هل ستختفي مياه نهر دجلة في شهر آذار القادم مع بدء التخزين في سد أليسو التركي؟

التقطت هذه الصورة لنهر دجلة في بغداد قبل أكثر من عشرة أعوام وخلال أزمة ندرة مياه

علاء اللامي

لنستعد لاستقبال كارثة تجفيف نهر دجلة مع بدء تدشين سد أليسو التركي فمع اقتراب موعد بدء تخزين المياه في سد أليسو التركي (الموعد الرسمي هو في شهر آذار/مارس القادم) ستقطع غالبية مياه نهر دجلة عن العراق وستختفي كل أو أغلب مياه النهر في بغداد وجنوب العراق. وتلبية لطلب عدد من الأصدقاء أعيد هنا نشر فقرات مختارة من الفصل الثالث من كتابي (القيامة العراقية الآن - كي لا تكون بلاد الرافدين بلا رافدين: خفايا وأسرار العدوان التركي والإيراني على أنهار العراق لتصحيره) الصادر عن دار الغد - بغداد 2012. 
وأرجو أن يأخذ القارئ الكريم بنظر الاعتبار أنني بدأت بتأليف هذا الكتاب سنة 2006 وقد نشر قبل خمسة أعوام تقريبا، ولهذا فإن بعض الأرقام والمعطيات الواردة فيه قد تغيرت ولكن فحواه العامة والخط الجوهري لمضامينه ماتزال باقية وطازجة الى حد بعيد.
* (إنَّ كميات المياه الواردة إلى العراق عبر نهر دجلة، ستنخفض بشكل كبير عند اكتمال تنفيذ هذا السد، فهذه الكميات الواردة بشكل طبيعي لا تقل عن 20,93 مليار م3 في السنة، ولكنها ستنخفض عند إنشاء السد إلى أقل من النصف، إذْ سيرد إلى العراق منها 9,7 مليار م3 أي ما يشكل 47% من الإيراد السنوي الطبيعي منذ القِدَم. هذا النقص الفادح في مياه نهر دجلة، سيؤدي إلى إخراج مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية من الاستخدام خصوصا في شمال العراق / إقليم كردستان. إنَّ الأراضي الزراعية في شمال وسط وجنوب العراق التي ستتحول إلى صحاري مهملة وغير مستخدمة في الزراعة، ستتقلص بنسبة الثلث بعد انتهاء الأتراك من بناء هذا السد.
* أما الأضرار البيئية التي ستنجم عن تقلص رقعة الأراضي الخضراء والمراعي الطبيعية وزحف ظاهرة التصحر، فسوف تنعكس على الطقس في العراق، وستتكرر العواصف الرملية طوال العام.
*من الناحية السكانية، فإنَّ هذا السد سيحرم أعدادا كبيرة من السكان من مياه الشرب، وسيلوث مياه الشرب المتبقية، لأنها ستمر في مولدات الطاقة الكهرومائية و ينضاف إليها ما يخرج من مياه ملوثة من منظومات الصرف الصحي للمدن الواقعة على نهر دجلة. وسيرتفع مستوى التلوث والملوحة في هذه المياه إلى 1800 ملغ /لتر، كما هي الحال في مياه الفرات. في حين أنَّ المعدل العالمي للتلوث لا يزيد عن 800 ملغ/ لتر!
*سيتغير السد نمط معيشة السكان إلى أنماط غير منتجة، فتتدهور الزراعة والرعي وتتراجع أعداد الثروة الحيوانية.
*ستتأثر عملية إنعاش الأهوار حيث أنَّ انخفاض واردات العراق في دجلة وفي الفرات بنسبة 90% بسبب السدود التركية ونضيف إلى ذلك المشاريع الإيرانية الخطيرة وسترتفع نسبة الملوحة والتلوث في مناطق الأهوار.
*سيؤدي انخفاض مناسيب المياه في دجلة إلى توقف العمل في منظومات توليد الطاقة الكهربائية المقامة على طول نهر دجلة، وخصوصاً في سدي الموصل وسامراء، وسيؤثر ذلك على النشاط الصناعي والبنى التحتية كمحطات تصفية المياه ومصافي النفط والمستشفيات.
*ستنخفض مناسيب الخزانات الطبيعية التي يعتمد العراق عليها في عملية خزن المياه للاستفادة منها في مواسم الجفاف كبحيرتي الثرثار والحبانية.
*ستمتد تأثيرات سدود تركيا، وخصوصا سد أليسو، في مجاري الأنهار حتى شمال الخليج حيث دلت الدراسات العلمية والعينات المأخوذة من سواحل الكويت أنَّ تأثيرات ضارة بسبب المياه الملوثة قد رصدت في مناطق صيد الأسماك والروبيان.
*موقف القانون الدولي من إنشاء السدود، كان قاصرا، بحيث بذل فقهاء القانون الدولي جهوداً ترمي إلى تسوية أوجه التعقيد فيه، وإقناع الدول المتشاطئة بإخضاع مطالباتها المتعارضة لنظام معياري من المبادئ القانونية. ولكن هذه الجهود، ذهبت أدراج الرياح. وفي اجتماع مدريد سنة 1911 ناقش معهد القانون الدولي القضية وجاء في المادة الثانية من إعلانه الذي سمي "إعلان مدريد" ما يلي:
-لا يجوز للدولة إقامة منشآت لاستغلال مياه النهر دون موافقة الدول "المتشاطئة" الأخرى وتمنع جميع التعديلات الضارة بالمياه.
-لا يجوز إنشاء المشاريع التي تستهلك كمية كبيرة من المياه.
-عدم انتهاك حقوق الملاحة في النهر الدولي.
-لا يجوز إقامة مشاريع في دول المصب من شأنها إحداث فيضانات في دول المنبع. نسجل تحفظنا على هذه الفقرة الغامضة، إذْ نعتقد أنَّ المقصود بها والصحيح هو العكس تماما فمن غير الممكن تصور حدوث فيضانات في دولة المنبع أي تركيا إذا أنشأ العراق سدوداً على أنهاره بل إنَّ العكس هو الصحيح.
- يجب على الدول المعنية تعيين لجان مشتركة دائمة لكي تتولى دراسة المشاريع المقترح إقامتها على النهر.
*إن تقدماً فعلياً قد حدث في جهود الأمم المتحدة في هذا المجال، ولكنه تقدم بطيء. فاللجنة الاقتصادية الأوروبية التابعة للأمم المتحدة، عام 1952، أكدت (أنَّ الدول المتشاطئة وإنْ كانت تملك حقوق السيادة على الجزء المار أو المتاخم لأراضيها فإن هذا الحق السيادي مقيَّد بحقوق الدول الأخرى المتشاطئة على النهر). هذه المادة مثلاً تتناقض مع الشعار الدائم الذي ترفعه الحكومات التركية المتعاقبة لتبرير إنشائها عشرات السدود على دجلة والفرات بدعوى أنها تمارس حقها السيادي على أرضها، وتعطي الحق للعراق بالمطالبة بحقوقه التي تأثرت تأثراً بالغاً بهذه المشاريع والشعارات التركية.
*وفي عام 1966، أقرت الجمعية العامة القانون الدولي في اجتماعاتها في هلسنكي مبدأ ينفي الانتفاع بمياه الأنهار الدولية من قبل دولة واحدة ما لم يكن هناك اتفاق بين دول الحوض النهري المعني في هذا الشأن. أما لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة، فقد ذكرت، في العام ،1973 ما نصه (إنَّ الدول المتشاطئة على النهر الدولي تستطيع استعمال المياه طبقاً لحاجاتها شرط ألا يسبب هذا الاستعمال ضرراً للدول الأخرى المشتركة معها في هذا النهر). 
*يمكننا أنْ نفهم ببساطة، أنّ العنجهية التركية واعتبار الرافدين نهرين تركيين، وأنها تمارس سياديتها على أنهارها حتى ولو أدى ذلك إلى تصحير وتدمير العراق، هي جريمة بحق القانون الدولي لأنها تشطب على المبدأين معا، مبدأ "الاستخدام العادل والمنصف" و "مبدأ الضرر الملموس"، ويمكننا أنْ نفهم أنَّ تركيا ستخسر أية دعوى قضائية دولية يقيمها ضدها العراق في محكمة العدل الدولية، لأنَّ هذه المحكمة ستدين تركيا فوراً ومباشرة لأنَّ من مرجعياتها القانونية "اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية لأغراض غير ملاحية" لسنة 1997. أما الذي لا نفهمه إطلاقاً، فهو الإهمال والتراخي القريبان من التواطؤ العلني، والذي تبديه الحكومات العراقية منذ أنْ بدأ الخطر يداهم دجلة والفرات أيام الحكم الشمولي السابق "نظام صدام حسين" وحتى قيام حكم المحاصصة الطائفية!
*إنَّ بناء وتبني إستراتيجية جريئة وشجاعة تدافع عن العراق شعبا ووطنا، تبدأ بالخيارات السلمية و رفع القضية إلى المحافل الدولية ورفع دعوى إلى محكمة العدل الدولية ضد تركيا، وتستخدم كافة المساعي السلمية والدبلوماسية، فإنْ واصلت السلطات التركية عنادها وإصرارها على تدمير وتصحير العراق، فلا بد حينها للعراق من امتشاق خيار الدفاع العسكري عن النفس والتهديد بتدمير تلك السدود القاتلة والتي تحولت إلى جبال من الإسمنت المسلح، يحتجز خلفها تجار المياه وكهرومياه مياه دجلة والفرات وأغلب روافدهما ليموت العراق ويزول من الأطلس العالمي. إنها استراتيجية دفاعية بحتة، ومشروعة تماماً من النواحي القانونية الوضعية والدينية والأخلاقية ولا بد منها لمواجهة خطر الفناء، وهو فناء حقيقي هذه المرة وليس أسطوريا!)
*انتهت الفقرات التي اخترتها لهم من هذا الفصل من الكتاب وأضيف الآن: إن الحكومة العراقية لم تقم بما هو أقل من واجبها بهذا الخصوص والمسؤولون المعنيون بهذا الملف يستقبلون المعلومات عنه عن طريق الإعلام كسائر المواطنين ويقومون بدور "غراب البين" المنذر بالمصائب والكوارث القادمة ويريد أن يحل المشكلة ويتجنب الكارثة برفع شعار: شدوا الحزام شدوا الحزام، ولا تفتحوا الحنفيات كثيرا!
إن نظام الحكم العراقي الذي يجبن ويعجز عن مواجهة المتسبب الأول والمباشر في هذه الكارثة وهو الحكومة التركية بزعامة أردوغان، هو نظام مجرم بحق شعبه وينبغي أن يعامل المسؤولون والمقررون فيه كمجرمين حين تقع الكارثة ويختفي نهر دجلة من الوجود.
*الصورة: التقطت هذه الصورة لنهر دجلة في بغداد قبل أكثر من عشرة أعوام وخلال أزمة ندرة مياه ومن المتوقع أن ما سيحدث في الربيع القادم أكثر مأساوية من كل ما حدث وربما سيتحول نهر دجلة إلى مجرد خندق فارغ إلا من المستنقعات الآسنة المبعثرة.