فلنفكّر مادام في العمر بقيّة

رعد أطياف

بما أن التجربة الاحتجاجية السابقة تعرّضت لكثير من الأخطاء، فبالتأكيد يسارع العقلاء باستخلاص النتائج والنظر لها بموضوعية ليفهموا الدرس جيداً إن كانوا عقلاء حقاً، وبخلافه تأكل الشعارات أصحابها في نهاية المطاف.

النقطة المركزية التي أطاحت بكل الجهود، هي الفوضى وتناثر المطالب هنا وهناك، وفقدان التماسك وغياب التضامن بين الأطراف المختلفة. فكان التيار الصدري هو نقطة الخلاف الأولى، أمّا الثانية فكانت بين أصحاب التوجه الواحد؛ فالأشخاص العشرة ينقسمون قسمين متناحرين، ومادون هذا العدد يتمتعون بقابلية الانقسام أيضاً!، ذلك إن روح الشيخ كانت هي المهيمنة حقاً.

لقد شهدنا فشلاً واضحاً لأسباب كثيرة، فكانت كثرة المطالب هي أحد الأسباب لتشتيت الجهود، غير أنه لم يكن سبباً جوهرياً، بل نتيجة منطقية تعكس نمط تفكير أصحابها تماماً.

استطاعت الأحزاب الأيدلوجية الكبرى ترسيخ شعاراتها بطريقة مختصرة ومكثّفة، من قبيل "أمّة عربية واحدة ذات رسالة خالدة"، أو "وطن حر وشعب سعيد"، فاستطاعت أن ترسّخ هذه الشعارات في وجدان الجماهير لعقود. لذا يمكن للتيار الوطني المستقبلي أن يختار شعاراً بسيطاً يعبّر عن عمق المطالب، وبالتأكيد خالٍ من أي حمولة أيدلوجية بالمعنى السلبي للكلمة. فمثل هذه الشعارات تجد طريقها سريعاً في نفوس الجماهير، فهذه الخطوة الأولى والبسيطة لربط الجماهير إعلامياً بأي مشروع مستقبلي يتّخذ من الصالح العام وخدمة الناس غاية نبيلة، لا أن يكون همّه التكالب على المتاع الرخيص.

يمثّل التيار الصدري العقبة الأكبر في نظر الكثير، لذا كان السبب/العذر الجوهري في تكاسل وتخاذل الكثير للمضي في الاحتجاجات، لأنه تيار ديني ينطلق من أيدلوجيا دينية، فلا يمكن الركون لتيار عقائدي من منظور بعض المثقفين. وهذا الكلام ينطلق من ثقة عالية بالنفس تصور لنا المشهد كالآتي: يوجد تيار علماني يتمتع بشعبية كبيرة استطاع الهيمنة على مجريات الأمور فتمسّك بصلابة للدفاع عن متبنياته العلمانية. ونحن نعلم جيداً إن الواقع عكس ذلك، حيث برهن التيار الصدري وقبله " المدنيون"، أنهم لا يمتلكون المشروع المتكامل، فقد غلب على سير الاحتجاجات الجانب المطلبي، وإن كان الكل بشكل عام يسعى لدولة مدنية؟!.

التماهي مع التيار الصدري لايندرج ضمن الفعل التواصلي الحقيقي، إلا إذا وضعت النقاط على الحروف؛ فالقرب من التيار بلا مشروع يتحول إلى اندماج سلبي لا يفضي إلى ثمار عملية مفيدة، وهذا مالا يقبل به زعيم التيار السيد مقتدى الصدر، والابتعاد عن التيار يكون خلاف الفعل التواصلي!!. فسواء كان التواصل في الفضاء العام، او على شكل مشروع سياسي يصحح المسار، فالتضامن الوطني يغدو واجباً مقدساً في هذه المرحلة المؤلمة من تاريخ العراق.

فلابد من هناك مركّب يحتوي النقيضين!، ذلك إن التفريط بأحدهما يحيل العملية برمّتها إلى عدم مطلق؛ فلا التيار يمكنه المضي بعيداً نحو العمل السياسي المحترف لضعف العمل المؤسسي الذي يعاني منه، ولا أي تيار وطني مستقبلي يمكنه تجاهل التيار لأسباب وطنية وبرغماتية سياسية، وسواء صحت نظرتنا هذه تجاه التيار، فنحن نعلم فيما لو قدّر لأي تيار وطني الوصول إلى البرلمان سوف يحظى بدعم التيار بشكل وبآخر.

فالمركّب الذي نفترضه هنا: هو التركيز على تعديل الدستور، والمطالبة بالضمان الاجتماعي الذي يضمن لكل مواطن عراقي حقه بثروته الوطنية. فهذا المركّب سيجمع النقيضين مهما كانت توجهاتهم، وأحسب أن التيار لا توجد لديه رغبة حقيقية بأسلمه الدولة عن طريق الدستور، بل التصريحات من قبل زعيم التيار الصدري تنطلق بالعكس من ذلك، فالتيار يطالب بممارسة طقوسه الدينية في الفضاء العام بمعزل عن مؤسسات الدولة، وهذا ما تضمنه النظم العلمانية بالضبط.

إذن من هنا تنطلق الخطوة الأولى للحوار، ليختبر كل طرف الآخر بهذا المشروع، ويتّضح بناة الدولة الحقيقيين من غيرهم، ويتّضح كذلك أصحاب الهموم الحقيقية من المهرجين.

العالم الجديد