبدو أن تهمة التعاون مع إيران هي أسهل طريقة لتبرير العدوان على بلد عربي وتدميره وبهذه الذريعة دمرت مملكة آل سعود وتوابعها العراق ثم انعطفت الى سوريا فاليمن والسؤال الذي ينتظر الإجابة هل ترك الحكام السعوديون خيارا آخر بعد تدميرهم الأمن القومي العربي وإشاعة الخراب في البلاد العربية سوى أن تملأ إيران الفراغ الذي تتركه الفوضى الخلاقة جدا التي ساهموا بإشاعتها في أكثر من بلد عربي ثم تصارخوا بأن إيران تتدخل في شؤونهم الداخلية وحتى على المستوى الشعبي أصبح المواطن مسلوب الوعي والإرادة معا بحيث يرضى بكل هذا الخراب ويقنع نفسه بأسبابه التي تبثها ماكينة الدعاية الموجهة ويتعايش مع حروب الإبادة الشاملة لمجرد أن يطرح اسم إيران كمبرر وستار لهذه الحروب الإجرامية التي صممت خصيصا للمنطقة . 
وبينما تنهض الإنسانية والعواطف الجياشة في كل مكان ينسى الانسانيون جدا رقيقو القلوب أسخياء الدموع أن في اليمن شعب يذبح ومن لم يمت بالعدوان السعودي الاماراتي الجاري على مدار الساعة تقتله المجاعة والأمراض .

رابط الجزء الأول

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=2040709319543505&set=a.1473263359621440.1073741828.100008133698983&type=3&theater

رابط الجزء الثاني

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=2041082059506231&set=a.1473263359621440.1073741828.100008133698983&type=3&theater