السد التركي العملاق  "أليسو" ومخاطره المدمرة على العراق

علاء اللامي     

أليسو وشبح الجفاف :

تفاقمت مشكلة نقص مياه نهري دجلة والفرات في العراق خلال الأعوام الأخيرة، وبات شبح الجفاف والتصحير والحروب العشائرية على المياه تحوم في طول البلاد وعرضها تصاحبه عواصف ترابية ورملية غير مسبوقة تضرب المدن العراقية بشكل شبه يومي. لأخذ فكرة عن هذه المشكلة الخطيرة، وتحديداً، عن الأضرار التي ستلحق بالعراق في حال إكمال سد أليسو العملاق، نستعرض هنا بعض المعلومات التي وردت في دراسة قيمة للباحث العراقي نوار جليل هاشم[1] في هذا الصدد:

يعتبر سد "أليسو" الذي بدأت تركيا في بنائه حيث وضع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان حجر الأساس له في آب من عام 2006 من أكبر السدود التي سوف تقيمها تركيا على نهر دجلة. وأما بخصوص حجم الأضرار التي سوف يلحقها هذا السد بالعراق والعراقيين نعلم أنَّ :

-       إنَّ كميات المياه الواردة إلى العراق عبر نهر دجلة، ستنخفض بشكل كبير عند اكتمال تنفيذ هذا السد، فهذه الكميات الواردة بشكل طبيعي لا تقل عن 20,93 مليار م3 في السنة، ولكنها ستنخفض عند إنشاء السد إلى أقل من النصف، إذْ سيرد إلى العراق منها 9,7 مليار م3 أي ما يشكل 47% من الإيراد السنوي الطبيعي منذ القِدَم  مع زيادة هذه الكميات خلال الفيضانات الكبرى وتلك حالات استثنائية. هذا النقص الفادح في مياه نهر دجلة، سيؤدي إلى إخراج مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية من الاستخدام خصوصا في شمال العراق / إقليم كردستان. والغريب أن الأحزاب والمليشيات والعشائر المسيطرة هناك تتصرف وكأنها لا علاقة لها بنهر دجلة، بعد أنْ اعتبرته ولزمن طويل "نهرا كرديا" تباكى عليه أحد الشعراء الأكراد هو عبد الله كوران وتأسَّف لأن مياهه تمضي جنوبا! باختصار إنَّ الأراضي الزراعية في شمال و وسط وجنوب العراق التي ستتحول إلى صحاري مهملة وغير مستخدمة في الزراعة، ستتقلص بنسبة الثلث بعد انتهاء الأتراك من بناء هذا السد.

حزمة أضرار أخرى:

-       أما الأضرار البيئية التي ستنجم عن تقلص رقعة الأراضي الخضراء والمراعي الطبيعية وزحف ظاهرة التصحر، فسوف تنعكس على الطقس في العراق، وستتكرر العواصف الرملية طوال العام، وسيحول سد أليسو نصف العراق إلى صحراء.

-       من الناحية السكانية، يضيف الباحث، فإنَّ السد سيحرم أعدادا كبيرة من السكان من مياه الشرب، وسيلوث مياه الشرب المتبقية، لأنها ستمر في مولدات الطاقة الكهرومائية و ينضاف إليها ما يخرج من مياه ملوثة من منظومات الصرف الصحي للمدن الواقعة على نهر دجلة. وسيرتفع مستوى التلوث والملوحة في هذه المياه إلى 1800 ملغ /لتر، كما هي الحال في مياه الفرات التي تسمح تركيا وسوريا بمرورها إلى العراق بعد أن تشبعها بالملوثات والأملاح الناتجة عن الاستهلاك والزراعة والصناعة في سوريا، في حين أنَّ المعدل العالمي للتلوث لا يزيد عن 800 ملغ/ لتر! فلنلحظ الفرق بين ألف وثمانمائة ملغ/ لتر وبين ثمانين ملغ/ لتر.. أليس هذا قتلا للعراقيين بسلاح التلوث ؟

-       سيتغير السد نمط معيشة السكان إلى أنماط غير منتجة، فتتدهور الزراعة والرعي وتتراجع أعداد الثروة الحيوانية.

-       ستتأثر عملية إنعاش الأهوار حيث أنَّ انخفاض واردات العراق في دجلة وفي الفرات بنسبة 90% بسبب السدود التركية ونضيف إلى ذلك المشاريع الإيرانية الخطيرة وسترتفع نسبة الملوحة والتلوث في مناطق الأهوار.

-       سيؤدي انخفاض مناسيب المياه في دجلة إلى توقف العمل في منظومات توليد الطاقة الكهربائية المقامة على طول نهر دجلة، وخصوصاً في سدي الموصل و سامراء، وسيؤثر ذلك على النشاط الصناعي والبنى التحتية كمحطات تصفية المياه ومصافي النفط والمستشفيات.

-       ستنخفض مناسيب الخزانات الطبيعية التي يعتمد العراق عليها في عملية خزن المياه للاستفادة منها في مواسم الجفاف كبحيرتي الثرثار والحبانية.

-       ستمتد تأثيرات سدود تركيا، وخصوصا سد أليسو، في مجاري الأنهار حتى شمال الخليج حيث دلت الدراسات العلمية والعينات المأخوذة من  سواحل الكويت أنَّ تأثيرات ضارة بسبب المياه الملوثة قد رصدت في مناطق صيد الأسماك والروبيان.

-       يخلُص الباحث نوار جليل هاشم في دراسته إلى أن العراق سيفقد 11 مليار م3 في السنة.

أما بخصوص المواقف من إنشاء السد، يتوقف الباحث عند موقف الحكومة العراقية، والأرجح انه يقصد حكومة المحاصصة الطائفية في ظل الاحتلال الأجنبي، فيخبرنا بأنها قامت بحملة دبلوماسية على نطاق دولي واسع لشرح أبعاد وتأثيرات سد أليسو. ولكننا، للأسف، لم نقع على  أمثلة أو أدلة واضحة على تلك الحملة باستثناء تصريح صغير لا يكاد يلمح ورد على لسان الناطق الرسمي باسم وزارة الموارد المائية الذي طلب، باسم وزارته، من مجلس الوزراء و وزارة الخارجية مفاتحة المسؤولين الأتراك لشرح تأثيرات مشاريع الخزن على منسوب المياه في دجلة. وأنَّ وزير الموارد المائية العراقي التقى بالسفير التركي في بغداد لبحث تطورات هذا الموضوع إضافة إلى إجراء سلسلة اتصالات مع أطراف أوروبية لبحث أبعاد هذا الملف الخطير.

ومن الأمور المهمة التي أشار إليها الوزير المذكور، هو أنَّ مشروع سد أليسو ( لا يقتصر على المجال الاقتصادي وإنما هو مرتبط بتوجهات سياسية أيضا ) ويضيف الوزير العراقي ( أنَّ موقفنا القانوني بخصوص استغلال مياه نهري دجلة والفرات هو أنَّ العراق لا يعترض على مسألة التنمية في منطقة جنوب شرق الأناضول، ولكن ذلك لا ينبغي أنْ يكون على حساب حقوق العراق التاريخية، واستعمالاته القائمة، وبما ينعكس سلبا على حياة المواطنين العراقيين. وإنَّ على الحكومة التركية أنْ تُعْلِم الدول المتشاطئة قبل إنشاء السد من الجانب التركي وهو ما يخالف المعاهدات بين البلدين وأحكام القانون الدولي. والواقع فإنَّ اتصالات وتصريحات هذا الوزير هي الاستثناء للقاعدة التي تأخذ بها الحكومة العراقية ألا وهي الصمت والانتظار والغياب عن التطورات. أنَّ غياباً خطيراً للحكومة العراقية في ميدان الدفاع عن أنهار العراق هو الذي شجع السلطات التركية وشجع أكثر جارتها الإيرانية على المضي قدماً في مشاريعهما التي تحمل الدمار والخراب للعراق.

موقف القانون الدولي:

أما عن موقف القانون الدولي من إنشاء السدود، فالباحث هاشم يعتقد أنَّ القانون الدولي لأحواض الأنهار كان قاصرا، بحيث بذل فقهاء القانون الدولي جهوداً ترمي إلى تسوية أوجه التعقيد فيه، وإقناع الدول المتشاطئة بإخضاع مطالباتها المتعارضة لنظام معياري من المبادئ القانونية. ولكن هذه الجهود، ذهبت أدراج الرياح. ولقد أدت هذه التعقيدات أحياناً إلى جعل القضية تبدو في صورة مشوشة فمنذ بداية القرن الماضي والقضية مطروحة للنقاش. وفي اجتماع مدريد سنة 1911 ناقش معهد القانون الدولي القضية وجاء في المادة الثانية من إعلانه الذي سمي "إعلان مدريد" ما يلي:

-       لا يجوز للدولة إقامة منشآت لاستغلال مياه النهر دون موافقة الدول "المتشاطئة" الأخرى وتمنع جميع التعديلات الضارة بالمياه.

-       لا يجوز إنشاء المشاريع التي تستهلك كمية كبيرة من المياه.

-       عدم انتهاك حقوق الملاحة في النهر الدولي.

-       لا يجوز إقامة مشاريع في دول المصب من شأنها إحداث فيضانات في دول المنبع. نسجل تحفظنا على هذه الفقرة غامضة، إذْ نعتقد أنَّ المقصود بها والصحيح هو العكس تماما،أي عدم جواز إقاة مشاريع في دول المنبع من شأنها إحداث فيضانات في دول المصب،  ويصح هذا على الأقل في ما يخص نهري دجلة والفرات لأنهما يجريان من الشمال إلى الجنوب وليس العكس كنهري العاصي في بلاد الشام والنيل في أفريقيا مثلا، فدولة المصب هي العراق، ومن غير الممكن تصور حدوث فيضانات في دولة المنبع أي تركيا إذا أنشأ العراق سدوداً على أنهاره بل إنَّ العكس هو الصحيح.

-       يجب على الدول المعنية تعيين لجان مشتركة دائمة لكي تتولى دراسة المشاريع المقترح إقامتها على النهر.

ويؤكد الباحث أن تقدماً فعلياً قد حدث في جهود الأمم المتحدة في هذا المجال، ولكنه تقدم بطيء. اللجنة الاقتصادية الأوروبية التابعة للأمم المتحدة، عام 1952، أكدت ( أنَّ الدول المتشاطئة وإنْ كانت تملك حقوق السيادة على الجزء المار أو المتاخم لأراضيها فإن هذا الحق السيادي مقيَّد بحقوق الدول الأخرى المتشاطئة على النهر ). هذه المادة مثلاً تتناقض مع الشعار الدائم الذي ترفعه الحكومات التركية المتعاقبة لتبرير إنشائها عشرات السدود على دجلة والفرات بدعوى أنها تمارس حقها السيادي على أرضها، وتعطي الحق للعراق بالمطالبة بحقوقه التي تأثرت تأثراً بالغاً بهذه المشاريع والشعارات التركية.

وفي عام 1966، أقرت الجمعية العامة القانون الدولي في اجتماعاتها في هلسنكي مبدأ ينفي الانتفاع بمياه الأنهار الدولية من قبل دولة واحدة ما لم يكن هناك اتفاق بين دول الحوض النهري المعني في هذا الشأن. أما لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة، فقد ذكرت، في العام ،1973 ما نصه ( إنَّ الدول المتشاطئة على النهر الدولي تستطيع استعمال المياه طبقاً لحاجاتها شرط ألا يسبب هذا الاستعمال ضرراً للدول الأخرى المشتركة معها في هذا النهر. وبالانتقال إلى توصيات مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والذي عقد سنة 1992 الواردة في ما سمي إعلان "ريو"، فقد اعتمدت المبادئ الخاصة بالاتفاقيات الثنائية بخصوص الأنهار والمجاري المائية الدولية، وطالبت بأنْ يوضع في الاعتبار قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 49/52، المؤرخ في 9/12/1994، وهذه القوانين تماثل القواعد الاسترشادية التي وضعها اتحاد القانون الدولي من حيث توفير مبادئ أساسية يمكن تطبيقها على بعض أحواض النهر وتمنح مجموعة القوانين الحديثة أفضلية واضحة لمبدأ الاستخدام "العادل والمنصف" على مبدأ الضرر الملموس. وفي عام 1997، أعلنت واعتمدت اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية وصادقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21/5/1997 بتأييد 104 دولة، وعارضتها ثلاث دول هي تركيا والصين وبوروندي، وامتناع 26 دولة عن التصويت! بهذا المعنى، تكون تركيا قد وضعت ومنذ زمن طويل نفسها خارج الشرعية الدولية برفضها لهذه الاتفاقية التي أصبحت كما يقول الباحث أحد مصادر القانون الدولي التي ذكرتها المادة 38 من النظام الداخلي لمحكمة العدل الدولية، وسنتوقف مطولاً عند هذه الاتفاقية في قادم الصفحات.

المطلوب تعاون عراقي سوري:

يمكننا أنْ نفهم ببساطة، أنّ العنجهية التركية واعتبار الرافدين نهرين تركيين، وأنها تمارس سياديتها على أنهارها حتى ولو أدى ذلك إلى تصحير وتدمير العراق، هي جريمة بحق القانون الدولي لأنها تشطب على المبدأين معا، مبدأ "الاستخدام العادل والمنصف" و "مبدأ الضرر الملموس"، ويمكننا أنْ نفهم أنَّ تركيا ستخسر أية دعوى قضائية دولية يقيمها ضدها العراق في محكمة العدل الدولية، لأنَّ هذه المحكمة ستدين تركيا فوراً ومباشرة لأنَّ من مرجعياتها القانونية "اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية لأغراض غير ملاحية"  لسنة 1997. أما الذي لا نفهمه إطلاقاً، فهو الإهمال والتراخي القريبان من التواطؤ العلني، و الذي تبديه الحكومات العراقية منذ أنْ بدأ الخطر يداهم دجلة والفرات أيام الحكم الشمولي السابق وحتى قيام حكم المحاصصة الطائفية! لماذا تتردد الحكومة العراقية مثلاً في إرسال لجان فنية مثلا إلى الحدود التركية السورية والسورية العراقية لحساب كميات المياه وقد وافقت تركيا على ذلك، كما صرح نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي قبل هروبه إلى تركيا إثر اتهامه من قبل القضاء العراقي بالتورط في عمليات إجرامية؟ ولماذا تتردد في رفع دعوى قضائية إلى محكمة العدل الدولية تطالب فيها بإطلاق المياه العراقية وبالتعويض على العراق من تركيا وإيران لكل ما حلَّ بالعراق من تصحر وتلوث وجفاف.

يختم الباحث بحثه بفقرة عن سيناريو مأمول للتعاون بين العراق وسوريا، يتكون هذا السيناريو - كما يقول - من عدة أوجه منها، توحيد الصف العراقي السوري لتشكيل ورقة ضغط ثنائية على تركيا من خلال الرجوع إلى المحاكم الدولية والاتفاقيات الدولية الخاصة بالمياه وأهمها اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية لأغراض غير ملاحية من خلال رفع الخلاف المائي مع تركيا إلى لجنة دولية أو هيئة تحكيم وفق مواد الاتفاقية الخاصة بحل الخلافات والنزاعات بشأن الأنهار الدولية ( المادة 33) الخاصة بتسوية المنازعات التي نصت على وجود خطوات عملية لإنهاء النزاع والمواد الملحقة بالاتفاقية التي تخص التحكيم والتي ضمنت بنودها الأربعة عشر آليات التحكيم لحل الخلافات.

أما الوجه الثاني للسيناريو المأمول، فهو التعاون بين العراق وسوريا في ميدان البحث عن موارد مائية جديدة لمواجهة النقص الحاد. ويبدو على هذه الخاتمة إنها لا تتناسب مع حجم الخطر الذي يتهدد العراق خصوصا، بسبب المشاريع والسدود التركية الإيرانية، ربما لأنها كُتِبَت قبل أنْ يستفحل الخطر في ما بعد، ويفوق ما كان متوقعا. أما التعاون بين العراق وسوريا فهو وإنْ كان مشروعاً وسليماً ومأمولاً، ولكنه لن يكون عملياً وصادقاً إذا استمر الطرف السوري يحاول الاستيلاء على جزء حصة العراق المائية ويتهم العراقيين بهدر المياه في شط العرب وهي مياه غير صالحة للزارعة وللاستهلاك الحيواني وليس الاستهلاك البشري فقط. إنَّ العراقيين مطالبون بتبني استراتيجية تتناسب وخطورة الوضع الذي يتعرض له وطنهم وشعبهم ولقد بدأت أولى علامات القحط والتصحر والهجرة الداخلية والحروب العشائرية بسبب المياه وراحت العواصف الترابية التي كانت نادرة فيما مضى تضرب المدن العراقية بشكل شبه يومي.

إنَّ بناء وتبني إستراتيجية جريئة وشجاعة تدافع عن العراق شعبا ووطنا، تبدأ بالخيارات السلمية و رفع القضية إلى المحافل الدولية ورفع دعوى إلى محكمة العدل الدولية ضد تركيا وإيران، وتستخدم كافة المساعي السلمية والدبلوماسية، فإنْ واصلت السلطات التركية والإيرانية عنادها وإصرارها على تدمير وتصحير العراق، فلا بد حينها للعراق من امتشاق خيار الدفاع العسكري عن النفس والتهديد بتدمير تلك السدود القاتلة والتي تحولت إلى جبال من الإسمنت المسلح، يحتجز خلفها تجار المياه وكهرومياه مياه دجلة والفرات وأغلب روافدهما ليموت العراق ويزول من الأطلس العالمي. إنها استراتيجية دفاعية بحتة، ومشروعة تماماً من النواحي القانونية الوضعية والدينية والأخلاقية ولا بد منها لمواجهة خطر الفناء، وهو فناء حقيقي هذه المرة وليس أسطوريا!

موقف المنظمات المدنية الدولية:

 هناك معارضة شعبية، دولية وتركية، قوية جدا لمشروع سد "أليسوا" الذي سيقضى على أكثر من نصف نهر دجلة في المراحل الأولى من بنائه، وسوف تتزايد تلك النسبة في المراحل اللاحقة حتى يتم القضاء على دجلة ويغدو أخدوداً مترباً تذروه الرياح. وقد نجحت تلك المعارضة في سنة 2002 وما بعدها، في دفع البنوك السويسرية والنمساوية والألمانية إلى التراجع عن تمويل السد، وعاودت الحكومة التركية محاولتها مع هذه البنوك وفشلت. وقبل فترة – خلال شهر آب /أغسطس 2009 - نشرت الصحافة العراقية والعربية خبرا خطيرا يفيد بأن تلك البنوك الأوروبية سوف تتراجع عن قرارها القديم، وستبدأ بتمويل السد التركي ولكنها تراجعت في اللحظات الأخيرة ورفضت تمويل مشروع السد فردت الحكومة التركية بأنها ستستمر بأعمال البناء بتمويلها الذاتي. بكل تأكيد، فإنَّ هذا القرار بتمويل السد لم يأتِ من فراغ بل شجع على اتخاذه صمت الجهات العراقية.

بالعودة إلى واقع المعارضة التركية والأوروبية لبناء سد أليسو وأهمها "جماعة بيان بيرن / التركية السويسرية " لهذا المشروع العدواني الخطير، نعلم ان أسبابها الدافعة للرفض مختلفة عن أسبابنا. فإذا كان الخطر يتهدد العراق كوطن وشعب ويتهدد نهريه العظيمين فإنَّ المنظمات المدنية التركية والدولية ترفض إنشاء هذا السد لأسباب بيئية واجتماعية تخص السكان الأتراك: فالسد سيغرق مئات البلدات والقرى التركية وبينها مواقع أثرية مهمة كما هي الحال في بلدة "حسنكييف"، وسيجبر 55 ألف مزارع على النزوح والهجرة من المنطقة التي سيبنى فيها السد، كما إنه قد تسبب بفقدان التوازن الهيدروليكي وقد يتسبب بحدوث انهيارات كبرى وزلازل خطيرة. ثم انَّ  المشروع لا يستجيب للمعايير الدولية مثلما أعلنت منظمة "بيان بيرن"، وتضم ممثلين وسينمائيين ومثقفين سويسريين و أتراك، وأنَّ مجموعة الشركات التي تتولى مشروع "أليسو" تقودها شركة بريطانية تدعى "بلفور بتي" المتهمة من قبل منظمات دولية غير حكومية بانتهاك حقوق الإنسان في أفريقيا وآسيا. وقد صرح توني جونبير المدير السياسي لمنظمة "أصدقاء الأرض / البيئوية" أنه بصدد رفع دعوى قضائية ضد الحكومة البريطانية إذا قدمت أية مساعدة لشركة "بلفور بيتي". وقد أيَّده وتضامن معه نيكولاس هيلديار رئيس جمعية "البيت الزاوية". وكان قادة هذه المنظمات ومنظمات تركية متحالفة معها قد زارت موقع سد أليسو وشارك في فعالياتها فنانون عالميون من بينهم الفنان مارك توماس، والتقت بمسؤولين من شركة "بلفور بيتي" وسلمتها مذكرة رفض واحتجاج رفض مدير الشركة تسلمها.

كما أدان رؤوساء ووجهاء منطقة "أليسو"، وممثلون عن الجماعات المحلية التركية، انعكاسات بناء السد الضخم على حياتهم ومنطقتهم، و شكلت هذه المنظمات الدولية والتركية وفدا كان يتسابق مع الوفود التركية الحكومية ويرد على مشاريعها ويكشف خطورتها وأهدافها. وقد حضرت تلك الوفود فعلا عددا من المؤتمرات الصحفية في سويسرا وألمانيا وبريطانيا وهاجمت هذا المشروع العدواني. هذه شذرات من تغطية الكاتب نوار جليل هاشم، في دراسته سالفة الذكر، تسلط ضوءا قويا على نشاطات المناوئين للسد التركي العدواني من أتراك وغربيين.

مساهمة عراقية واعدة:

ومع ذلك، فثمة ما يبعث على الأمل عراقياً على هذه الجبهة: لقد تحركت أخيرا قلة من نشطاء منظمات المجتمع المدني العراقي بالتنسيق مع أخرى بيئوية تركية من بينها منظمة "اي سي أي ووتش" ومنظمة طبيعة العراق والمجموعة البيئية التركية، تحركت، بتاريخ 22 آذار 2012، ونظمت رحلة لمجموعة من الفلاحين والشيوخ من جنوب العراق إلى منطقة "حسنكييف" في تركيا والتي سيقام فيها سد أليسو، والتقوا هناك مع أهالي المنطقة الأتراك الرافضين للمشروع ووقعوا سوية على عريضة موجهة إلى الامم المتحدة يطالبون فيها برنامجها البيئي بدعم نشاطهم السلمي ضد انشاء سد اليسو. وبهذا الصدد، قال أولريتش إشيلمان من منظمة "الآي سي أي ووتش" ( سيكون تأثير سد أليسو أشد مما كان يعتقد سابقا. نأمل أنْ تنجح الأمم المتحدة في إعادة تركيا والعراق إلى طاولة المفاوضات وإلا سيصبح مهد الحضارة مجرد صحراء قاحلة). أحد الشيوخ العراقيين المشاركين في هذه الحملة، هو السيد عباس، قال مخاطبا المشاركين ( لقد جئنا من العراق لنرفع أصواتنا عاليا هنا، لأن أحدا لم يرفع صوته في العراق من أجلنا. نحن نعيش في إحدى أهم المناطق في العالم، في أهوار العراق، والتي هي الآن في خطر بسبب سد أليسو). وأضاف الشيخ العراقي قائلا ( نحن شعب ما بين النهرين، إنَّ دجلة هو أصلنا، وسبب بقائنا ومستقبلنا، ومياهه تسري في عروقنا وسوف نناضل كلنا من أجله). ويختتم الشيخ خطابه بالقول ( إذا استطعنا التأثير في خفض ارتفاع سد أليسو من 130م إلى 65م فلن تغرق حسنكييف ولن تجف الأهوار. فقط 65م من أجل بقاء مهد الحضارة، فهل هذا كثير؟ ).

وبغض النظر عن فعالية مطالبة الشيخ العراقي  بخفض ارتفاع السد إلى النصف، والتي لا نعتقد بأنها كافية للقضاء على الخطر المحيق بنهر دجلة، ولكننا نسجل أنَّ نشاطات كهذه تبقى إيجابية وخلاقة تماما وإنَّ خروج العراقيين أفراداً ومنظات للمجتمع المدني من سلبيتهم ولا مبالاتهم سيكون له الأثر الطيب و المردود الكبير في حملة الدفاع عن الرافدين.

الخلاصة :

يشكل سد "أليسو" على نهر دجلة خطرا كبيرا على العراق. سيخفض الوارد المائي إلى النصف و سيؤدي إلى إخراج مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية من الاستخدام في الشمال، إضافة إلى الأضرار البيئية والتلوث وزيادة تملح المياه وتجفيف الأهوار وإيقاف منظومات توليد الطاقة الكهربائية العراقية على امتداد النهر. جهود الحكومة العراقية لمواجهة هذا الخطر كانت بائسة ولم تخرج عن إطار التصريحات الوزارية النادرة والخالية من أي منحى دفاعي علمي وعملي. مشروع "أليسو" وغيره من سدود كما يعتقد أحد الباحثين غير جائز بموجب إعلان مدريد 1911 وبموجب مبدأ هلسنكي 1966 الذي ينفي مبدأ الانتفاع بمياه الأنهار الدولية من قبل دولة واحدة، ما لم يكن هناك اتفاق بين دول الحوض النهري المعني. إنها جريمة بحق القانون الدولي لأنها تشطب على مبدأ "الاستخدام العادل والمنصف" و "مبدأ الضرر الملموس". إنَّ تركيا ستخسر أية دعوى قضائية دولية يقيمها ضدها العراق في محكمة العدل الدولية، لأنَّ مرجعية هذه المحكمة هي " اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية لأغراض غير ملاحية"  لسنة 1997. إن  الإهمال والتراخي القريبان من التواطؤ، يطبعان نشاط الحكومات العراقية منذ أنْ بدأ الخطر يداهم دجلة والفرات أيام الحكم الشمولي السابق وحتى قيام حكم المحاصصة الطائفية! وعليه يغدو من الضروري بناء وتبني استراتيجية عراقية شجاعة وعلمية تتصدى للخطر و تستفيد من الدور المتصاعد للمنظمات المدنية الدولية غير الحكومية التي أفشلت محاولات تمويل هذا السد من قبل البنوك الأوروبية والأميركية ومن الضروري أنْ تلتحق المنظمات المدنية العراقية بهذه الحملات السلمية لأنها تصب في صالح قضية الدفاع عن أنهارنا.

[1] - هاشم نوار جليل .مجلة " المتابع الاستراتيجي " عدد 14 الصادرة عن مركز الجنوب للدراسات والتخطيط الستراتيجي ، نقلا عن مجلة المستقبل العربي.

الفصل الثالث من كتاب " القيامة العراقية الآن " تأليف علاء اللامي - دار الغد - بغداد - 2012