التغيير بات ضرورة تاريخية... والمدخل الفعلي للوحدة والعيش بكرامة

في غمرة الأحداث العاصفة بمنطقتنا، تحل في هذه الأيام الذكرى السابعة لتظاهرات «سيدي بو زيد» وشعلة «البوعزيزي». شعلة كادت أن تأتي على هشيم الأنظمة العربية وتطيح هياكلها العفنة، قبل أن تنجح القوى الإمبريالية وموجوداتها الرجعية المحلية في اختطاف حركة الانتفاض الجماهيري ومنعها من تجذير مطالبها وتنظيم صفوف شرائحها الشعبية ووأدها في أتون الحروب الأهلية التدميرية.

سبع سنوات مرّت، والجماهير الشعبية في غالبية كيانات أمتنا، تتخبط في بحر من الدم والدمار وبؤس التشرّد، تحاول، بتفان لامتناهٍ، استعادة المبادرة من دون نجاح كبير لغاية اليوم. برغم التغيّر النسبي لموازين القوى في هذا الكيان أو ذاك، وما استتبعه من تحوّلات في لوحة التحالفات المحلية والدولية، لا يبدو أننا الآن، في أواخر أيام هذه السنة، بتنا على مشارف مرحلة جديدة تخفّ فيها حدة التوترات بحيث يتيح استقرار الأوضاع بعض الشيء بدء عملية إعادة إعمار أو ما شابه.
ما يجري في المنطقة من مؤتمرات للرجعيات العربية ومشاركة بعض دول العالم الإسلامي بتوجيه وإشراف مباشر من الدوائر الإمبريالية، الأميركية منها بشكل خاص، يرمي إلى مزيد من التصعيد لا إلى عكس ذلك. ما يتم من لقاءات وتواصل وربما تنسيق أيضاً، بين غالبية الدول العربية في الخليج (وغير الخليج) وإسرائيل يوحي بأن التحالف الأميركي يعمل على مشروع متكامل وتندرج تصفية القضية الفلسطينية في رأس أولويات هذا المشروع.
وأهم من يتصور أن بوسع هذا البلد العربي أو ذاك أن يبقى بمنأى عن ارتدادات كل هذه المجريات، ولا سيما حينما يتعلق الأمر بكيانات مشرقنا العربي. فإذا كان بوسع هذا الطرف أو ذاك أن يتشدق بسياسات النأي بالنفس عما بين الطغم المالية العربية الحاكمة ونظمها من مشاكل عالقة واختلافات، إلا أنه لا يمكن الحديث عن أي شكل من أشكال النأي بالنفس حينما تندرج المسألة في إطار التطبيع مع الكيان الصهيوني وتصبح تصفية القضية الفلسطينية مطروحة على جدول الأعمال الراهنة.
أكثر من أي وقت مضى، جماهير شعبنا معنية بفضح ومواجهة كل المتواطئين مع المشروع الأميركي الصهيوني التصفوي. أكثر من أي وقت مضى، بات على الجميع في لبنان وفلسطين التمسك بشرعية البندقية المقاومة. طبعاً جماهير شعبنا تعرف جيداً أن مقاومة قوات الاحتلال الغاصب ومواجهة الطغمة المالية المتحكمة بكل مقدرات الوطن وجهان لسيرورة واحدة. ففي ظل هذه الظروف المعقدة وتعدد المهمات وتداخلها، بات التغيير الديموقراطي بحكم الضرورة التاريخية لتعزيز بندقية المقاومة ولمواجهة المشاريع الإمبريالية والصهيونية التي يتعرض لها بلدنا وسائر البلدان العربية.
فبقدر ما تعتبر جماهير شعبنا إنجاز التحرير من دون قيد أو شرط مفخرة الوطن المقاوم، تعرف في الوقت نفسه أنه يفضح تخاذل وتواطؤ مختلف الأنظمة الرجعية العربية. ولذلك ضبطاً، ترى هذه الأنظمة ضرورة تشويه وتسفيه هذا الإنجاز العظيم. انتصر بلدنا لأنه واجه العدوان بإرادة المقاومة لا بصفقات السماسرة والتباكي عند أبواب السفارات الأجنبية. انتصر بلدنا لأنه واجه العدوان بصمود المعتقلين في سجون الاحتلال وبالتفاف جماهير شعبنا واحتضانها للمقاومين والمدافعين عن الأرض ولقمة العيش. شعبنا يعرف بشكل قاطع أن النصر يأتي من فعل المقاومة لا من التواطؤ وعقد الصفقات مع ممثلي هذه الإمبريالية أو تلك. شعبنا يعرف أن النصر يأتي من الثبات على المواقف والتمسك بالمسلمات التاريخية وإدانة كل سياسات الارتهان والتفريط بمقدرات الوطن وكرامة المواطن.
شعبنا يعرف أكثر من أي كان أن لا بديل من المقاومة لمواجهة الاحتلال وهزيمته، ولا بديل من الانتفاض الجماهيري لإنهاء الظلم والاستغلال وتسلّط الطغمة المالية الحاكمة عبر نظام المحاصصة الطائفية المسؤول عن الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. شعبنا يعرف أن التغيير بات ضرورة تاريخية والمدخل الفعلي للوحدة والعيش بكرامة. بفضل كل ذلك، شعبنا يعرف أن الدفاع عن مشروعية المقاومة يجد أروع تجلياته في فضح آليات الفساد والمفسدين وفضح الارتباط العضوي بين سياسة النهب والتجويع في الداخل، وسياسة التفريط والارتهان للخارج، وتأكيد الارتباط العضوي أيضاً بين ضرورة بناء الدولة المدنية الحديثة والقضاء على دولة السماسرة المتواطئة مع كل القوى الرجعية في المنطقة.
(كُتب هذا النص قبل إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل)

الأخبار