هل سيعطش العراق.. وكيف نواجه املاء سد اليسو التركي؟

أ.د. حسن خليل حسن

(مقالة تلخص الخبرة البحثية لعشرات البحوث المؤلفة والخبرة المكتسبة من المشاركات العديدة بالفعاليات العلمية التي تخص الموارد المائية في العراق)

اصبحت مقولة (قطرة ماء تساوي قطرة بترول) من الماضي كونها اقل واقعية، لذا من الضروري استبدالها بأن (قطرة ماء  تساوي قطرة دم..!). ويجمع خبراء المياه ان مشكلة المياه باتت ظاهرة عالمية، وقد برزت مؤخراً بشكل لافت بسبب تزايد اعداد السكان بشكل انفجاري، وزيادة حجم استهلاكهم وتصاعد المتطلبات الزراعية والصناعية والخدمية من الكميات المحدودة من موارد المياه العذبة المتاحة ذات النسبة الثابتة في الطبيعة، ناهيك عن التغير المناخي الذي غيّر كثيرا في توزيع تلك المياه ودرجة الاستفادة منها، وتعاني الموارد المائية السطحية في العراق من ازمات متصاعدة فيما يتعلق بكمية المياه العذبة ونوعيتها بسبب موقع العراق في نهايات المجرى المائي لنهري دجلة والفرات وزيادة فعاليات الخزن المائي في دول المنبع، وبلغة الارقام فأن ما يقارب من نسبة 74% من مياه العراق تأتي من خارج العراق وتحديدا من تركيا وايران وسوريا، وحوالي 26% من داخل العراق معظمها يقع في اقليم كردستان، وان كل الاطراف المذكورة خططت للاستحواذ على كمية المياه التي تمر في أراضيها، فبالنسبة لمياه الفرات تناقصت الى اقل من ثلث ايرادها الطبيعي بفعل نشاط التخزين الذي وصل الى قمة الاستحواذ  في تركيا وسوريا، ومن المتوقع انه سيجف نهائياً بحلول العام 2035، وقد برزت مؤخرا ازمة مماثلة بالنسبة لمياه نهر دجلة وهي المشكلة الاكبر، ، فبعد السدود العديدة على النهر في تركيا وايران منذ الخمسينيات من القرن الماضي، وصل التخطيط الى اوجه وستحصد تركيا جميع ما تبقى من مياه العراق عبر التخطيط لإملاء سد اليسو التركي في فصل الربيع من العام القادم 2018، وخطورة هذا السد انه سيحول موقع الخزن من العراق الى خارجه، بمعنى انه سوف يستبدل الخزن في سد الموصل (الذي يعتمد عليه العراق جذريا خلال فصل الصيف) بالخزن في سد اليسو ليتم استثماره داخل الاراضي التركية، وهذا سيحرم العراق من المصدر الرئيس لاستخدامات المائية داخل العراق، ولتوثيق ذلك فأن الطاقة الخزنية لسد الموصل هي 11 مليار متر مكعب وهي قريبة جدا من السعة الخزنية لسد اليسو(10.4 مليار)، بمعنى ان سد اليسو مخطط حقيقي لتعطيش العراق، اذ ان السد سيبتلع نصف تصريف نهر دجلة في الربيع ويسبب خللاً كبيراً ببرنامج الخزن العراقي خلال الفترة الواقعة بين الاشهر تشرين الاول- حزيران، كما انه سوف يسبب انهيار برنامج الاطلاقات المائية من سدود العراق الى مناطق الوسط والجنوب الذي تعتمد عليه الحياة في العراق خلال اشهر الصيف للفترة الواقعة بين الاشهر حزيران-ايلول، وهنا تكمن الخطورة اذ ان العراق غير مستعد حالياً لمواجهة هذه الازمة الكبيرة مع استمرار اتباع الاساليب المتخلفة في الري والهدر الكبير في المياه المخصصة للاستخدامات المنزلية وكارثة التجاوزات على الحصص المائية .

ومن اجل مواجهة تلك الكارثة علينا قراءة وتشخيص الواقع المائي في العراق في هذا الظرف العصيب، اذ ان هذا السد العملاق يمكن ان يقضي على السلام في المنطقة لما سوف يسببه من واقع مأساوي مرعب لبقعة مأهولة من السكان تعتمد كلياً على المياه السطحية لنهر دجلة، بعد ان اضمحلت موارد المياه السطحية الاخرى في العراق وخصوصا نهر الفرات الذي يعاني من شحة شديدة في التصريف وتدهور حاد في نوعية المياه.

ولمواجهة ذلك الخطر الرهيب نضع عدة مقترحات من شأنها مواجهة ازمة المياه وشحتها في العراق على المدى القريب والبعيد، وان معظم هذه المقترحات يرتكز ويشترط على التقارب الوطني البيئي في حل المشكلة، على غرار التكاتف الوطني في حل المشكلات الكبيرة التي تمس امن الوطن ووجوده، كما يتوجب العمل ان تقسيم مراحل العمل لحل ازمة المياه بشكل عام وليس فقط مواجهة الازمة المتوقعة في الصيف القادم، ومن المهم ايضا وضع برنامج  زمني محدد ومترادف للإجراءات المقترحة، ويتضمن هذا البرنامج الابواب التالية:

اولا: . مقترحات عاجلة للعمل الوطني في مواجهة الازمة:

1. - تعزيز القناعة بأن ملف المياه مصيري تماما كأي ملف امن وطني وهو يوازي خطورة ارهاب داعش او قد يفوقه خطراً.

2. وضع خطط  عاجلة لحل الازمات التي حدثت في بعض المناطق التي اصابها الجفاف، والعمل على رصد ما تحقق من ايجابيات وسلبيات للإجراءات السابقة  لتلافي تكرارها في مناطق اخرى مستقبلاً.

3. اعطاء الاولوية لتوفير مياه الشرب لجميع سكان العراق، من حيث الكمية اللازمة والنوعية المناسبة، ورسم سياسة واضحة للاستخدامات الضرورية للسكان لمواجهة الازمة الكبرى المتوقعة في صيف عام 2018 (وفقاً لتأكيدات وزارة الموارد المائية ورؤية وزيرها شخصيا).

4. الاسراع بوضع خطة لعزل نواقل مياه الشرب والاستخدامات المنزلية عن مياه الانهار، اذ يعد ذلك من الاولويات، ويمكن ان تتضمن الخطط محاكاة عملية لمشاريع (قناة البدعة الرابطة بين الناصرية والبصرة)، اذ من الممكن حفر قناة مبطنة لجريان المياه المخصصة للشرب ومسيطر عليها بين الوسط والجنوب، لتقوم بتغذية محطات الاسالة في المحافظات التي تمر عبرها.

5. رصد مبالغ حكومية كافية لمواجهة حالات الجفاف المتوقعة واعتبارها من اكبر الكوارث التي تلوح في الافق.

7. الاسراع بالتفاوض مع دول المنبع (تركية وسوريا وايران) حول الاطلاقات المائية ومواعيد املاء السدود ووضع اتفاقات واضحة وموقعة، وتجنّب التعهدات الشخصية الشفوية من بعض مسؤوليها، واعادة العمل بالاتفاق بين دول تركيا وسوريا والعراق حول اطلاقات المياه التي تصل الى نقطة دخول نهر الفرات في سوريا، حيث كانت النسب المتفق عليها 42% لسوريا و 58% للعراق من ايراد  نهر الفرات، فضلا عن التدفق الحر لمياه نهر دجلة وقد استمر الاتفاق خلال الفترة الواقة بين الاعوام 1987-2008 .

8. تدويل قضية الشحة المائية في العراق للحصول على الدعم الدولي اللازم ، وتسخير الاتفاقيات التاريخية بين تركيا والعراق وسوريا في ملف تقسيم المياه.

9. تعزيز التعاون المحلي والإقليمي والدولي للعراق في كل ما يخص المياه العذبة واستثمار دعم الهيئات الدولية والمنظمات العالمية المتخصصة ذات الاهتمام  بإدارة الجفاف ومعالجة الكوارث البيئية في الانهار، والاستفادة من دعم الهيئات والمنظمات المهتمة بتغير المناخ.

10. تفعيل فقرات الدستور العراقي  التي تنظم تقاسم المياه العذبة ومتابعة تطبيقها، واعادة النظر بالمواد الدستورية الخاصة بالوضع المائي وتحديثها بما يتوافق مع مستجدات الجفاف والنقص الحاد للمياه، واستحداث مواد قانونية في الدستور تنظّم الحصص المائية بين الاقاليم والمحافظات، وعدم ترك المجال للتجاوز على الحصص المائية، والحيلولة دون الاستئثار بالمياه المارة بالمحافظات والاقاليم والمناطق التي من شأنها ان تخلق مشكلات محلية.

ثانيا: المهام الوطنية المشتركة لمواجهة الازمة:

1. التحول من التخطيط الاحادي المحلي الى الاقليمي عند وضع استراتيجيات ادارة الكوارث والجفاف والازمات المائية في العراق، لان مسؤولية مواجهة اي ازمة تشاركية في المنطقة الاقليمية اضاقة الى كونها مسؤولية داخلية لها ارتباطات مجتمعية وسياسية وليست مسؤولية جهة معينة، وعليه ينبغي التخطيط الاستشاري الوطني المتكامل وتشارك جميع المختصين والمهتمين والمشرعين لتوفير بدائل ممكنة لسد نقص المياه المتوقع، مع وضع برامج وطنية واضحة لاستثمار البحوث والمقالات العلمية المتعددة في مجال المياه العذبة التي ملئت المكتبات والمواقع الالكترونية .

2. استثمار الموازنات المالية الحكومية في مشاريع ذات اهمية وذات جدوى، والتحقيق القضائي بالمشاريع المائية عديمة الفائدة، والتوجه نحو مشاريع مائية كبرى ذات جدوى على غرار ما انجزته الدول الاخرى عندما واجهت تهديد  في ملفات الامن المائي.

3. مواجهة نقاط الضعف في اجراءات الادارة المائية وتصميم برامج مراقبة موازنة دقيقة  للأنهار الرئيسة والروافد لرصد كميات المياه الواردة والمستهلكة في العراق ونوعيتها المتغيرة ، وعلى ضوء ذلك يجب ان توضع خطوات تنظيمية لإدارة الموارد المائية بالشكل الامثل، تمهيدا لوضع استراتيجية متوازنة ومقنعة للحفاظ على انهارنا ومياهنا السطحية العذبة التي تعبر اراضي دول اخرى قبل ان تصل الينا.

4- تقنين مساحات الاهوار المغمورة وإتباع الادارة العلمية في ذلك، وتقديم دراسات علمية حول المساحات التي من الممكن غمرها وإحياؤها من الاهوار، ورصد الاثر البيئي للغمر والخلط مع مياه الانهار العذبة، واتباع  نظام المحميات الطبيعية التي تخضع للمراقبة والادارة والصيانة بشكل دائم.

5. السيطرة على توغل المد الملحي البحري في مجرى شط العرب وتخفيف الملوحة العالية في مياهه والتهيؤ لموسم الصيف في العام 2018 واعداد خطط لتلافي خطره.

ثالثاً: الاستفادة من التجارب العالمية في مواجهة الازمة:

1- الاسراع بوضع خطة زمنية محددة لمحاكاة التجربة الخليجية ودول المغرب العربي في مجال تحلية المياه البحرية، خصوصا ان تلك الدول التي انتهجت الاعتماد على مياه البحر في سد جميع متطلباتها المائية منذ اكثر من 60 عاما ونجحت بذلك، فضلا عن استقدام تقنيات تدوير مياه الصرف الزراعي والصرف الصحي.

2. الاتجاه نحو اجراءات رديفة لعمل محطات تحلية مياه البحر وهي تنقية واعادة تدوير المياه الثقيلة ومياه المبازل لوجود ممرات مائية بحرية مثل خور الزبير والمياه المويلحة المتمثلة بمياه الجزء الجنوبي من شط العرب، وتفعيل محطات تحلية المياه المنزلية وخصوصا التي تعمل بالطاقة الشمسية ودعم اسعارها لضمان سد بعض الاحتياجات المنزلية .

3.   التعرف على تجارب الدول التي نجحت في حفظ التوازن البيئي في البيئة المائية وخصوصا دول الاقاليم الحارة الجافة ذات المناخ الصحراوي الحار والتي تشبه ظروفنا الهيدرومناخية القاحلة .

4- الاستفادة من تجارب دول العالم والخبرات التطبيقية في مجال الاصحاح البيئي للموارد المائية واعادة التنوع البايلوجي للأنهار المتأثرة بالتلوث.

رابعاً: حشد الدراسات التخصصية لمواجهة الازمة:

1- اعتماد الشراكة والتفاعل الإيجابي بين القطاعين البحثي الاستشاري والحكومي التنفيذي لاستدامة الانهار وادارتها، والاستفادة من الخبرات العلمية والمعرفية وفرص التطوير التي توفرها الجامعات ومؤسسات البحث العلمي وإشراكها في عملية ابتكار حلول وتقنيات إبداعية في ادارة الجفاف.

2. تفعيل نماذج العلم الحديث في مواجهة الجفاف العالمي وبالأخص تطبيق تجارب الاستمطار وتقنيات حصاد المياه وهي من التطبيقات الحديثة التي انتشرت مؤخرا.

3- تعميق الدراسات العلمية في مصطلح المياه الافتراضية التي تعكس التوقعات المستقبلية بالمدى المتوقع لاستهلاك المياه  في الاستخدامات المختلفة.

4. التركيز على الدراسات المرجعية لحجوم المياه العذبة المتاحة في العراق بكل اصنافها (السطحية والجوفية) وتقسيمها الى مياه داخلية ومياه وافدة وبواقعية اكبر، وتجنب السريّة، وهذا مهم عند التفكير بوضع الاستراتيجية الوطنية لإدارة المياه على ضوء الحقائق والارقام الموجودة.

5- اصدار موسوعة حديثة تهتم بأنهار العراق  للتعريف بالواقع الجديد لمجاري الانهار والروافد، وتحديد المساحات المائية للأهوار بدقة، على ضوء تناقص الايراد المائي خلال الثلاثين سنة الاخيرة، وتشخيص التغيرات الهيدرولوجية في مجاري الانهار، وتعد تلك الموسوعة مهمة لتحديث المعلومات القديمة، ذلك ان الكثير لا زل يعتقد اننا بلد الرافدين العظيمين المترعين بمياههما الذين نمت بين راحتيهما براعم الحضارة الانسانية رغم ما اصابهما من تغيرات هيدرولوجية كارثية منذ مطلع تسعينيات القرن المنصرم.

6. إلزام كافة الجهات الحكومية المنفذة للمشاريع المائية في العراق بتقديم دراسة متكاملة عن الاثر البيئي لتلك المشاريع سواء التي اقيمت او تلك التي في طور التنفيذ.

7. استحداث كليات متخصصة بعلوم المياه في الجامعات العراقية تُعنى بموارد المياه العذبة والبحرية وتأخُذ على عاتقها اجراء دراسات معمّقة لمشكلات المياه من شحة وتلوث، وتقوم باقتراح  سياسة مائية علمية تطبيقية في الحاضر والمستقبل، تتناسب مع  التحديات الجديدة، قبل ان تتحول الى كوارث بيئية يصعب معالجتها.

خامساً: مقترحات العمل الدبلوماسي لمواجهة الازمة:

1- تسخير الخبرة الاقتصادية في مواجهة الدول التي تحتكر المياه، وبالأخص ملف الاستيراد التجاري من هذه الدول، فضلا عن ملفات اخرى ذات صلة بتبادل المنفعة التجارية والاقتصادية.

2- تعزيز العلاقات الاقليمية للعراق في مجال تحلية المياه والاستفادة من التجارب الاقليمية وخصوصا دول حوض الخليج ومنها إيران في مجال تجارب تحلية المياه البحرية.

3-  الاستفادة من الضغط العالمي لجماعات البيئة وحقوق الإنسان لإعاقة تنفيذ  مشروع اليسو التركي الذي فقد التمويل الدولي من دول اوربية عديدة منذ العام  2008 لوجود تأكيدات بأن للسد تأثيرات بيئية خطيرة، كما انه سوف يتسبب بكارثة ديموغرافية تتمثل بترحيل تجمعات عرقية من مناطقها داخل تركيا، وهذا متوقع جدا خصوصا اذا تسبب السد بغرق حصن كيفا القديم وسيتطلب إخلاء السكان المقيمين في المنطقة.

4- الاستفادة من مخاطر الزلازل والهزات الارضية وتهديدها للسدود المائية العملاقة في دول الجوار والكوارث المترتبة على ذلك في الحوض الاسفل وخطر مداهمتها للسكان والاراضي الزراعية العراقية (سيما وان موقع معظم السدود التركية تقع على حزام الزلازل)، واذا لزم الامر فمن المهم رفع دعاوى في المحاكم الدولية ضد انشاؤها كونها تهدد امن السكان والبيئة في العراق.

5. تنظيم حملات دبلوماسية عراقية حول العالم لتوضيح التأثيرات السلبية لإقامة السدود على حوضي دجلة والفرات وتغيير مجرى الروافد التي تصب في شط العرب على بيئة شمال غرب الخليج العربي، والاستفادة من القلق الخليجي من تغير مواصفات المياه المتدفقة عبر مصب شط العرب باتجاه الخليج، والحصول على مساعدتها في انشاء محطات معالجة المياه الملوثة، خصوصا وان تأثير التدفق النهري لشط العرب يمتد لسواحل عدة دول خليجية وان كمية مياهه ونوعيتها ذات اهمية بيولوجية وإيكولوجية كونها توفر مخصبات ضرورية تعمل على الحفاظ على انتاجية الحياة البحرية.

سادساً: مقترحات الترشيد وتسخير جهد المواطن:

1. ضرورة الاعتناء بمفهوم المسؤولية الوطنية والاخلاقية  في حماية البيئة المائية، وغرس ثقافة اجتماعية واسعة للحفاظ على المياه وتوعية الجماهير بعدم استنزاف المياه العذبة وتلويثها، واعتبار ذلك سلوك انساني وواجب وطني، ونشر ثقافة الترشيد والتأكيد على انها الدليل على حب الحياة والوطن، وانها من تعاليم الدين الحنيف وجزء مهم من العبادة والارشادات السماوية بأعمار الارض.

2. الاسراع بوضع الخطط اللازمة لتحديث اساليب الري، وجعلها متوازنة ومقيّدة بالرقابة حتى نتجنب التبذير والاستنزاف الذي درجت عليه المجتمعات الزراعية بسبب غياب القوانين والرقابة .

3. تشكيل فرق طوارئ في كل محافظة عراقية مؤلفة من كوادر اكاديمية ومؤسسات حكومية اخرى ومنظمات مجتمع مدني ووجهاء ورجال دين يُلقى على عاتقهم المشاركة في مواجهة تحديات شحة المياه على المدى المنظور، والتشديد على دعم تلك الفرق من قبل جميع الوزارات والمؤسسات الوطنية والتعاون معها من قبل وزارات الدولة وتزويدها بالمؤشرات الضرورية للأنهار العراقية.

4. استغلال التوعية التربوية ووصايا المؤسسات الدينية ومنابر الخطابة للحث على الترشيد في استهلاك المياه، اذ اننا نمتلك  تراث اسلامي كبير يسعفنا في هذا المجال.

سابعاً: مقترحات توفير بدائل المياه التقليدية:

1- وضع برنامج عاجل للنهوض بواقع المياه الجوفية وحمايتها من التجاوزات والاستنزاف لتساهم في  سد جانب من العجز في المياه السطحية.

2- ادخال مصطلح المياه الرمادية حيز البحث والتطبيق وهي مياه الناتجة عن البزل الزراعي والصرف الصحي الخفيف وتفعيل استخدامها في الري والصناعة والاستخدامات الثانوية للسكان.

3-  دعم تجارب الاستمطار الاصطناعي وتجارب حصاد المياه، وتشجيع المنتجات والسلع الاستهلاكية الملائمة للجفاف وندرة المياه وتجارب الدول عديدة في هذا المجال خصوصا الاجهزة المنزلية التي ترشد استهلاك المياه كالغسلات التي تعمل بتقنية المياه القليلة وصنابير المياه الاقتصادية وغيرها.

مقترحات لمواجهة الشحة المائية في محافظة البصرة

من المتوقع ان تواجه محافظة البصرة ندرة مائية وليس شحة مائية عابرة فقط، اذ انها ضمن المناطق الاكثر تأثراً بالشحة المائية المتوقعة خلال الصيف القادم في العام 2018، بسبب موقعها في نهايات مجاري الانهار العراقية،  وخلال السنوات الاخيرة تسبب نقص التصريف في شط العرب بتوغل المد الملحي القادم من الخليج العربي وتسبب بزيادة ملوحة مياه الاسالة التي تعتمد على شط العرب، مما أثر على السكان المحليين.

ان تطبيق الاستراتيجية اعلاه يناسب مجمل الثروة المائية في العراق، ولان تأثير شحة المياه يتضاعف في المناطق الابعد عن منابع نهري دجلة والفرات، فمن الواجب وضع استراتيجية خاصة لمواجهة الازمة في محافظة البصرة التي يقطنها اكثر من 4 ملايين نسمة وتعتمد بشكل اساسي على مياه شط العرب، وتتمثل المقترحات بما يلي:ـ

1ـ تثبيت مبدأ المساواة في الحصص المائية التي تكفل نوعية مياه جيدة لجميع مناطق العراق القريبة والبعيدة عن منابع الانهار، والتفكير بنوعية المياه ودرجة التوغل الملحي البحري في أي اطلاقات مائية تحددها وزارة الموارد المائية لمحافظة البِصرة، واعتبار محافظة البصرة الاكثر احتياجاً لاستهلاك المياه بسبب ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف لأكثر من 51 درجة مئوية والعدد الكبير للسكان .

2ـ  وضع خطة لنقل مياه الشرب بالأنابيب من مياه جدول الغراف ( جنوب سدة الكوت) الى مركز محافظة البصرة لتوفير مصدر دائم للمياه العذبة.

3ـ تأهيل قناة البدعة التي تعد مصدر آخر لمياه الشرب في محافظة البصرة، لكونها تعاني العديد من المشكلات البيئية واهمها نمو الطحالب والنباتات المائية التي تؤثر على جودة المياه.

4ـ الاسراع بعقد اتفاق مع الجارة ايران لتزويد محافظة البصرة بما تحتاجه من مياه الشرب من نهر الكارون خلال فترة الشحة الاستثنائية، ووضع آلية لنقل المياه العذبة والاستفادة من قرب المسافة، ومن المهم الاشارة الى ان الاطلاقات المائية من نهر الكارون خلال شهري ( تشرين اول ـ  كانون اول) ساهمت خلال العام 2017 بتخفيف ملوحة مياه شط العرب التي تسبب بها نقص التصريف الوارد من اعالي النهر .

5ـ العمل على انجاز مشاريع تحلية المياه ومراجعة الاخفاقات التي حصلت في هذا المجال وتشخيص سبب تلكؤ بعض  المحطات التي تم نصبها منذ العام 2008 .

6ـ رفع كفاءة محطات الاسالة في محافظة البصرة لمواجهة أي نقص محتمل في تصريف المياه وتدريب كوادرها على الطرق المناسبة لمواجهة الازمة .

7ـ تصميم نموذج عددي لتوقع  مدى تأثر مياه شط العرب بالنقص المتوقع في التصريف المائي، وتخمين المسافة التي من الممكن ان يتوغل فيها المد الملحي، والارتكاز على تجربة سابقة لنقص التصريف في نهاية العام 2008 .

8ـ الاسراع بربط شبكة الصرف الصحي في الانهر الداخلية بمبزل شط البصرة وأبعادها عن مياه شط العرب ورفع التجاوزات على المجاري التي تصرف المياه الملوثة الى مجرى الشط .

9ـ تفعيل التعاون بين المؤسسات الاكاديمية والحكومية التي تهتم بالموضوع، والاسراع بتشكيل خلية ازمة في محافظة البصرة تتألف من اطراف اكاديمية ومؤسسات خدمية بالتنسيق مع الحكومة المحلية، مع ضرورة اشراك جهات حكومية من خارج المحافظة لوضع الخطط والاستعداد لأي طارئ في ملف المياه.

10ـ تفعيل الاعلام التوعوي الديني والمدرسي وتكثيف نشر الملصقات في الاماكن العامة للحد من التبذير والتجاوز على منظومة المياه وشبكة الصرف الصحي والحث على الترشيد، والاسراع يعقد مؤتمرات وندوات وورش عمل  حول الموضوع .

11ـ الاسراع بوضع صنابير المياه الاقتصادية المقيّدة لهدر المياه في المنازل والزام استخدامها عبر دعم اسعارها في السوق او توزيعها مجاناً في جميع مناطق محافظة البصرة.

12ـ  اعطاء الأولوية لمياه الشرب خلال الفترة القادمة واعادة النظر في الموسم الزراعي الربيعي والصيفي لعام 2018 وعزل مياه الاستخدام المنزلي عن الاستخدامات الاخرى .

13ـ نصب محطات قراءة التصاريف المائية في أعلى ووسط وجنوب مجرى شط العرب ومراقبة نوعية المياه

14ـ التنسيق بين وزارة الداخلية ووزارة الموارد المائية من اجل تشكيل جهاز أمني تحت مسمى (شرطة المياه) لمراقبة التجاوزات على المسطحات المائية العذبة وتطبيق عقوبات رادعة على المتجاوزين، خصوصا خلال مواسم الشحة الشديدة، اذ اثبت هذا الجهاز الامني فاعليته في بعض الدول العربية والاجنبية.

15- على الناشطين في البيئة من اكاديمين ومثقفين ومهتمين بقضايا الامن المائي العراقي البدء بحملة اعلامية – توعوية تحت مسمى (حملة انقاذ شط العرب) تتولى نشر الصور القاتمة التي آل اليها الوضع الهيدرولوجي للشط في الملتقيات والمحافل المحلية والعالمية بسبب النقص في الايراد المائي في شط العرب الذي اثر كثيرا في  نوعية المياه وعلى التنوع البايلوجي في مجراه، واصبح الشط على مشارف الموت البيئي.

جامعة البصرة – مركز علوم البحار

صفحة المثقف